المركز العربي للدراسات المستقبلية

 
    استراتيجيا/ السياسة العربية
     

 

مناقشة التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2001

 

عقد مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة ندوة لمناقشة التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2001 الذي يصدره مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ويرأس تحريره د. حسن أبو طالب. وعبر ست جلسات وجلستي افتتاح وختام تمت مناقشة التقرير بالتحليل والنقد لما جاء فيه، وذلك عبر ستة محاور أساسية هي : التفاعلات  الدولية، والإسلام في التفاعلات الدولية، والصراع العربي الإسرائيلي، والتفاعلات الإقليمية، والنظام الإقليمي العربي، وجمهورية مصر العربية. وهذه المحاور وإن تماشت مع تلك الواردة في التقرير إلاّ أنها تعاملت معه بشكل مرن لمزيد من التوضيح والتقريب. لذلك تم تجميع بعض النقاط لمناقشتها في جلسة واحدة دون الالتزام بموقعها في التقرير.

ورغم أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر شكلت جزأ"  من أحداث عام 2001 في مجمله إلاّ أنها ظلت النقطة الأكثر تأثيراً، والتي تم النظر إليها باعتبارها نقطة كاشفة أو مسببة لغيرها من الأحداث والتداعيات سواء لطبيعة الحدث وضخامته ولما استهدفه من رموز سياسية واقتصادية، أو لموضوع الحدث ممثلاً في الولايات المتحدة الأميركية كأقوى دولة في العالم، أو لطبيعة مرتكب الحدث ممثلاً في أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.. جاء تركيز التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2001 حول أحداث 11 سبتمبر وقد تناول التقرير طبيعة الحدث وانعكاساته من خلال رصد وتحليل مختلف أبعاد أزمة هجمات سبتمبر في إطار تفاعلها مع الأوضاع الإقليمية والدولية إدراكاً لطبيعة ومحورية دور الولايات المتحدة في العالم، وتأثيرها بشكل أخص على ساحة الصراع العربي الإسرائيلي. وقد استطاع التقرير كما أكدت المناقشات أن يتناول هذه القضايا بشكل مميز، وأن يحتفظ بخط أساسي للتحرك يجمع ما بين محورية أحداث 11 سبتمبر وانعكاساتها على مجمل التفاعلات الإقليمية والدولية من جانب، وطبيعة هذه التفاعلات طوال عام 2001 وبالتالي تحرك ما بين إبراز عوامل التغير والاستمرار في القضايا المثارة.

وخلال الجلسة الأولى التي رأسها د. مصطفى علوي تم تناول البعد الخاص بالتفاعلات في شقها المتعلق بالولايات المتحدة وجهودها فيما يتعلق بعملية بناء التحالف الدولي المضاد للإرهاب، وتطورات العمليات العسكرية في حرب أفغانستان، وجهود التسوية السياسية اللازمة الأفغانية، وانعكاسات الأزمة على استراتيجية الأمن القومي الأميركي والاقتصاد الأميركي، وكذلك انعكاساتها على العرب والمسلمين. والأهم طبيعة تأثير الحدث على النظام الدولي وسياق التفاعلات التي تتم فيه وهو الأمر الذي عبرت عنه افتتاحية التقرير بشكل شديد الوضوح في تناولها للتساؤل الخاص بوضعية أحداث 11 سبتمبر في تطور النظام الدولي، وما تمثله كحدث مميز أو فارق فجاءت كما كتبها د. حسن أبو طالب تحت عنوان "عالم ما قبل .. عالم ما بعد".

وقد أبرزت المناقشات ما جاء في التقرير من سعي الولايات المتحدة إلى بناء تحالف دولي واسع في إطار ما سمي بالحرب ضد الإرهاب الدولي وذلك على مستويين أحدهما معلوماتي واستخباراتي، والثاني عسكري ولوجيستي. وطبيعة الحرب التي تم شنها في أفغانستان والصعوبات التي واجهتها خاصة بالنظر إلى طبيعة الهدف المطلوب تحقيقه وهو الإمساك بأسامة بن لادن، وتدمير تنظيم القاعدة، والإطاحة بنظام طالبان وإقامة نظام حكم بديل، وكذلك طبيعة ميدان الحرب ممثلاً في أفغانستان، والتخطيط العسكري الذي اتبعته للتعامل مع هذه التحديات كما اتضح من مراحل الحرب. وأكدت على ما جاء في التقرير من أنه على الرغم من نجاح الولايات المتحدة في تحقيق التحالف الذي سعت إليه، وفي تحقيق بعض الأهداف التي وضعتها فان ما حدث في أفغانستان مثل حالة لا يمكن تكرارها مع دول أخرى لا سيما العراق أو الصومال أو اليمن، وهو الأمر الذي يستند وفقاً لما جاء في التقرير إلى اختلاف كل من طبيعة الظروف، والأهداف التي تحيط بكل حدث.. والذي بدأ واضحاً من خلال إثارةى قضية العراق وردود الأفعال الدولية حولها بما في ذلك رفض أطراف أساسية من المشاركين في الائتلاف الدولي في أفغانستان للمشاركة مع الولايات المتحدة في توجيه ضربة للعراق.

أما الجلسة الثانية التي رأستها د. نادية مصطفى فقد تناولت أحد الأبعاد شديدة الأهمية التي تناولها التقرير ومثلت ساحة أساسية لانعكاسات أحداث 11 سبتمبر وهي تلك المتعلقة بوضع الإسلام والمسلمين في ضوء هذه الأحداث. وقد أبرزت المناقشات أثر أزمة سبتمبر على صورة الإسلام والمسلمين، وعلى الحركة الإسلامية. حيث تحول المسلمون إلى متهمين في أعقاب الحدث خاصة في ظل التصريحات الرسمية والإعلامية التي وجهت لهم أصابع الاتهام. كما أبرزت ردود الفعل التي استتبعت هذه الأمر من قبل الشعوب الإسلامية التي رأت في سياسات الولايات المتحدة وتحيزها لصالح إسرائيل عاملا" من عوامل الكراهية، ومن قبل الحركات الإسلامية التي تحركت في سياسة من شقين أحدهما هجومي تمثل في تأكيد عدائها للولايات المتحدة وتوضيح أسبابه، والآخر دفاعي تمثل في تفنيد الدعاوى ضدهم ورفض امتداد الحرب الأميركية إلى أطراف أخرى عربية وإسلامية. هذا كما أوضحت طبيعة موقف المؤسسات الدينية الرسمية، وجهودها للتمييز ما بين المقاومة والإرهاب، وإبراز المفهوم الديني الحقيقي للكثير من القضايا التي أثيرت خاصة الجهاد، والمقاومة. وأكدت المناقشات على ما جاء في التقرير من عدم وجود مشروع إسلامي بديل متكامل للتعامل مع عناصر الموقف، وتقييم التحرك الإسلامي المضاد للهجمة الغربية، والنتائج التي أسفر عنها.

وتناولت الجلسة الثالثة التي رأسها د. إسماعيل صبري مقلد أحد القضايا الهامة سواء على  الساحة العربية، أو على ضوء انعكاسات 11 سبتمبر عليها وهي تلك المتعلقة بقضية الصراع العربي الإسرائيلي. وقد اتضح من خلال مناقشة هذا الجزء إدراك التقرير لطبيعة استمرار هذه القضية وامتدادها الزمني قبل أحداث سبتمبر إلاّ أنه سعى إلى تناول التأثير الذي نتج عن الحدث في ضوء تناول التطور النوعي الذي شهدته الانتفاضة الفلسطينية الثانية خاصة عملية تسليح الانتفاضة، والعمليات الاستشهادية، وانعكاساتها على القضية الفلسطينية في ظل إعلان الولايات المتحدة لحربها ضد الإرهاب، واستهداف جماعات المقاومة من جانب والجهود الإسرائيلية لاستغلال الحدث لصالحها من جانب آخر. إلى جانب طبيعة ما برز في سياق الانتفاضة فيما يتعلق بالعلاقات العربية العربية، وما تعانيه من مأزق يشمل السلطة الوطنية الفلسطينية ذاتها، والعلاقات العربية الإسرائيلية والتي تم وصفها باعتبارها حالة حرب خاصة في ظل استمرار سياسة التسلح النشيطة في العديد من دول المنطقة، وميل بعض الأطراف لاعتبار أن العمليات العسكرية أداة رئيسية في إدارة الصراع وهو الأمر الذي لم يرتبط بأحداث سبتمبر بقدر ما ارتبط بسياق مسيرة التسوية السلمية ذاتها والسياسات الإسرائيلية في هذا السياق.

أما التفاعلات الإقليمية فقد تم تناولها في الجلسة الرابعة التي رأسها د. عبد الملك عودة من خلال تناول الدور الإيراني والتركي والأفريقي. وقد جاء اهتمام التقرير بهذا الجزء في ضوء إدراك وجود مجموعة من القضايا والتفاعلات الهامة سواء في تأثيرها وتأثرها بأحداث سبتمبر، والتداخل في المصالح والتهديدات فيما بين العرب وجيرانهم. ولذلك جاء تناول كل من إيران وتركيا وأثيوبيا بشكل أساسي من خلال تناول أهم التفاعلات العربية الإيرانية، والعربية التركية، والمحددات الداخلية والإقليمية والدولية المؤثرة على هذه التفاعلات. وكذلك أهم التطورات الأفريقية سواء الداخلة أو تلك التي تندرج في سياق العلاقات بين دول القارة. فتم تناول فتناول قضايا الانتخابات والصراع بين المعتدلين والمتشددين في إيران، والأزمات الاقتصادية والسياسية التي واجهتاها تركيا، وموقف البلدين من الأزمة الأفغانية، وانعكاسات ذلك على علاقات دول الجوار مع الدول العربية، ومواقف هذه الدول من القضايا العربية خاصة قضيتا العراق والصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب ما طرأ على سياسات التسلح لهذه الدول.

هذا في حين ركزت الجلسة الخامسة برئاسة د. حسن نافعة على النظام الإقليمي العربي. وقد أبرزت المناقشات حالة النظام الإقليمي العربي في تعامله مع الحدث والواقع، وانعكاسات الحدث على النظام الإقليمي العربي. وقد أوضح التقرير طبيعة حالة الضعف التي شهدها النظام الإقليمي العربي سواء في مواجهته لتحديات كبرى مثل أحداث 11 سبتمبر، أو عدم قدرته على تجاوز حالة الركود التي يشهدها الواقع السياسي العربي. كما أبرز انعكاسات الحدث على النظام العربي من خلال إسهامه في زيادة التفاعلات العربية الأميركية، وطرح العديد من القضايا المركزية في النظام، وانعكاسات الحرب ضد الإرهاب على عدد من الدول العربية وجماعات المقاومة. وإبراز الطبيعة التدخلية للسياسة الأميركية، وما أثارته من اعتراضات عربية بما أثار التساؤل حول احتمالات المستقبل للعلاقات العربية الأميركية، وضرورات الإصلاح السياسي داخل النظم العربية والتي طرحت بشكل أقوى في ظل تغيرات النظام الدولي.

وفي الجلسة السادسة برئاسة د. كمال المنوفي تم تناول الحديث عن جمهورية مصر العربية. وقد تناول التقرير أبرز القضايا التي شغلت الساحة المصرية داخلياً وخارجياً على كافة الأبعاد السياسية والاقتصادية بالتركيز على الوضع الداخلي خاصة كل من أداء النظام السياسي، والمجتمع المدني، بالإضافة إلى موقف مصر من قضية الإرهاب والتي تم في إطار مناقشات الندوة تضمينها في محور التفاعلات الدولية.

وفي النهاية فقد أبرز التقرير الاستراتيجي العربي والمناقشات التي دارت حوله وعنه في هذه الندوة طبيعة التساؤلات التي ارتبطت بأحداث 11 سبتمبر سواء ما يتعلق منها بطبيعة الحدث والتغير الذي يمكن أن يكون قد شهده النظام الدولي من جانب، ووضع العرب والمسلمين في النظام الدولي والرؤية الغربية للإسلام وللعرب وما تستوجبه من تحرك مستقبلي تمثل كما جاء في التقرير في الدعوة إلى استراتيجية حضارية عربية من جانب آخر، وكيفية تفعيل هذه الرؤية والجهود العربية المطلوبة لذلك. وهي التساؤلات التي رأت المناقشات التي تمت أنها جديرة باهتمام التقرير الاستراتيجي لعام 2002 بالنظر لطبيعة ومكانة التقرير كأهم التقارير الاستراتيجية العربية، والأكثر استمرارية. ولطبيعة التحديات التي تواجه العرب والمسلمين والتي أبرز التقرير بوضوح عدم وجود سياسة جماعية للتعامل معها، والحاجة لتفعيل الحوار حول السبيل لتحقيق المصالح العربية والإسلامية.