مستقبليات/جوادث 11 سبتمبر  

المركز العربي للدراسات المستقبلية

     

تكرار 11 سبتمبر
رغم كل المظاهرات الهيستيرية الأميركية عقب 11 سبتمبر فإن الأميركيون لايستطيعون استشعار الأمان. فالعدو الشرق أوسطي هو عدو وهمي وكبش فداء. والأخطار الحقيقية لتكرار حوادث 11 سبتمبر مطروحة من قبل جهات داخلية أميركية أو من جهات خارجية تملك مقومات أذى أفظع بكثير مما جرى في ذلك الثلاثاء. وسنعمد بعد عرض هذه الجهات المهددة بتكرار 11 سبتمبر الى عرض مقالة مخاوف اميركية من تكرار الثلاثاء. وهي منشورة في مجلة نيوزويك الاميركية.

 

       بعيداً عن جدل مسؤولية حوادث 11 سبتمبر فإن القائمة الطويلة لأعداء الولايات المتحدة ومنافسيها باتوا يعرفون وبدقة متناهية نقاط الضعف الأميركية.

وهذا يعيدنا إلى الأنتروبولوجيا وهو علم تخطى وظيفة حضانة الأساطير إلى صناعتها. فالأسطورة عاجزة عن الاستمرار ما لم تجد حوادث موازية لها تتكرر في الأجواء الشبيهة. وهذه العودة إلى الانتروبولوجيا تذكرنا بأساطير الجبابرة شمشوم وأخيل وغيرهم. ولكل من هذه الجبابرة نقطة ضعفه القاتلة. من شعر شمشوم إلى كاحل أخيل إلى ثلاثاء الجبار الأميركي.

وبحسب هذه الأساطير الموازية لتاريخ البشرية فإن الجبابرة يموتون فجأة بمناسبة اكتشاف نقاط ضعفهم.

وبالانتقال إلى الاستقراء التاريخي فإن الدول الجبارة غالباً ما تنتهي بصورة درامية دموية وفجائية. هكذا سقطت أوروبا الكولونيالية وألمانيا النازية وروسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، التي استبدلت بعض دولها الدموية بالمجاعة.

أعداء الولايات المتحدة أكثر عراقة في عدائهم من بن لادن والإسلام والشرق الأوسط والعراق وغيرهم من الأعداء الذين أبرزتهم شائعة صدام الحضارات، مستبعدة الأعداء الحقيقيين، وهذه قائمة بأهمهم:

1-      الجريمة المنظمة: التي كانت شريكة قديمة للمخابرات الأميركية، لكن أميركا انقلبت على هذه الشراكة بعد نهاية الحرب الباردة. فكانت سلسلة مواجهات دموية بين شركاء الأسس. ومن هذه المواجهات نذكر:

-          حرب المخدرات الكولومبية (ازدادت كمية المخدرات المهربة إلى أميركا بعدها مما يعني فشل هذه الحرب).

-          الاغتيالات المتبادلة بين السلطات ومهربي المخدرات.

-          مهربو الأسلحة غير التقليدية وموادها الأساسية.

-          جرائم تبييض الأموال خارج الشروط الأميركية.

2-      الجريمة الجديدة: وهي الأشكال الجديدة للتعدي على حقوق الغير، وبعضها لا توجد قوانين تواجهه وتحدد العقوبات له. وغالبية هذه الجرائم ذات طابع مالي. وفي إطارها تدخل الفضائح المتتالية لإفلاسات الشركات الأميركية. وهذه المرة فإن الجريمة الجديدة موجودة داخل السلطة. إذ توجد شكوك مبررة وكافية عن تورط كبار المسؤولين الأميركيين في هذا النوع من الجرائم .

3-      الميليشيات الأميركية البيضاء: وهي المسؤولة عن انفجار أوكلاهوما في العام 1995. الذي لا يقل هولاً عن 11 سبتمبر إلاّ لجهة تنفيذه من قبل جهة أميركية وليس جهة خارجية.

4-      الهامشيون الأميركيون: وغالبيتهم من السود والملونين ولاجئي أميركا اللاتينية. ولقد تحرك هؤلاء في حوادث شغب عنصري في بداية أبريل / نيسان 2001. لكن السلطات الأميركية قمعتهم بعنف شديد ملفت.

5-      الجنرالات الروس: الذين يعيشون حالة شيزوفرانيا بين مجاعة وفقر مدقع يجتاحان المجتمع الروسي في مقابل ملكية أسلحة نووية كافية لتهديم العالم على رأس ساكنيه.

6-      القوميات المنبعثة: ومنها الألمانية (باتت تجد في القواعد الأميركية على أراضيها نوعاً من الاستعمار) والنمساوية (انتخبت هايدر وانتظرت أن يعيد لها بعضاً من نزعتها القومية) والفرنسية (صعود لوبان في الانتخابات الأخيرة. ومحاولات شيراك الدائبة لإيجاد حضور فريس على مسرح السياسة العالمية)000الخ من القوميات التي تجد مصالحها متعارضة مع المصالح الأميركية. أما القوميات الفقيرة فهي قد انتظرت المساعدات الأميركية طويلاً ولكن دون جدوى.

7-               القوميون الصرب: وهم أنصار ميلوسوفيتش المتعرض لمحاكمة دولية يعتبرها هؤلاء القوميون مذلة لهم ولقوميتهم.

8-      المستثمرون الصغار: الذين يكاد يحولهم نظام المليونيرات (المسيطرين على بوش وإدارته) إلى طبقة اجتماعية متميّزة ومتعرضة لاضطهاد المصب العلني والإفقار عبر خسارة مدخراتهم نتيجة لهذا النصب.

9-      اليهود الخونة: لا نريد تكرار الروايات عن تورط الموساد في أحداث 11سبتمبر . إلاّ أننا نود التذكير بتسريب اليهود الأميركيين لكل ما يملكونه من أسرار عسكرية أميركية إلى إسرائيل. كما نذكر بسلسلة فضائح إيران غيت والكونترا والجاسوس بولارد. عداك عن بيع إسرائيل أسراراً تقنية أميركية إلى الصين. ومن بينها صواريخ جو/جو خاصة بطائرات الفانتوم000الخ.

10-     الاتنولوجيين الأميركيين: الأميركيون يعودون لأصولهم العرقية بعد 11 سبتمبر في محاولة للتوجه أمام مخاوف تكرار الكارثة. وبعضهم يتعرض للتمييز بسبب أصوله العرقية. وهذا لا بد له من ترك أثره على مشاعر الانتماء لدى الجماعات العرقية الأميركية.

11-     الكاثوليك الأميركيين: الذين بدأوا يحسون بنوع من العنصرية تمارس ضدهم من قبل البروتستانت والبدع الدينية الجديدة. وتجدر الإشارة هنا إلى تصادم المصالح الأميركية المزمن مع توجهات الفاتيكان.

12-           البدع الدينية الجديدة: وهي في غالبيتها معادية للمجتمع الأميركي بتركيبته الحالية.

إن هذه القائمة المختصرة من أعداء الحكومة الفيدرالية الأميركية تؤكد على رجحان احتمالات تكرار "الثلاثاء الأميركي الأسود" دون أن يكون منفذي الثلاثاء هم أنفسهم منفذو الكارثة الأميركية اللاحقة.

Home

 
 

تكرار حوادث الثلاثاء 11 أيلول

بقلم مايكل هيرش ورود نوردلاند

لم تكن جنازة صغيرة بأي مقياس. بل لم تكن سرية بصورة واضحة أو تم ترتيبها على عجل، بالنظر إلى أن أقوى جيوش العالم يقوم بالبحث عن الكثير من أولئك الذين شاركوا فيها. ففي يوم ربيعي قبل فترة وجيزة في باكستان عقد كبار حركة طالبان نوعاً من لقاء لم الشمل في الهواء الطلق. وممن كانوا يتجاذبون أطراف الحديث بمودة في وسط مخيم جالوزي للاجئين الأفعان القائم على بعد 12 ميلاً من مدينة بيشاور الباكستانية عدد من كبار حماة أسامة بن لادن: نائب وزير الخارجية بحكومة طالبان عبد الرحمن زيد ومسؤول رفيع المستوى في وزارة دفاعها الجنرال جليل يوسفزي، من بين آخرين. كانوا تجمعوا لتكريم "مجاهد" من أيام القتال ضد السوفييت. كان قد قضى بعد إصابته بمرض السل في المخيم. وفي خطاب استمع إليه مراسل لنيوزويك، أبّن أحد قادة الأصوليين الإسلاميين الباكستانيين سامي الحق المتوفي، كما أشار بصورة لاذعة إلى وجود "مبعوث" للحكومة الباكستانية. (المسؤول الاستخباري بعدها سمح لمسؤولي طالبان بالمغادرة من دون أذى أو مضايقة). وفي مقابلة بعد الجنازة، سُئل مسؤول وزارة الدفاع السابق في حركة طالبان عن مكان وجود بن لادن، فرد بصورة متحدّية: "أسامة وطني حقيقي، وبالرغم من كل جهودهم، فإن الأميركيين لم يتمكنوا من القبض عليه ولن يتمكنوا من ذلك".

ما هو مخيف هو أن كل هذا الحوار المكشوف حدث في بلاد وصفها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بأنها أقوى حلفاء أميركا في الحرب على الإرهاب. مسؤولون آخرون في طالبان يعيشون بكل حرية في مدينتي كويتا وبيشاور على الحدود بين باكستان وأفغانستان، كما أن عشرات مقاتلي القاعدة الذين ما زالوا على قيد الحياة تمكنوا من اختراق غالبية المدن الرئيسية في باكستان. إن التدفق الزئبقي لناشطي القاعدة وطالبان على باكستان لعله أحدث دليل على أن حملة مناهضة الإرهاب قد دخلت مرحلة جديدة. وأن أميركا قد تواجه نوعاً جديداً من الحرب: حرباً تكون فيها القاعدة، وهي الحركة الانتهازية دائماً حتى حينما تكون هاربة تبحث عن ملجأ، تقوم بتغيير أساليبها وتبحث عن أهداف جديدة. المكان الأول هو باكستان. الدولة ذات القدرات النووية. فجأة، التحم السعي للقبض على الإرهابيين مع السباق من أجل تجنب حرب كبرى في جنوب آسيا، حرب يمكن أن تتحول إلى حرب نووية إن هي بدأت.

السلطات الأميركية تعرب عن قلق متزايد من أن بوسع ناشطي القاعدة الهاربين والمتعاطفين الباكستانيين معهم، وكلهم تخالجهم أفكار الانتقام، إشعال شرارة توترات برميل البارود بين باكستان والهند. ويقول اللفتنانت جنرال الباكستاني المتقاعد طلعت مسعود: "سيسرون جداً لو تمكنوا من إطلاق شرارة الحرب. النزاع الناتج عن هذه الحرب سيطلق عنان أسوأ أشكال التشدد الإسلامي في جنوب آسيا". الرئيس بوش نفسه شعر أنه مضطر للتحذير الأسبوع الماضي من أن الإرهابيين "يجب ألاّ يشعروا أنهم سيحصلون على أية منفعة نتيجة أي000 حديث عن نزاع عسكري بين الهند وباكستان لأننا سنواصل السعي للقبض عليهم".

ولكن قائد باكستان الذي عينته المؤسسة العسكرية برويز مشرف- الذي عليه أن يوازي بين ضغوط جماعات الضغط الإسلامية القوية في بلاده والضغوط الغربية لقمعها- يترك الكثير من المتطرفين طلقاء. وتخشى السلطات الأميركية أن الحملة الدبلوماسية الغربية غير المسبوقة لتهدئة التوترات الهندية الباكستانية- بما في ذلك الزيارتان المنفصلتان المقرر أن يقوم بهما هذا الأسبوع وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد ونائب وزير الخارجية ريتشارد آرميتاج- يمكن أن تتقوض إذا نجح إرهابيو القاعدة في تحفيز أو ترتيب تنفيذ هجوم آخر رئيسي يقوم به المتشددون الباكستانيون على الهند. رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي، الغاضب إزاء ما يراه محاولة أميركية لاسترضاء مشرف تعهد بالقيام برد "حاسم" إذا حدث ذلك، ونتيجة لذلك فإن مسؤولي الأمن القومي في البيت الأبيض يقولون إن القضية الهندية الباكستانية قفزت إلى قمة أجندة السياسة الخارجية الأميركية. الأسبوع الماضي كان بوش منتقداً على غير عادته لحليفه مشرف، مطالباً إياه بالوفاء بتعهده بكبح الجماعات الإرهابية في بلاده، خصوصاً تلك التي تعمل على بذر أسباب النزاع في إقليم كشمير المتنازع عليه منذ أمد قديم. وقال بوش: "عليه وقف عمليات التسلل عبر خط المراقبة" الذي يقسم كشمير بين باكستان والهند. وأضاف بوش: "إن عليه أن يقوم بما قال إنه سيقوم به".

ويصر المسؤولون الأميركيون على أنه حتى الآن ليس هناك الكثير من الأدلة على أن للقاعدة دوراً مباشراً في النزاع الكشميري. ولكن  الروابط بين المتطرفين الإسلاميين في كشمير والقاعدة هي روابط عميقة. خلال عهد بن لادن، كانت هناك خمسة معسكرات تدريب في أفغانستان مخصصة للمجاهدين الكشميريين. أحدها، وهو معسكر خالد بن الوليد بالقرب من مدينة خوست، كان يدار علانية لتدريب مفجري القنابل الانتحاريين الكشميريين. وكذلك فإن الجماعتين الكشميريتين الأكثر تشدداً وهما جيش محمد ولشقر طيبة، تحتفظان بعلاقات مع القاعدة منذ زمن بعيد. التنظيمان بعثا مقاتلين إلى الجبهة في أفغانستان على سبيل المثال (كانت هناك أسماء 200 كشميري في سجل تم الاستيلاء عليه في معسكر تدريب البدر فور سقوط حركة طالبان). وتقول مصادر استخبارية هندية إنه في حين أن غالبية الإرهابيين الذين يقبلون في مواجهات مع  القوات الهندية هم كشميريون وباكستانيون في الغالب، فإنه تم اكتشاف القليل من الجثث العائدة لمتطرفين أفغان تدربوا على يد القاعدة.

آخر الأخبار من جبهة الإرهاب ليست سيئة جميعها. على الورق، فإن الأرقام الإجمالية ضد طالبان والقاعدة تثير الإعجاب. فتبعاً لما يقوله خبير الإرهاب روحان فنارتانا، فإنه تم قتل أو أسر 16 من كبار قادة القاعدة ال25، فيما خسرت طالبان 21 من ال27. ويقول فرانسيس تايلور، إنه تم اعتقال أكثر من 1.600 مشتبه في 95 دولة في العالم (تم إطلاق نحو نصف هؤلاء، لكن العديد ما زالوا قيد المراقبة). وكذلك فإن شبكات القاعدة المالية تم تعطيلها هي الأخرى إلى حد كبير. وفي هذه الأثناء، فإن جهود الوساطة الغربية السريعة في جنوب آسيا- وهي نوع من دبلوماسية التتابع التي يقون فيها الدبلوماسيون الأميركيون بزيارات إلى المنطقة التي كان الدبلوماسيون البريطانيون والأوروبيون قد قاموا بزيارتها للتو يمكن أن تحرز النجاح. ففي وقت لاحق الأسبوع الماضي دعا مشرف إلى "معاهدة عدم شن حرب" فيما بدأ المسؤولون الهنود يخففون من حدة لهجة خطاباتهم السياسية.

وفي باكستان، وبالرغم من التحدي المكشوف الذي يقوم به ناشطو طالبان السابقون. فإن مشرف ما زال يقوم بعمليات لاعتقال إرهابيي القاعدة الأساسيين، كما يقول المسؤولون الأميركيون. وقال دبلوماسي باكستاني رفيع المستوى لنيوزويك: "إن عدد المسؤولين الأميركيين في باكستان- ال سي آي أيه وأف بي آي والقوات الخاصة سيدهشك". ويقول الدبلوماسي إن عدد الغارات على مخابئ القاعدة هو أعلى بكثير مما أعلن عنه، وإنه قد بلغ 50 في الأسابيع القليلة الماضية، بما في ذلك 16 في اليوم الذي اعتقل فيه الرجل رقم 3 في تنظيم بن لادن، أبو زبيدة، في مدينة فيصل آباد. وهو الذي اعتبر أهم اعتقال في الأشهر القليلة الماضية. ولكن مسؤولاً في إدارة الرئيس بوش يقول إن قدرة حكومته على العمل في باكستان ما زالت محدودة، خصوصاً فيما تستعد باكستان لنقل نحو 8.000 جندي من عمليات مكافحة القاعدة للتصدي للحشود الهندية التي بلغت 750.000 على طول الحدود مع باكستان.

والنتيجة النهائية هي أنه في حين أن الإرهابيين لم يعودوا قادرين على العمل بحرية في باكستان كما كانوا يوماً في أفغانستان، فإن العديد منهم لن يتم إلقاء القبض عليهم أبداً. ويقول مسؤول أميركي كبير: "إنني قلق من أن القاعدة جعلت من باكستان مركزها الرئيسي الجديد. لذلك تبعاته لكل من أفغانستان والإرهاب بصورة عالمية". التهديد المباشر يتمثل في محاولة القيام باغتيال مشرف نفسه ومحاولة زعزعة استقرار نظامه. أما التهديد الأبعد أمداً بل والأخطر هو تمكن الإرهابيين من وضع يدهم على الأسلحة النووية الباكستانية، خصوصاً في باكستان بعد أن تكون قد دمرتها الحرب. المسؤولون الباكستانيون يصرون على أن الرؤوس النووية الباكستانية ال20 أو ال50 لم يجر تجميعها وهي في مأمن". ويقول الدبلوماسي الباكستاني: "لا تستطيع الإشارة إلى أية حادثة اتجار أو تهريب أو سرقة نووية في باكستان"، مشيراً إلى تقدم باكستان على روسيا في هذا الميدان.

ولكن ليست باكستان وحدها هي التي يعمل ناشطو القاعدة على تحويلها إلى شيء جديد. فمسؤولو مكافحة الإرهاب في العالم اليوم لم يعودوا يواجهون "شركة إرهابية" مركزية التوجيه والإدارة، بل إنها تواجه شبكة أعداء أكثر تميعاً في تركيبتها. ويبدو أن من تبقى على قيد الحياة من ناشطي القاعدة ومؤيديها قد انتظموا في خلايا صغيرة وأنهم يعملون في الغالب من دون تنسيق مع أحد، ويحفزهم في الأساس كرههم المشترك لأميركا. بؤرة التركيز الجديدة هي أكثر محلية: باكستان، الحكومة الأفغانية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، أو القواعد الأميركية أو الأميركيين ومنشآتهم في سائر أنحاء العالم، وذلك اعتماداً على الفرص التي تتاح لهم.

وهذا ما يصفه هانس بيث، رئيس قسم مكافحة الإرهاب بالاستخبارات الألمانية الخارجية، بالقاعدة الجديدة: وهي ظاهرة أكثر شبهاً بالتهديد غير واضح المعالم الذي كان قائماً قبل أن يحول بن لادن إلى الإرهاب إلى عملية معولمة في أواخر التسعينات. ومن أكثر العمليات شيوعاً التي ميّزت هذا التحول هي عملية تفجير الكنيس اليهودي في جزيرة جربا التونسية السياحية في أبريل التي قتل فيها 14 سائحاً ألمانياً وخمسة آخرون. ويقول بيث إن الهجوم "يشير إلى تغيير مؤقت في الاستراتيجية" بالنسبة إلى القاعدة. فشبكة بن لادن الآن تركز على ما يصفها بيث ب "هجمات أقل تعقيداً" مثل عملية القتل بالقنابل اليدوية لخمسة من المتعبدين في كنيسة في إسلام آباد، بمن فيهم أميركيتان، وقتل 11 عاملاً فرنسياً وباكستانيين في كراتشي وما كان يمكن أن يكون هجوماً على السفارة الأميركية في روما في فبراير.

وقد لا يكون بن لادن يقوم بتوفير التوجيهات والتمويل، ولكن مبادئ العداء التي رسخها ما زالت حية قوية. ومع أن الناشطين غير المنتظمين في تنظيمات مركزية قد لا يكونون قادرين على القيام بهجمات من نوع هجمات 11 سبتمبر أو تنفيذ سيناريو أسلحة الدمار الشامل الذي يعتبر كابوساً للجميع- فإن تدمير الشبكة الإرهابية قد جعل الإرهابيين المراوغين أصعب لناحية متابعتهم. ويقول عمل ال سي آي أيه السابق روبرت باير: "إنها غير منظمة. إنها مثل محاولة الإمساك بنقطة زئبق".

هذا التغيير في الأساليب يشير إلى السمة المركزية للإرهاب: قدرته على التكيف. ففي الماضي كان بن لادن بمنزلة رأسمالي مغامر، مرسلاً كميات أولية من الأموال مثلاً إلى مخططي العمليات الإرهابية في الأردن عشية انتهاء الألفية الثانية الذين أبلغوه أن اليهود والأميركيين يؤمون عمان بأعداد كبيرة. بن لادن الهارب من مكان إلى آخر (أو ربما أنه متوفى الآن) لم يعد قادراً على لعب ذلك الدور: مناشدة مشابهة من الإرهابيين في سنغافورة لاستهدف حفلات تحمل بحارة أميركيين لم تتم الاستجابة لها في وقت لاحق العام الماضي. (وجد المحققون الأميركيون في أفغانستان ما بدا أنها "مناشدة" على شريط فيديو من متطرفين من سنغافورة في المنزل المدمر الذي كان يستخدمه محمد عاطف، الرجل الثاني في تنظيم بن لادن، الذي قتل في غارات أميركية خارج العاصمة الأفغانية).

ونتيجة لذلك، ورغم التهديد المباشر لباكستان، فإن الهجوم التالي قد لا يكون على علاقة كبيرة بالقاعدة نفسها. وفيما يواصل بوش تحديد القاعدة علانية على أنها التهديد الأساسي، فإن المسؤولين الأميركيين في مجالسهم الخاصة يؤيدون ما يقوله مسؤولو الاستخبارات الذين يقولون منذ زمن طويل إن عدد الأعضاء الرسميين في تنظيم القاعدة في أنحاء العالم هو عدد مبالغ فيه جداً، وأن هذا العدد قد يقل حتى عن 200، وحقيقة الأمر أن غالبية آلاف المجندين الذين شاركوا في دورات التدريب العسكري في أفغانستان كانوا جهاديين أرادوا المشاركة في الحرب هناك أو العودة للمشاركة في جبهات التمرد المحلية في بلادهم. والتهديد الجديد هو أنه في فترة ما بعد القاعدة، فإن الجماعات التي يصعب حصرها وتحديدها ستتزايد بصورة يصعب تعدادها.

ومع ذلك فإن الإرهاب الجديد ليس إرهاباً غير منظم أبداً، بل ولا يمكننا العودة إلى عالم ما قبل بن لادن. فخلال عهده الطويل في أفغانستان قام بن لادن وناشطوه ببذر بذور المعرفة تعليم طريقة صنع المتفجرات، جمع المعلومات الاستخبارية، بل وحتى استخدام العناصر الكيميائية والمواد السامة للمساعدين من سائر أنحاء المعمورة. وكذلك فإن هؤلاء الإرهابيين يتمتعون بمعرفة عميقة بأساليب الأمن الأميركية، وهو ما يجعل زيارات إلى الخارج يقوم بها أناس مثل رامسفيلد وآرميتاج مصدر قلق كبير. وعلمت نيوزويك أن أحد الإنذارات الأمنية الأميركية أشار إلى أن كتيبات القاعدة الأمنية التي تم الاستيلاء عليها تشبه إلى حد مقلق الإجراءات الأمنية التي تتبعها المؤسسات الأمنية الأميركية لحماية المسؤولين والأجانب الكبار، بما في ذلك أساليب تجنب الوقوع في كمين لمواكب الرسميين الكبار، وقال ضابط استخبارات عربي كبير: "إن القاعدة، كتنظيم، قد شلت، ولكنه ما زال هناك العديد من الناشطين المجانين الذين هم مستعدون لأخذ الأمور بأيديهم من أجل القيام بعمليات انتقامية. متى وأين، لا أعرف". ولا يعرف أحد ذلك أيضاً، بل وربما لا حتى القاعدة نفسها.

العودة للصفحة الرئيسية