المركز العربي للدراسات المستقبلية

عولمة/إقتصاد/ فضائح

 

سقوط العولمة الإقتصادية                              
                             

                      فضائح إفلاسات الشركات الاميركية العملاقة تبين أوهام إقتصاد السوق

                      أوهام العولمة تبددها خسائر المستثمرين وتدفع ثمنها الدول المهرولة نحو العولمة

   

"وورلدكوم" لا تعدو كونها آخر شركة تفقد توازنها.

الازدهار في التسعينات أنتج تسعة تريليونات دولار من الاندماجات، ولكن هذه الشركات الضخمة تتهاوى حالياً من حولنا.

بقلم كارين لاوري ميلر.

هل لاحظت شيئاً غريباً فيما يتعلق بصفحات الأعمال في الصحف في هذه الأيام؟ فكلها تتناول قصة واحدة. فمهما كان هو في العنوان. فإن القصة تتبع بتكرار غريب معاناة تنفيذي أناني يفشل في الوفاء بما تفرضه صفقة اندماج كبيرة. لقد كانت "إنرون" تعمل في مجال الأنابيب قبل أن تحولها عبر صفقة كبيرة إلى متاجرة بالطاقة. وكانت هذه بداية تلك الفضيحة. وكان من المفترض أن يكون اندماج "فيفندي" و "يونيفرسال" رد فرنسا على هوليود، ولكن كبير المديرين التنفيذيين جان ماري مسييه نجا بالكاد الأسبوع الماضي من اجتماع لمجلس إدارة الشركة طالب فيه المستثمرون الأميركيون برأسه. والآن يأتي منظر وورلدكوم، التي تم الإمساك بها وهي تخفي 3.85 بليون دولار من التكاليف عقب فشلها في اعتصار عائدات قوية جراء اندماجها مع "أم سي آي".

ليس هذا محض صدفة، فلقد كانت هناك خمس موجات كبيرة من الاندماج في القرن الماضي، كل واحدة منها ساهمت في التأسيس للهوس الذي لا سابقة له في نهاية التسعينات، وكان إجمالي المبلغ الذي تم إنفاقه على الاندماجات والاستملاكات، والذي قاد إليه حماس وول ستريت للاقتصاد الجديد، قد وصل إلى أوج مذهل قدره 3.4 تريليون دولار عام 2000، عندما كانت تعقد صفقة اندماج أو استملاك على وجه البسيطة كل 17 دقيقة. وأصر كبار المديرين التنفيذيين، الذين كانوا يحتلون موقعاً مركزياً في هذه الدوامة. على أنه بإمكانهم أن يتفادوا المنزلقات التي أعطت للاندماجات العملاقة سجلاً سيئاً من الفشل، ولكن قلة منهم استطاعوا ذلك. والآن فإن أعظم هوس اندماج في التاريخ يتفسخ أمام أعيننا. وإذا ما ثبتت صحة الاتجاهات التاريخية، فإن نحو ثلثي هؤلاء العمالقة المندمجين حديثاً سيخيبون الآمال وفقاً لشروطهم الخاص، أي أنهم سيخسرون قيمة في سوق أسهمهم. النتيجة التي لا مناص منها: إن اقتصاد العالم مترع بنحو تريليوني دولار من الشركات العملاقة الفاشلة أو التي في طور الفشل، وهذا عام 2000 لوحده.

وتشكل هذه الصفقات إلى حد ما نقلة هائلة في الثروة المسجلة على الورق لا تعطل أسس الاقتصاد. فمعظم الشركات التي تم إيجادها في اندماجات كبيرة لن تنهار مثل إنرون، ولكنها لن تولد ثروة أعظم، أيضاً.

فهي تسير سير العرجاء، متخلية عن موظفين وأقسام يفتقرون إلى الهدف الإنتاجي. ويشعر العمال بخوف بالغ على أعمالهم لكي يقوموا بخدمة الزبائن على نحو جيد. وسير الإنتاجية والمبيعات يتباطأ إلى حد الدبيب، ونادراً ما يسترد عافيته. وفي جامعة تيلبيرغ في هولندا، يقول اقتصادي هانز شنك إن الشركات المندمجة، منذ الستينات قد أدت إجمالاً أداء بمعدل 17 بالمائة أسوأ من المنافسين المستقلين فيما يتعلق بالإنتاجية والربحية وبراءات الاختراع الجديدة ونمو الحصة في السوق. وهو يقدر أن ما مجموعه تسعة تريليونات دولار من صفقات الاندماجات الأميركية والأوروبية فيما بين عامي 1996 و 2000، أي نحو 5.8 تريليون، إما أنها قد فشلت في إيجاد الثروة الاقتصادية، أو أنها في الواقع دمرتها. ويقول شنك: "إن معظم الاندماجات الاقتصادية هي هدر اقتصادي".

ومع ذلك فإن كبار المديرين التنفيذيين ما زالوا يطاردون الصفقة الكبيرة، متعنتين رغم المخاطر. فأسواق الأسهم تكافئ النمو، وأسرع طريقة للتوسع وأكثرها إثارة للإعجاب تكمن في الشراء بضربات كبيرة. وإجمالاً، فإن المشتري يفاتح شركة مستهدفة ويقدم عرضاً بدفع علاوة على السعر الحالي لسهم الهدف. ورهان المشتري هو أن الشركة المندمجة يمكن أن تخفض التكاليف أو تعزز من العائدات بأكثر مما هو كاف لتبرير العلاوة. يمكن أن يبدو هذا أمراً بسيطاً إلى حد كبير: فقط اجمع بين أنظمة الكومبيوتر، وقم بدمج بعض الأقسام، واستخدم الحجم الكلي لفرض تخفيض في أسعار الإمدادات، ويتعين أن يكون العملاق المندمج أكثر قدرة على الربح من أجزائه.

وللأسف، فإن هذا الأمر يخفق أكثر مما يفلح في العمل على هذا المنوال، وتظهر دراسة على أكبر 20 اندماجاً لشركات عام 2000، قامت بها "تومبسون فاينانشال داتاستريم" لحساب نيوزويك أن غالبية الشركات المشترية رأت أسهمها تنخفض في الأشهر ال12 التي أعقبت الإعلان عن الصفقة. وعندما تتم مقارنة المشترين بمنافسيهم في صناعتهم فقط، فإن أسعار أسهم 12 منهم قد شهدت تراجعاً (الرسم البياني).

ليس من السهل جداً خفض التكاليف أو رفع العائدات عبر "التضافر"، الكلمة السحرية المضللة لعاقدي الصفقات. فكل من في لعبة الاندماج يعرف هذا الواقع ولكنه يشيح بوجهه عنه. فعندما اشترت "أيه أو أل" شركة "تايم وورنر" ب 106 بلايين دولار عام 2000، رأى العديد من الناس في ذلك تاريخاً قيد الاجتراح فالشركة الناشئة المنتمية إلى الاقتصاد الجديد ستقود صنديد الاقتصاد القديم إلى عصر الانترنيت. لقد كان ذلك النصر النهائي للتضافر، أو هكذا بدا. ومنذ ذلك الحين، اعترف كبير المديرين التنفيذيين الجديد ريتشارد بارسونز بأن التضافر كان مبالغاً في وصف سماته: فتايم لم تكن قادرة حتى على أن تجعل من البريد الإلكتروني لشركة أيه أو أل يعمل على نحو سليم. ويقول ألوك غوش من كلية باروخ في نيويورك: "الحجة النظرية [للاندماجات] لا لبس فيها. ولكن في التطبيق فإن الأمور تمضي نحو الفشل".

ومنذ البداية، سلت موجات الاندماج مسلك الارتفاع والانخفاض في سوق الأسهم، وهو ما يساهم في تفسير لماذا يظهر عاقدو الصفقات غالباً قصر نظر سماسرة البورصة عن الإبصار بفريسة سهلة. لقد خلق البارونات اللصوص في مطلع القرن العشرين احتكارات تصنيعية جديدة عبر عرض أسهمهم للاكتتاب العام في بورصة نيويورك الفتية للأسهم واستخدام حصصهم لشراء الشركات العائلية الأصغر حجماً، وارتفعت موجة الاندماجات التالية مع سوق أسهم العشرينات من القرن الماضي وانتشرت من التصنيع إلى المصارف، والبيع بالمفرق. والأغذية والكيماويات. وظهرت من هذه اللجة أولى الشركات الحديثة مثل "دورونت" و "جنرال إلكتريك"، بطبقة محترفة من المديرين، وصناعة جديدة من المستشارين. وفي عام 1926 افتتح جيمس ماكينزي إحدى أولى شركات الاستثمارات، والتي ستلعب دوراً مركزياً في موجات الاندماج المستقبلية.

ولم تصل الأوج التالي إلى أن حل الازدهار في سوق الأسهم في الستينات. لقد كان الزمان زمان ثقة منفلتة من عقالها بعلم الإدارة، التي أسدت لرؤساء الشركات النصيحة بشراء تشكيلة من الأعمال التجارية غير المرتبطة بها للتقليل من حدة المخاطرة. وأنشأت "غولدمان ساكس" أول دائرة للاندماج والاستملاك في واحد من أكبر مصارف الاستثمار. وستقوم بالمساعدة في إيجاد تكتلات ذات تنوع مذهل. وباتت شركة "ويلسون كومباني" تعرف بأنها كرة لحم، وكرة غولف وكرة هفوات لتعاملها بتعليب اللحوم، والتجهيزات الرياضية والأدوية. غير أنه لم يكن هناك من مؤشر إلى مشكلات مالية حقيقية حتى حلول عام 1969، عندما انقض السوق على التكتلات ورأت الشركات الكبيرة مثل "آي تي تي" أسهمها تنخفض بما يصل إلى 50 بالمائة. والمستثمرون، الذين كانوا قد رأوا في التنويع طريقة ذكية للتقليل من حدة المخاطر. رأوا فيه حالياً وصفة للانتفاخ.

لقد مهد هذا الأمر السبيل للمغيرين الشركاتيين في الثمانينات. الذين اشتروا الشركات الضعيفة بأسعار زهيدة جداً وباعوا أفضل الأجزاء بأسعار فتاكة. وحالما جمع مغيرون من أمثال تي بون بيكنز وكارل آيكان ثروات طائلة عبر انتقاء الشركات الأضعف، فإن الموجة تبددت ولكنها خلفت وراءها إرثاً مهماً. فلقد تطورت صناعة الخدمات المالية إلى مخترع ومسوق عدواني للأدوات المالية، بما في ذلك الشراء بالجملة القائم على النفوذ وغيره من أسلحة الاندماج والاستملاك العدائيين. والآن فإن جيشاً من المحاسبين والمستشارين، والصيارفة والمحامين المتخصصين الموظفين دون كامل طاقتهم الإنتاجية بات واقفاً على أهبة الاستعداد لتأجيج ألسنة لهب الاندماج التالية لكي تصبح سعيراً مضطرماً.

وحانت فرصته في منتصف التسعينات، فالأسواق المزدهر في أنحاء العالم أقنعت كبار المديرين التنفيذيين بأنه كان لا بد لهم من أن يضخموا حجم شركاتهم ليس بغرض المنافسة فحسب، ولكن للاستجابة لتوقعات وول ستريت بنمو من أعداد مركبة من رقمين. ومد تحرير صناعتي الاتصالات والمصارف من القيود التنظيمية لعبة الاندماج بأسباب الاستمرار، فامتدت اللعبة إلى صناعات المواد الصيدلانية والسيارات، ووسائل الإعلام والترفيه. وقام كل مدير تنفيذي كبير تستحوذ عليه عقدة الاستملاك بإصدار الضجيج المناسب (بناء على نصيحة المستشارين) في شأن القيام ب"اندماجات استراتيجية تركز على الأعمال الصميمية". وهو ما كان رمزاً مشفراً لتجنب أخطاء الستينات. وأفلح قلة منهم في ذلك. وتبيّن ل ماكينزي أخيراً أن 12 في المائة فقط من الاندماجات ال160 ما بين عامي 1995 و 96 تدبرت أمر النمو بوتيرة أسرع من منافسيها في صناعاتها في السنوات الثلاث الأولى من عملياتهم. وفي المتوسط، فإن العائدات انخفضت بمعدل 4 بالمائة. ويقول مارك سيروور، وهو اقتصادي ومؤلف كتاب  The Synergy Trap (فخ التضافر): "هذه الموجة تبدو وكأنها نسخة طبق الأصل عن السابق، ولكنها أكبر بأضعاف ذاتها مضاعفة ليس إلاّ، الناس يغلطون الغلطات مراراً وتكراراً ".

إن الحركة اللولبية التصاعدية لسوق الأسهم أعطت حتى أصحاب المشاريع الاستثمارية المبتكرة في مجال شركات الدوت كوم السطوة نفسها التي تمتع بها البارونات اللصوص فيما سبق. فلقد استخدموا أسهمهم التي كانت تشهد ارتفاعاً لشراء شراكات. وهو ما زاد من مداخيلهم، وهو ما رفع بالتالي من أسعار أسهمهم، وهو ما مكنهم تالياً من شراء شركات إضافية وأكبر حجماً. وأصبحت شركات "سيسكو" و "تيكو" ووورلدكوم عزيزة على قلب السوق، مستخدمة الأسهم لشراء 20 شركة أو أكثر في العام. (وهي حالياً تعرف باسم" المستملكة المتسلسلة"الازدرائي). وباتت الصفقات الصغيرة صفقات كبيرة. وكانت عمليات الشراء بالكامل ببليون دولار أمراً نادراً قبل عام 1996، عندما تجاوزت جميع الاندماجات ال100 التي في الذروة عتبة البليون دولار.

وانقض الأوروبيون على الأسواق الأميركية، عاكسين اتجاه السيل التقليدي عبر الأطلسي. وألهم إطلاق اليورو عام 1999 المصارف وغيرها من الأنصار المحليين أن يزيدوا من حجمهم لكي يتنافسوا عبر الحدود. وقد في ذلك العام عدد من الصفقات خارج الولايات المتحدة أكبر من عدد ما عقد داخلها لأول مرة في التاريخ، بما في ذلك شراء "فودافون" ل "مانسمان" بقيمة 183 بليون دولار التي سجلت رقماً قياسياً عالمياً. وأشيد بهذا الزواج ما بين شركة اتصالات بريطانية وشركة وسائل إلام ألمانية عملاقة على أنه خطوة مهمة نحو خلق اقتصاد أوروبي في التكنولوجيا المتطورة. في ضجة إعلامية من ذاك النوع نفسه الذي أحاط بالعديد من الصفقات الكبيرة. واليون، هناك فرق شاسع ما بين العمالقة المتداعين في أوروبا والولايات المتحدة. فلقد شطبت "فودافون" خسائر ضخمة أعقبت صفقتها الكبيرة. ولكن الشركات الأميركية أمسك بها وهي تقوم بأعمال احتيال للتستر على فشلها، ويقول جستين ستوارد من "7 إنفستمنت مانجمانت" في لندن: "الأمر ليس إلى حد كبير أن قواعد المحاسبة لدينا متفوقة بشكل كبير ولكن أميركا لديها شركات كانت تحلق قريبة من الشمس أكثر من أي من شركات المملكة المتحدة.

قلة ممن كانوا في موقع المسؤولية في الأعمال التجارية هم الذين نصحوا بتوخي الحذر في الوقت الذي تسارعت فيه وتيرة الاندماجات. فلقد كان صيارفة المصارف الاستثمارية يجنون ما يراوح بين ال25 بليون دولار وال 50 بليون دولار في العام، وأصبحت التصنيفات ربع السنوية لمستشاري الاندماج والاستملاك كما لو كانت سباقاً تتم مشاهدته عن كثب بين غولدمان ساكس و مورغان ستانلي. واستمرت شركتا الاستشارات في إصدار تقارير في شأن كيفية فشل الاندماجات في رفع الإنتاجية أو أسعار الأسهم، ولكنها قلما أسدت نصائح ضد الصفقات الكبيرة، إذا كانت قد نصحت بذلك على الإطلاق. نغمتهما: استخدمونا، وسنريكن كيفية جعل الاندماج يؤدي غرضه. وحث ماثيو بكيير من ماكينزي، الذي أغضبته أسئلة عن كيفية استمراره في الدفع نحو اندماجات بعد عرضه بالتفصيل جميع أسباب "فشل الاندماجات" في تقرير في ديسمبر:"فكر بشكل إيجابي. إنه أمر جيد!".

وبالطبع، فإن الرسالة المتفائلة هي ما يريد معظم كبار المديرين التنفيذيين أن يسمعوه، فالعديد من التنفيذيين الرفيعي المستوى يحصل على مكافأة كبيرة على صفقات الاندماج، مهما حصل فيما بعد لسعر السهم، فكبير المديرين التنفيذيين في كيووست كوميونيكايشنز" جوزيف بيه ناتشيو حصل على "دفعة نمو" بقيمة 26 مليون دولار لشرائه "يو آس ويست" عام 1999، ووضع سولومون تروهيللو 15 مليون دولار في جيبه لبيعه إياها، ولكن في أبريل كشفت كيوويست أن قيمة أصولها قد انخفضت إلى حد أنها تتوقع أن تبوء بالتزام يتراوح ما بين 20 بليون دولار و 30 بليون دولار هذا العام. وأجبر ناتشيو على التنحي عن هذا العمل من قبل مجلس إدارة الشركة قبل أسبوعين. ويقول قطب الإدارة جيم أو تول من جامعة جنوبي كاليفورنيا، الذي يعمل عن كثب مع شركات ذات أسهم من الدرجة الأولى: "لا تقلل من أهمية الذات لدى مدير تنفيذي كبير أبداً، أبداً. فهم يخادعون أنفسهم".

بالتأكيد، إن أمر إدارة شركة كبيرة يتطلب ذاتاً كبيرة. المشكلة تبرز عندما يندفع الباعث على الاستملاك من دون رقيب، كما وجد العديد من الدراسات الأكاديمية. فقد خلصت دراسة لجامعة كولومبيا إلى أنه كلما تعاظم الكبرياء لدى مدير تنفيذي والذي يقاس جزئياً بالمديح الإعلامي والراتب ارتفعت العلاوة التي يرغب في دفعها لإنجاز صفقة كبيرة. وكبار المديرين التنفيذيين أكثر ميلاً أيضاً إلى عقد صفقات كبيرة إذا ما كانوا محاطين بأعضاء مجلس إدارة يقومون بعقد صفقات كبيرة. ما يخلق نوعاً من الأثر يشبه الأثر الناجم عن الاحتكاك بآخرين في غرفة تبديل الملابس في صالات الرياضة. وهم أيضاً أكثر ميلاً إلى الزيادة في الدفع لقاء الاستملاك إذا ما كان تعويضهم هم غير متناسب بشكل وثيق مع سعر أسهم شركتهم. ولكن يبدو أن قلة من المقيمين في مكتب ركني يعيرون انتباههم كثيراً لتلك التحذيرات من البرج العاجي. ويقول ريتشارد شولبيرغ، المتخصص في شؤون الاندماج والاستملاك في معهد جدج للإدارة في جامعة كامبردج: "أنا أجد ذلك محبطاً بعمق. فإما أن تكون أبحاثنا غير مصيبة، أو أننا لا نقوم بالاتصال بطريقة فعالة".

لا أحد يجادل في أن الاندماجات يجب ألاّ تحصل. فموجات الدمج تعتبر ثابتاً ملموساً ف "التدمير الخلاق" للرأسمالية. وفي دراسة حديثة أجريت على 25.000 شركة في 24 صناعة، جادل أيه تي كيرني بأن الدمج يبدأ عموماً بحادث يطلق العنان له، مثل التحرر من القيود التنظيمية أو تكنولوجيا جديدة، وهو ما يجتذب لاعبين جدداً إلى صناعة ما. وتبدأ الرجة بشكل فوري تقريباً، وعلى مدى ما يراوح بين 18 و 24 عاماً تنتقل عبر مراحل من التراكم والتركيز قبل أن تستوي على نصاب متوازن، وعادة ما يتحقق ذلك بثلاثة عمالقة (مثل جنرال إلكتريك أو دوبونت) مهيمنين على السوق. وتعتمد وتيرة عقد الصفقات على موقع الصناعة في هذا المنحنى الارتقائي وتفسر، على سبيل المثال، لماذا ما زالت هنالك استيلاءات في مجالات المصارف وتخمير المشروبات والسيارات، ولكن ليس في مجالات السجائر أو المشروبات الغازية.

السؤال هو كم من الاندماجات يعتبر معقولاً. ويبدو من الواضح إلى حد بعيد حالياً أن الهوس الأخير كان حقبة من الإفراط. ويصف شنك، الاقتصادي الهولندي، الباعث على الانضمام إلى موجة الاندماجات بمصطلحات نظرية المباريات. فعندما تقوم شركة ما بشراء أخرى، فإن منافسيها عاة ما يسألون أنفسهم عن الكيفية التي يتوجب عليهم أن يردوا بها لتحقيق ليس أفضل النتائج بل أقلها سوءاً. وأعظم مخاوفهم هو أن يتركوا متخلفين عن الركب جراء اندماج ذكي. ولذا فإن الصفقة الأولى تلهم الآخرين. فبعد قيام "دايملر" بشراء "كرايزلر" عام 1998، بدأت "فورد" و "جنرال موتورز" بشراء صانعي السيارات في كافة أنحاء العالم، وهكذا دواليك.

بيد أن "بي أم دبليو"، و "بورش"، "وتويوتا"، صانعي السيارات الذين أحجموا عن الوقوع فريسة هذا السعار، هم الأكثر ربحية. وما زال المدير التنفيذي في "دايملركرايزلز" يورغن شرمب يكافح لتفسير كيف كان الاندماج الذي وصفه بأنه "زواج تم في السماء" سيؤدي الغرض منه على الإطلاق. وفي "دلويت آند توش" في لندن، درس أنغوس نولز كتلر 40 زبوناً يعانون مشكلات، ووجد أن نصفهم كان غارقاً في المشكلات بسبب استملاكات غير سليمة. ويقول: هذا الأمر يكلف العالم البلايين والبلايين.

إن كل موجة اندماجات تنتج موجة مضادة، وهذه الموجة لا تشذ عن القاعدة. فلقد وجد مسح إحصائي ل"برايس ووترهاوس كوبرز" أن ما يربو على ثلث الصفقات الدولية الأكبر حجماً التي عقدت في أوج السوق الصاعدة يجري حالياً تفكيكها في عمليات "حل لعرى الاندماج". وللاستشهاد بمثال واحد فقط. فإن "أل أم أتش" في صدد التخلي عن قطع من إمبراطوريتها العالمية الفخمة التي كونتها في التسعينات. وارتكز وولتر هيوليت في حجته ضد الاندماج الأخير ل"هيوليت باكارد" و"كومباك" على عقود من الأدلة على أن الاندماجات تفشل. وتعاني اندماجات شركات الكومبيوتر من مشكلات على نحو خاص جراء الثقافات الشركاتية الشاذة للصناعة.

ولدى إمعان النظر في القائمة الحالية بأسماء العمالقة المخفقين، تصعب رؤية البعد الخلاق في تدمير موجة الاندماجات الأخيرة. فالعديد من المديرين التنفيذيين جنباً إلى جنب مستشاريهم ومصارفهم قد فازوا بصيد عظيم، فقط ليروا معظمه يتبخر في سوق الأسهم المنهارة. فبعض الشركات العملاقة التي قاموا بخلقها ستبقى على قيد الحياة كشركات مهيمنة، ولكن العديد منها متعثر، ما يجعل من عصر مزدهر أقل ثراء مما كان يمكن أن يكون. ويقول الاقتصادي في جامعة برينستون بول كروغمان: "ليس من الواضح ما إذا كان أي شيء جيد يحصل هنا". فنظرياً، على الأقل، يجب أن يثبت العمالقة الفاشلون إنهم فشل مؤقت، بينما يقوم المشترون الجدد بالانقضاض لتنظيف الفوضى، تماماً كما قام مغيرو الثمانينات الشركاتيون بترتيب أوضاع تكتلات الستينات. ولكن الشيء الوحيد الذي يبدو مؤكداً في الوقت الراهن هو أن هذه الفترة من الهدوء النسبي ما هي إلاّ فترة هدوء قبل بدء الهوس التالي بالاندماجات.  العودة للصفحة الرئيسيية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسيية