|
|
|
السياسة الخارجية للولايات المتحدة قبل وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول الدكتور شبلي التلحمي محاضراً في مكتبة الأسد استضافت مكتبة الأسد ضمن نشاطات السفارة الأميركية في دمشق محاضرة ألقاها الدكتور شبلي التلحمي الأميركي من أصل عربي تحدث فيها عن سياسة الولايات المتحدة الخارجية قبل وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول. بداية تحدث سفير الولايات المتحدة في دمشق ثيودور قطوف فرحب بالحضور شاكراً وزارة الثقافة السورية لدعمها المستمر برامج السفارة وسماحها باستخدام مكتبة الأسد لإلقاء هذه المحاضرة وقال : "يسعدني بالنيابة عن السفارة الأميركية في دمشق أن أقدم ضيفنا الدكتور شبلي التلحمي الذي يشغل كرسي أنور السادات الأكاديمي للسلام والتنمية في جامعة ميريلاند وهو زميل غير مقيم في مؤسسة بروكرينز". وأعطى السفير الأميركي نبذة عن الدكتور التلحيمي كالتالي : "أستاذ مساعد في أنظمة الحكم ومدير مركز دراسات الشرق الأدنى في جامعة كورنل وزميل زائر في مركز ويدرو ويلسون، كما أنه قام بالتدريس في جامعة : أوهايو، جنوب كاليفورنيا، برنستن، كولومبيا، سوارت نور، كاليفورنيا في بيركلي، بالإضافة إلى نشاطاته الأكاديمية وفي مجال السياسة الخارجية حيث ساهم بمقالاته في صحف "الواشنطن بوست". و "النيويورك تايمز" و "اللوس أنجلوس تايمز". والدكتور التلحمي خدم كمستشار لوفد الولايات المتحدة في الأمم المتحدة خلال الأزمة العراقية- الكويتية، كما كان ضمن فريق عمل عضو الكونغرس لي هاملتون الذي كان يرأس لجنة العلاقات الدولية، وقد أصبح الدكتور التلحمي عضواً في مجلس العلاقات الخارجية وهو عضو في مجلس مؤسسة مراقبة حقوق الإنسان. وختم السفير قطوف بالقول : "الدكتور التلحمي يمثل الأفضل في عالمنا ونحن نقدمه اليوم كمفكر مستقل غير حكومي حول مواضيع تهمنا جميعاً، وشكراً".
محاضرة د. التلحمي أنا لا أمثل الحكومة الأميركية، وبالفعل فأنا أنتقد أداءها من خلال كتاباتي. لذلك، فإن كلامي اليوم كلام تحليلي كخبير سياسي أكتب عن السياسة الأميركية الخارجية وأحللها خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. فإذا سمحتم لي سأتكلّم قليلاً عن نظرة حكومة بوش عندما جاءت للحكم قبل الحادي عشر من أيلول ومن ثم التغير في صناعة القرار في أجهزة الولايات المتحدة. عندما حضر الرئيس بوش إلى الحكم في أوائل عام 2001 كان أهم شيء بالنسبة له أن يمارس سياسة عكس سياسة سلفه كلينتون، فبنظره كل ما عمله كلينتون كان خاطئاً وهذا يعني العمل عكسه تماماً. أحد أسباب هذا المبدأ، طبعاً أ،ه كان هناك نقد في الحزب الجمهوري لسياسة كلينتون الخارجية بشكل عام وكان هناك انتقاد خاص بالنسبة لمحاولاته المكثفة لحل النزاع العربي- الإسرائيلي التي تبخرت في نهاية الأمر بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد، لذلك كان التفكير في البيت الأبيض ولدى الرئيس نفسه والرجال الذين حوله، بأن كلينتون فشل فشلاً ذريعاً ولن يعيدوا ذلك الاسرائيلي بالشكل المكثف الذي ركز عليه الرئيس كلينتون. هناك سبب آخر طبعاً بالنسبة لبوش نفسه، فهو لم يكن يهتم بالسياسة الخارجية، ولم يكن خبيراً في قضاياها، وكان يهتم أكثر بالقضايا الداخلية. والحزب الجمهوري ركز أكثر على قضايا السياسة الداخلية وليس الخارجية، فلذلك كان هناك أولاً عدم اهتمام بالسياسة الخارجية بالشكل العام، كما أن التغييرات الكبيرة في الشرق الأوسط أدت إلى تخفيف احتمالات السلام ومنها طبعاً انهيار مفاوضات كامب ديفيد ومنها الانتفاضة الفلسطينية ومنها انتخاب شارون في إسرائيل الذي لم يكن مستعداً لتقديم التنازلات في سبيل الحل السلمي المطلوب في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، ولذلك كان التفكير قبل الحادي عشر من أيلول، بأن الولايات المتحدة لا يجب أن تكثف ديبلوماسيتها في حل النزاع العربي- الإسرائيلي، وبرز ذلك في أول رحلة ديبلوماسية لوزير الخارجية باول إلى الشرق الأوسط. وكان التفكير السائد في البيت الأبيض هو أن النزاع العربي- الإسرائيلي في نهاية الأمر لن يؤثر على المصالح الأميركية الأخرى، وأنه ليس هناك ربط بين ما يجري على المستوى الفلسطيني- الإسرائيلي بالذات وما يجري في منطقة الخليج، وإنه يمكن فصل قضية النزاع العربي- الإسرائيلي عن قضايا الخليج. وكان التفكير بأن الرأي العام العربي بشكل عام ليس له أثر كبير على صناعة القرار في الدول العربية، حتى وإن كان الرأي العام في الخليج أو في شمال أفريقيا أو في بعض الدول العربية الأخرى ربما يعارض الولايات المتحدة ويخالف سياستها تجاه النزاع العربي- الإسرائيلي. الحكومات العربية يمكنها أن تختلف بالرأي مع شعوبها وفي نهاية الأمير ستتصرف بالنسبة لمصالحها في قضايا النفط والقضايا الأخرى، ولذلك يمكن القول بأن التصعيد الذي حدث في ربيع 2001 قبل الحادي عشر من أيلول أدى إلى بعض التغيير في الفكر الأميركي حتى في البيت الأبيض نفسه، وأحد الأسباب التي أدت إلى بداية التفكير بأن سياسة جديدة ربما تكون مطلوبة. وكان قرار ولي العهد السعودي الأمير عبد الله يرفض دعوة الرئيس بوش للحضور إلى البيت الأبيض لأنه لا يتوافق مع السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية. وكان هذا القرار يخالف الافتراض الموجود بين مستشاري الرئيس بوش بأنه لا يمكن أن يكون هناك ترابط بين ما يجري في فلسطين والخليج. لذلك، كان هناك تراجع أو تساؤلات أسفرت عن تفكير جديد بدأ يظهر في صيف 2001، وتشاورات جديدة بدأت تتحرك في العاصمة الأميركية، والمحرك الرئيس لهذا النقاش الذي دار داخل حكومة بوش بشكل عام كانت وزارة الخارجية الأميركية، لأنها العامل الرئيس في قضية صناعة القرار، وكان باول نفسه قد نجح صيف 2001 في تحريك السسياسة الأميركية في توجيه النزاع العربي- الإسرائيلي في اتجاه جديد، وتمثل هذا النجاح بإقناع الرئيس بوش بأن يلقي خطاباً عن تصور سياسة جديدة للولايات المتحدة تجاه النزاع العربي- الإسرائيلي تلعب فيها الولايات المتحدة دوراً أهم ومكثفاً أكثر، وتكون متزنة بإعلاناتها خصوصاً بالنسبة للحقوق الفلسطينة أكثر من السابق، وهذا الخطاب حضر بالفعل، وكان متوقعاً أن يلقيه الرئيس بوش في السادس والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر 2001. ثم جاء الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وطبعاً نحن نعرف آثار هذا اليوم على المستوى النفسي والشعبي وعلى مستوى الرأي العام، هذه كانت كارثة كبيرة جداً للشعب الأميركي بشكل هز الافتراضات الكبيرة وهز نفسية الاستقرار والثقة في الشعب الأميركي وأصبح العامل النفسي الرئيسي الذي يؤثر على التفكير الجديد على المستوى الشعبي وليس فقط على المستوى الحكومي. وبدأ الرئيس بوش يركز على السياسة الخارجية لأول مرة في حياته مع أنه لم يكن خبيراً ولا مهتماً بها، وإنما بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر أصبحت قضية الإرهاب هي قضيته الأولى وشغله الشاغل وأصبح التركيز على هذه القضية هو العامل الرئيسي لرئاسته، وهذا التركيز على هذه القضية كانت نتيجته أن الرئيس بوش نفسه، والبيت الأبيض، أصبحا المصدر الأول لصناعة القرار في السياسة الخارجية قبل وزارة الخارجية. فارتفعت أهمية المستشارين الموجودين في البيت الأبيض وغالبيتهم ليسوا خبراء في قضية الشرق الأوسط، لذلك أصبح البيت الأبيض أهم بكثير من وزارة الخارجية وأصبحت وزارة الدفاع مهمة في صناعة القرار بشكل كبير مع أنها لم تكن مهمة من قبل لأن قضية الحرب على الإرهاب أصبحت قضية أمنية، وقضية حرب في نهاية الأمر خصوصاً بالنسبة لقضية أفغانستان، من هنا أصبحت تلعب دوراَ هاماً جداً في صناعة القرار في السياسة الخارجية مع أنها لا تملك خبراء عن الشرق الأوسط.
وزارة الدفاع00 للشؤون الخارجيةإن وزارة الدفاع بشكل عام لا تهتم بالقضايا بهذا الشكل. هناك بعض الخبراء، ولكن غالبية صانعي القرار في وزارة الدفاع ليسوا خبراء في قضايا الشرق الأوسط. وعلى الرغم من ذلك، أصبحت القرارات وصناعتها مرتبطة بموافقة خبراء وزارة الدفاع. معنى ذلك أنه عندما يكون هناك اجتماع للتقرير في موضوع معين يتعلق بالسياسة الأميركية الخارجية باتجاه الشرق الأوسط سيكون هناك ممثلون من وزارة الدفاع لهم أهمية كبيرة ويسمع لهم، وطبعاً ممثل من البيت الأبيض ربما ممثل واحد أو اثنان فقط من وزارة الخارجية.
بعد 11 أيلول00 وزارة الدفاع الأميركية هي التي تصنع السياسة الخارجية لا كولن باول غالبية مستشاري بوش ليسوا خبراء في الشرق الأوسط وينتمون لليمين المتطرّف الأميركيون العرب : عرب أولاً وأميركيون ثانياً ولذلك سيفشلون في الحوار الداخلي الأميركي.
تغيرت نوعية صناعة القرار بشكل عام وإذا أخذنا بالاعتبار أن كل ديموقراطية أميركية لها مصالحها الخاصة نعرف كيف يؤدي ذلك إلى تغيير نوعية القرارات. ولكن بالإضافة إلى كل ذلك، هناك عامل إيديولوجي، وهذا العامل هو أن الكثير من الخبراء والكثير من المستشارين والمدنيين الموجودين في وزارة الدفاع وبين المستشارين المدنيين وفي البيت الأبيض هم من اليمين المتطرّف من ناحية أيديولوجية من ناحية فلسفية وهؤلاء الأشخاص ينظرون إلى السياسة الخارجية من خلال إطار استعمال القوة، ويرون أن الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها ولحل المشاكل التي تواجهها بشكل أكثر من الاهتمام الموجود في وزارة الخارجية في هذه المواضيع، التي تفضل التركيز على الديبلوماسية وترى القوة كداعم للديبلوماسية ولكن ليس كوسيلة يمكن استعمالها بدون استعمال الديبلوماسية في الوقت نفسه. فهناك إذن تغيير كبير في هذه النوعية وعلى الرغم من هذا كله يمكن القول بأن الخلافات في صناعة القرار ما زالت موجودة حتى الآن، ولكن يمكن أيضاً القول بأن الكفة الراجحة في النقاش داخل حكومة بوش على مستوى واشنطن وعلى مستوى الرأي العام هي لفئة اليمين المتطرّف على الرغم من استمرار الخلافات داخل هذه الحكومة بما في ذلك ما يتعلق بالنسبة للسياسة الأميركية تجاه العراق. فهناك الكثير طبعاً من المستشارين في وزارة الدفاع وفي البيت الأبيض الذين يفضلون الحل العسكري لقضية العراق، وهناك الكثير في وزارة الخارجية وفي البيروقراطية الأميركية الذين يفضلون الحل الديبلوماسي، ويمكن القول بأن الرئيس بوش يتعاطف إلى حد ما، مع اليمين المتطرف، ولكن ذلك غير واضح حتى الآن. والرأي العام الأميركي في رأيي هو عامل هام، ولكن الشعب الأميركي ليس شعباً إمبريالياً حتى ولو كان هناك بعض العناصر في الولايات المتحدة التي تفضل الإمبريالية، ولكن هذا الشعب بشكل عام ليس إمبريالياً، لا يحب التدخل العسكري ولا يحب الوجود العسكري خارج الولايات المتحدة الأميركية. وكل الاستفتاءات تشير إلى ذلك وحتى بالنسبة لاستعمال القوة وحتى بالنسبة لقضية العراق، وهناك تخوّفات نفسية على مستوى الشعب الأميركي مرتبطة بالحادي عشر من أيلول ترى أهمية التصرف بشكل ما تجاه العراق، ولكن غالبية الشعب الأميركي تفضل ألاّ تتصرف الولايات المتحدة أحادي وتفضل أن تكون القرارات الأميركية مرتبطة بقرارات هيئة الأمم المتحدة ومع حلفاء وليس لوحدها. فاليمين المتطرف نجح في تفسير الأمور بشكل يساعد على جذب الرأي العام في اتجاه تفسيراته المتطرفة. النظر إلى العالم من خلال نافذة 11 أيلول. والذي أتخوّف منه أنا شخصياً هو أن الحادي عشر من أيلول أصبح النافذة الرئيسة التي تنظر من خلالها الولايات المتحدة لقضايا العالم بشكل عام، ولذلك لا يمكن أن تكون هذه نافذة واضحة، وأنا أتخوف طبعاً من أبعاد ذلك، إذ من الممكن أن نفسر المشاكل بشكل خاطئ ولذلك نفسر الحلول بشكل خاطئ. ولهذا، فالحوار دائر، وأنا كمحلل أميركي أكتب بشكل دائم كجزء من هذا الحوار الدائر في الولايات المتحدة، ولا أعتقد بأنني من بين الطرف الناجح في هذا الحوار حتى الآن، ولكن لا أعتقد أن هذا الحوار قد انتهى. وحتى بالنسبة لقضية السياسة الأميركية تجاه العراق أنا أرى كمحلل أن احتمالات الحرب عالية جداً، وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن نقول أيضاً بأن الحرب ليست حتمية، فهناك إمكانيات تتعلق بأحداث الأسابيع المقبلة على مستويات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة وعلى مستويات الشرق الأوسط. بدون شك أن الحادي عشر من أيلول أثر على العلاقات السورية- الأميركية كما أثر على العلاقات العربية- الأميركية بشكل عام، وبعد هذا التاريخ بعث الرئيس بشار الأسد للرئيس بوش رسالة مهمة جداً، وحسب رأيي كان لها تأثير شخصي على بوش وعلى التفكير في واشنطن لأنه ندد فيها بما حدث في الحادي عشر من أيلول وبعمليات الإرهاب بشكل مهم، كما كان للدور السوري في بداية الحرب على "القاعدة" الأثر الكبير. لكن الأمور تغيرت بعد ذلك لأسباب عدة، ولكن التغيير الأكبر حصل نتيجة لتغيير التفكير الأميركي باتجاه الشرق الأوسط. أصبحت قضية الإرهاب هي القضية الهامة على الأقل على مستوى النقاش الأميركي، وليس فقط على مستوى الحكومة. ولذلك، فإن القضايا التي تعلقت بسورية في النقاش الصحفي وفي الكونغرس تنظر إلى سورية من هذا المنطلق ولذلك تأثرت العلاقة بشكل سلبي إلى حد ما على الرغم من أنها لم تتدهور، وأتمنى أن تتحسن خلال الأشهر المقبلة. ولكن بدون شك الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون أسابيع صعبة على الكل وحتى على مصالح الولايات المتحدة بشكل عام وبدون شكل ستكون هناك ضغوط على العلاقات الأميركية- السورية كما ستكون هناك ضغوط على العلاقات الأميركية- العربية بشكل عام وستكون فترة خطيرة، حسب رأيي الشخصي، بالنسبة لمستقبل العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط بشكل عام وليس فقط مع سورية. ولكن دعوني أنهي كلامي بالقول إن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ستستمر وستكون هامة في العقد المقبل، كما كانت عليه في السابق، ولكن في نظري لا يمكن أن تكون هناك سياسة أميركية سليمة في الشرق الأوسط مبنية على أساس متين بدول حل النزاع العربي- الإسرائيلي بشكل شامل وعادل. وحسب رأيي أننا، في الولايات المتحدة، سنكون مخطئين إذا فكرنا بأن قضايا أخرى ستغير المعادلة بشكل يغير من أهمية النزاع العربي- الإسرائيلي في مصالح الولايات المتحدة بشكل عام وفي مصالح منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. 6/11/2002 |