مقالات د. عماد فوزي شعيبي
 

كتب د. شعيبي

     
من الإيديولوجية إلى السياسة: نظرية الدمينو معكوسة المعضلات الاستراتيجية في المنطقة
مأزق جامعة الدول العربية دعوة أميركية لدور سوري في العراق تصريحات يعلون للتخلي عن  الجولان

هل يحكم بشار الأسد سورية

الديموقراطية ككاشف لأمراض المجتمع

إيران ضربة إسرائيلية

مثقفون في صورة كاريكاتيرات

هبت رياح الديموقراطية والحكمة في التعامل معها نحن... وهم ونظرية المؤامرة
مقدمة في الإيدز السياسي نقد وهم التكلفة التي ستنهي الحروب الأيديولوجية   الإصلاح في سورية: رؤية من الداخل
حل ألغاز الإمبراطورية الأمريكية

مبررات ضرب مبدأ السيادة لدى اليمين الجديد

الفضاء الإستراتيجي لسوريا.. الخيارات والإحتمالات
أسباب متعددة لقلق سوريا من تحركات ميليس

من الإيديولوجية إلى السياسة: خطاب الديموقراطية و الشرق الأوسط الموسع
د.عماد فوزي شعيبي : 6/3/2004
تتداعى وجهات النظر والتحليلات المختلفة لتقييم دلالات خطاب جورج بوش الابن بخصوص نقل الديمقراطية إلى الدول العربية وإيران؛ وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط التي خصها دوناً عن بقايا أرجاء الوطن العربي،ثم عرض استراتيجية الشرق الأوسط الموسّع، مما أعطى الخطاب دلالة جيوسياسية ، أكثر مما أعطاها دلالة كموقف استراتيجي عالمي، أو أقله ، أنه يجسد عملياً مقولة جعل هذه المنطقة نقطة انطلاق للاستراتيجية المرسومة من قبل اليمين الجديد التي أعلن عنها في أيلول من العام2002.
بتقديرنا يجب علينا قبل كل شيء أن نقدّر مسألةً في غاية الأهمية عن تقييم خطاب جورج بوش، الذي يبدو بمثابة خطابٍ تبشيري يتناقض جدياً مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في موضوع الديمقراطية التي إذا ما أطلقت فإنها بالتأكيد"ولو في الحد الأدنى في المرحلة الأولى" لن تؤدي إلا إلى أنظمة متشددة وربما معادية للولايات المتحدة الأمريكية:
نحن أمام موقف ملتبس رائزه السؤال التالي:
هل هذا الخطاب هو خطاب إيديولوجي أم هو خطاب سياسي استراتيجي سيملي استراتيجيةً للمرحلة القادمة؟:
الحقيقة أنه كلاهما معاً.
فمن يتصور أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تقصد شيئاً سياسياً من هذا الخطاب/ لا يزال يتصور بأن هنالك استراتيجيةً مستمرة هي التي تعمل الآن، وهي لا تختلف بالتالي عن الاستراتيجية الأمريكية التي أقرت من ستين عاماً (وتحديداً منذ ستين عاماً).
لكن الرجل كان واضحاً ،عندما أعلن نقداً ذاتياً لستين عاماً من الأخطاء التي مارستها الاستراتيجية الأمريكية السابقة عندما دعمت الأنظمة الديمقراطية، بمعنى آخر فإن الولايات المتحدة الأمريكية تصوغ اليوم استراتيجية بديلة عن تلك التي أرسيت قبل ستين عاماً.
وبكلمة فهي (أي الاستراتيجية الأمريكية الجديدة) تريد أن تصفي تركة الرئيس روزفلت(في الردع والاحتواء وعدم القيام بعمليات عسكرية خارجية واسعة النطاق، والأهم نقد روزفلت لتدخل العسكر والمؤسسة الصناعية في الحكم)، ومن بعده ؛ أي أننا فعلياً لسنا أمام استراتيجية أمريكية ثابتة تجد تلاوين جديدة لدى هذه الإدارة أو تلك، إنما نحن أمام إدارة تريد -جدّياً - أن ترسم استراتيجية للعالم، أعلنت عنها بوضوح في العشرين من أيلول عام2000، وهي تشكل إمتداداً طبيعياً لمشروع القرن الأمريكي الجديد PANCالذي اضطلعت به مجموعة اليمين الجديد"المحافظون الجدد" في العام1996 والذي صاغته مجموعة صقرية من مفكرين واستراتيجيين أمريكيين قبل عامين برعاية معهد المبادرة الأمريكية ومعهد هدسون ، وقدم للرئيس الأمريكية بيل كلينتون عام1997 ورفض الالتفات إليه ويتمثل به النقاط التالية:
-
ضرورة ضمان التفوق الأمريكي المتفرد على بقية العالم في القرن الحادي والعشرين ، وينص على أنه من أجل تحقيق ذلك ، فلابد من تبني سياسة هجومية غير اعتذارية وانفرادية غير مترددة ، تعتمد على القوة العسكرية بالدرجة الأولى أي الانتقال من التردد في استخدام سياسة التدخل الانتقائي إلى العمل عليها بصورة تجعلها أكثر من انتقائية .
-
تشجيع دول وسط وشرق أوروبا لتنضم إلى الكتل الديمقراطية، ولهذا فإن أدوات الاستراتيجية الجديدة تقوم على التعاون مع الدول الديمقراطية للضغط على الدول غير الديمقراطية والتركيز على حرية الأديان وحرية الفكر، و التصويت في المنظمات الدولية لنشر الحرية و الديمقراطية.
-
مساحة الضبط شاملة في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للعالم، فلا ـ يجوز وفقاً ـ لها لأي قوة أن تطلق طلقة إلاّ بتوافق مع الولايات المتحدة، كما يجب إنهاء ظاهرة القوى الصغيرة التي قد تنطلق للعمل المسلح وتحظى على أسلحة الدمار الشامل.
-
رسم محرم (تابو TABU) ، على الشعوب التي ستهاجمها أمريكا بالتدخل المباشر ، أن تقاوم الاحتلال لأنها ستغدو عندئذ إرهابية.
-
برأينا نحن أمام خطاب سياسي له سمة إيديولوجية فهو لم يتبلور بعد باعتباره استراتيجية أمريكية شاملة متوافقٌ عليها بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. لكنه وبنفس الوقت خطاب إيديولوجي مرشحٌ للسقوط إذا لم يحدث ذلك التوافق الذي لا يبدو أنه مقبول في التيارات المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي لها جميعاً"بالتوافق والتقاسم" الحق في رسم استراتيجيات للمرحلة القادمة، سواء أكانت قرناً أمريكياً أم قرناً بإدارة أمريكية، لافرق.
هنا يجب علينا أن نميز بين مسألتين:
المسألة الأولى: أن الديمقراطيين لا يرون ما تقدم بمثابة رؤية استراتيجية يوافقون عليها تماماً وتصورهم مبني على إمكانية التقدم بالاستراتيجية التي أرسيت منذ عهد ترومان وايزنهاور مع تطوير يلحظ التبدل في العالم إثر سقوط الاتحاد السوفيتي وانتصار الولايات المتحدة الأمريكية، لكنهم لا يملكون استراتيجيات بديلة. ثم إن أمريكا دولة مؤسسات ؛ فإذا قدم الديموقراطيين إلى السلطة لن يغيروا الاستراتيجية المطروحة بل سيغيرون بشكل طفيف طريقة التعامل بها.
المسألة الثانية: أن التيار الجمهوري لا يقر بشكل جماعي الاستراتيجية التي يقدمها اليمين الجديد، إذ تتقاسم فيه السلطة اليوم ثلاثة تيارات هي:
تيار التمامية المسيحية"منهم جون اشكروفت وزير العدل" الذي يرى ضرورة تواجد الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط باعتبار أن موعد قدوم المسيح قد اقترب(وهذا هو عنصر التقاسم السياسي وليس الإيديولوجي بين هذا التيار وتيار اليمين الجديد العلماني اليساري أصولاً)، وتيار المسيحية البروستانتية المتشددة"ومنهم وزير الصحة"، وتيار اليمين الجديد المعروف في البنتاغون والمنتثر بصورة غير أساسية في الخارجية ومجلس الأمن القومي، وشراذم (هي ليست تيارات متبلورة )تتقاسم الرؤية هنا وهناك مع اليمين الجديد، دون أن تقر معهم الاستراتيجية تماماً ومنهم كولن باول وكونداليزارايس، ومع ذلك فهو يوافق عليها اليوم باعتبارها خياراً لا بد منه!، حيث لا بديل استراتيجياً لديهم عنه.
إذا نحن أمام توصيف حرج ، وهو أن ليس ثمة من استراتيجية قديمة مستمرة في الولايات المتحدة الأمريكية،كما أنه ليس ثمة من توافق بين التيارين الديمقراطي والجمهوري حول ما يحدث حالياً باعتباره استراتيجية مستقبلية، كما أنه ليس ثمة من توافق تام ضمن تيارات اليمين لدى الجمهوريين أنفسهم في الولايات المتحدة الأمريكية حول تلك الاستراتيجية.
والمشهد يبدو أنه مشابه تماماً لحجم الاضطراب في عملية بلورة نظام عالمي جديد؛ فكما الخلاف قائم بين الدول العظمى مع هذه الاستراتيجية التي ليست أكثر من تجريب على المستوى العالمي، كذلك ثمة خلاف في الولايات المتحدة نفسها باعتبار أن تلك الاستراتيجية - أيضاً -بمثابة تجريبٍ على مستوى تعيين غير متوافق عليه للاستراتيجية الأمريكية.
إذاً ، نحن أمام فوضى ، أو أقله أمام مرحلة انتقالية ؛ فالقضية ليست قضية تفاصيل في استراتيجية مسبقة لا تتغير لدى الأمريكيين،إنما إزاء وضع خطير يتمثل في أن"التجريب" هو سمة الموقف سواء على الصعيد الدولي أو على الصعيد المحلي في الاستراتيجية الأمريكية، وكلاهما يتقاطع مرة ثانية في ما هو دولي.
إذاً ، نحن أمام موقف معقد سمته الأولية إعادة تكرار لنفس المقولات التي ميزت طروحات اليمين الجيد ممثلة بالاستراتيجية الأمريكية للمرحلة القادمة، بطرق مختلفة تتأرجح بين الإيديولوجيا والسياسة.
لكن وزارة الخارجية الأمريكية بثقلها التاريخي كمؤسسة (وهنا نستطيع الحديث عن مؤسسات أمريكية عريقة)، و يرأسها شخصٌ لا يميل إلى استراتيجية المحافظين الجدد، ولكنه يرضخ لها باعتباره أصبح جزءاً من السياق بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ترفض جعلها استراتيجيةً كاملة حقيقيةً لها(ولحسن الحظ أنها لا تزال تسيطر على القرار السياسي)، أو أقله استعادته بعد سقوط بغداد. إلا أنها وعلى التوازي مع ذلك تحاول الاستفادة من هذه اللغة الإيديولوجية كعنصر من عناصر الضغط، قد يكون هذا بمثابة إعلان تقديري بأن خطاب الرئيس جورج بوش ليس أكثر من خطاب إيديولوجي؛ بمعنى قد يستنتج منه البعض أننا لسنا أمام توظيف سياسي مقبل له بالواقع الحقيقي للكلمة. لكن هذا التوصيف متسرعٌُ قليلاً:
السبب في ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش حالة فوضى على مستوى تعيين الاستراتيجية الأمر الذي يفسح في المجال أمام تحول طروحات اليمين الجديد إلى استراتيجية فعلية في لحظة من اللحظات كما هو الحال بالنسبة للعراق، وخصوصاً إذا أعدنا التذكر أنه ليس ثمة من استراتيجية بديلة تقطع مع استمرارية استراتيجية ترومان وايزنهاور التاريخية، وهذه الاستراتيجية اليمينية الجديدة صحيح أنها لا تجد لدى الكثير من الاستراتيجيين الأمريكيين صدى باعتبارها لا تجيب عن الأسئلة التي يطرحها العالم الحالي وخصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؛أي بعد أن يوظف استراتيجياً باعتباره يستدعي تغيراً في منظومة العالم التي أرسيت بعد الحرب العالمية الثانية، إلاّ أن كولن باول لا يستطيع أن ينقضّ عليها تماماً لأنه يجسدها رغماً عنه بعد التورط في الحرب على العراق. بمعنى آخر فهي قد تحولت من إيديولوجيا إلى استراتيجية (بالقوة).
وإسقاطاً على الخطاب المذكور : فمن ناحية أنية، الخطاب عن الديموقراطية غير قابل للتنفيذ لكنه في ظل الفوضى الاستراتيجية وغياب البدائل يستطيع أن يتحول في لحظة من اللحظات إلى استراتيجية سياسية خصوصاً إذا ما استُخدم مبرراً للهروب إلى الأمام أو الخروج من المأزق في العراق، وهو ما يجعلنا نتذكر دائماً أن كلاً من دراسة القرن الأمريكي الجديد وما تبلور عنها في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة يتحدثان عن الديمقراطية باعتبارها اللغة السياسية الأبرز التي تستوجب أن تنقل العالم باعتبارها تجسيداً للقيم الأمريكية.
وبين ما هو إيديولوجي وما هو سياسي ثمة خيط رفيع لا يحدد تمايزاً قابلاً لأن نَركُن إليه؛ لأن إمكانية الانتقال من هذا الطرف إلى ذاك إلى إمكانية قائمة ومتوافرة في أية لحظة، ولكن مع مراعاة حدوث ظرف مناسب وتوفر ذرائع مناسبة يمهد لها من خلال الطروحات التي تقدم في مثل هذه الخطابات التي تسمي دولاً بعينها.وهذا ما يلقي بثقله العميق علينا.
إننا لا نستطيع أن نركن إلى أن الخطاب إيديولوجي ولا نستطيع أن نقول أنه موجه فقط إلى الداخل أو أنه تعبير فقط عن الأزمة في العراق ومحاولة إيجاد مبررات جديدة للغزو والاستمرار في الاحتلال ، أو أنهم لا يريدون الديموقراطية لأنها ستأتي بأنظمة متشددة أو دينية، فهؤلاء يؤذون أنفسهم باستراتيجية حمقى ، وتحليلنا للموقف لا يجب أن يركن إلى أنهم عقلانيون تماماً ، فهنالك في السياق الذي رأيناه لحظات لاعقلانية حددتها بالعمق الرؤية الإيديولوجية ، وهذا ما يستوجب أن نضع ذلك ضمن حساباتنا ، والطريقة المُقترحة لذلك أن نتكلم لغتهم نفسها . وبتقديرنا الشخصي أن مثل هذا الأمر سيكون قطعاً للطريق أمام أن يجدوا مساحة لهم للتحرك من التوصيف الإيديولوجي لخطاب بوش عن الديموقراطية ، إلى تحوله إلى مادة سياسية تمهد للانقضاض علينا.
عودة للرئيسية
 

نظرية الدمينو معكوسة
الدكتور عماد فوزي شُعيبي : ( كلنا شركاء ) 14/3/2004
عندما كتب ريتشار بيرل ؛أمير الظلام المعروف ورئيس مجلس السياسات الدفاعية في البنتاغون سابقاً، نظريته عن انهيار الأنظمة السياسة في منطقة الشرق الأوسط على طريقة الدمينو السياسي، ُسوئل عما إذا كان لم يدرك أو يتعلم المخاطر المترتبة على البراكين السياسية في منطقة الشرق الأوسط ، وخصوصاً ما حدث في مصر وسورية والعراق من انقلابات بعد نكبة عام1948، وما حدث في إيران مُصدّق ، قهقهة صاحب النظرية معتبراً بأن شعوب المنطقة لا تجرؤ على أن تعيد الكرة مرة أخرى وأن الأنظمة ستتهاوى كما يتهاوى الدمينو.
لكن ريتشارد بيرل الذي يبدو كستالينيٍ دخل لتوه عصر الإيديولوجيا، لم يستطع أن يتعلم جيداً أن الدمينو قد ينقلب بشكل عكسي، وأنه بقدر ما يمكن أن يؤدي إلى تدمير أنظمة بقدر ما يستطيع إما أن يعززها أو يتوجها أو يرتكس بها إلى مواقف أكثر محافظة ، أو في كثير من الأحيان يأتي بأنظمة سياسية أكثر تشدداً.
الحال أن ريتشارد بيرل ينطلق من نظرية ثنائية"الكبت،القمع/ الاستجابة"، وهي تستند إلى نظرية ويللهلم رايش الذي عاش النموذج النازي واقتنع بقاعدة طالما رددها:" إن أول عمل قام به القمع أنه مهد السبيل لكل استبداد تالٍ له".
لكنه لم يدرك- بالتأكيد- أن معادلة العلاقة بين قهر الشعوب واستجاباتها لا تشير بطريقة خطية وفقاً لنموذج ويللهلم رايش فقط ، إنما تسير بأشكال عشوائية لا يمكن البت بها تماماً كحركة جزيء غازي بين عدد كبير من الجزيئات الغازية الأخرى التي لا يمكن التكهن رياضياً وإحصائياً بإمكانية أو طريقة حدوث فعلها، وتحتاج كما يقول الاختصاصيون الرياضيون إلى معادلات تفاضلية يمكن أن تكون لها مجموعة لا نهائية من الحلول، وبالتالي فثمة نظرية أخرى تتحدث عن ثنائية"القمع" والرد عليه بصورة غير متوقعة وبشكل يجسد ثنائية"القمع/ العنف المضاد".
هذه النظرية التي لا يعرفها ريتشارد بيرل وبسبب جهله بها ورط نظام الإدارة الأمريكية الحالية بآلية من التعامل مع قضايا الشرق الأوسط بها الكثير من الاستخفاف بالشعوب، ا لأمر الذي قد يعزز نظرية الدمينو المعكوس؛ فتقوى أنظمة راديكالية أو محافظة، وتنشأ على خلفية الديمقراطيات المعلنة التي يتحدثون عنها كحلول"خطية" أيضاً لمشكلة العلاقة بين تلك الأنظمة والغرب، وتنشأ أنظمة أكثر تشدداً وتخلفاً الأمر الذي يستدعي حسابات من نوع أكثر رصانة عند التعامل مع الشأن السياسي في المنطقة.
ولعل ما حدث في إيران يستطيع أن يكون درساً في الدمينو المعكوس فهو قد أطاح بنظرية الانهيارات.
وبقدر ما كان ولا يزال نظام وطريقة أداء الرئيس محمد خاتمي عقلانياً وسعى للانفتاح مع الغرب ومع الولايات المتحدة الأمريكية وقدم تنازلاً كبيراً بفتح منشآت إيران النووية للتفتيش، بقدر ما تبدو الأوضاع الحالية بمثابة درس في الدمينو السياسي المعكوس.
فالمحافظون حصدوا الغالبية وأخرجوا النساء من مجلس الشورى وباتت إمكانية تقديم التنازلات أو حتى الانفتاح -بالمعنى البراغماتي- للكلمة محكومة في إيران.
والطريف وللافت هنا أن محافظي إيران قد ردوا على المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، وكأن قدر العالم أن يعيش هذه الطرافة التي لا تستدعي بالتأكيد الابتسام أو الضحك إنما تكاد أن تعيدنا إلى عصر الإيديولوجيات مقلوباً رأساً على عقب ولعل الطرافة لا تنتهي عند هذا الحد، فالمحافظون الجدد لم يكونوا إلا نماذج ثورية أصبحت محافظة وهي تتمتع بجانبها الثوري من خلال جنون الثورة المفروضة على الأخرين، كما أن المحافظين في إيران هم من سلالة الثوار الذين أتوا على حاملة التغيير الدراماتيكي.
إن المعادلة التي تفرض نفسها هنا هي معادلة العقل الغائب عند المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمارس سياسة لا تقف عند حدود ضرب العراق بل تريد شرق أوسطاً كبيراً بنفس نوع التفكير الأحادي الذي لا يختلف عن الستالينية ولا عن كل تيارات الشوفينية لأنه يفترض أنه يمتلك الحقيقة ووحده يمتلك الحقيقة وبالصورة التي يقدمها، لكن المأساة تتجاوز هذا بكثير؛ إذ أن فوضى الانتقال من نظام عالمي إلى نظام عالمي آخر تحصد عملياً إرث الشعوب والدول، واللحظة التي نعانيها اليوم بكل بساطة لا تختلف بالمطلق عن لحظة توسع نابليون شرقاً وعن لحظة توسع هتلر شرقاً وغرباً وشمالاً؛ ففي كل الحالات ثمة أشخاصٌ ينبقون في هذا العالم المتقدم جداً بعقلية متأخرة جداً تريد أن تجعل العالم كله على صورة مالديها في ذهنها فتقتل الكائن باعتباره"يكون" ؛أي يكون على طريقته ووفقاً لتاريخه وموروثه والخطير في الأمر أنها تحول الناس إلى أدوات للاختبار وتفتعل وقائع تشوه التاريخ، مما يذكرنا بكتاب ارنست بلوخ:"تحطيم العقل"، الذي يستنتج منه المرء أنه في اللحظات التي تبلغ العقلانية ذروتها تشهد تجربة العقل ما يعاكسها أي تنبع في ال لحظات المتقدمة جداً أشياء متخلفة جداً، وهذا ما يستدعي وقفة فعلية ورصينة لفهم كيف يمكن أن يكون دور الغباء في التاريخ وهذا هو الحال مهما كان للبعض آراء أخرى أو رغبات أخرى، فالعالم ليس دائماً عجينة يكيفها أصحاب النظريات الجاهزة والأحادية التي تصبح فيها الفكرة- الكلمة كما الوحي أكثر واقعية من الواقع لدية بحيث لا يستطيع صاحب الفكرة أن يفهم حقيقة الواقع لأنه لا يستطيع إلا أن يقرأ ذاته.
وبقدر ما يستفزنا اصحاب النظريات الجاهزة في مجتمعاتنا العربية فانقلبنا عليهم لأنهم يريدون العودة بنا إلى الوراء بقدر ما يشكل ظهور أمثالهم في الولايات المتحدة الأمركية فرصة لنا كي نقول حنانينا ذلك أن أصحابنا هنا هم أولى بالرعاية والعناية المشددة طالما أننا لا نستطيع أن نوقف جنوناً يتجاوز جنون نظرياتهم وذلك في الولايات المتحدة، والمصيبة أن المشهد يتكرر تارة هزلياً وأخرى مأساوياً.
عودة للرئيسية
 

المعضلات الاستراتيجية في المنطقة
الجغرافيا السياسية والاستراتيجية الجغرافية
د. عماد فوزي شُعيبي : 30/3/2004
التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، لها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية.
المسألة تنعقد باختصار في أن تلازم مصطلحي الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيكا) والجغرافيا الاستراتيجية(الجيوستراتيجيا) هو الذي يعيّن الاستقرار السياسي عموماً واستمرارية أداء اللعبة السياسية عالمياً وإقليمياً وفق قواعد السياسة الناظمة.
المقصود هنا بدقة هو أن الجغرافيا السياسية يجب أن تتزامن وتتساوق مع الجغرافيا الاستراتيجية، وهو ما يبدو اليوم غير متوافر على الإطلاق في معادلة السياسة في المنطقة.
فالأمريكيون باتوا جزءاً من الجغرافيا السياسية(أصبحوا جيراناً لست دول) دون أن تكون هذه الجيرة أكثر من إخلالاً بالجغرافيا الاستراتيجية. ذلك أن الأرض ليست أرضهم والموارد ليست مواردهم، وكل ما هنالك أنهم يديرون الأرض والموارد ويريدون أن يكونوا جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية بالتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى"بالشرق الأوسط الجديد".
المشكلة تتمثل بأن كل وافد على الجغرافيا الاستراتيجية صحيح أنه يستطيع أن يدير الأرض والموارد مهما كانت الصعوبات لكن البشر والتاريخ (نعني الثقل الإيديولوجي وثقل المعطيات والموروث التاريخي للبشر) أمر لا يمكن إدارته وهو جزء من الجغرافيا الاستراتيجية بل وهو الجزء الأكثر أهمية في تلك المعادلة كما يقول الأميرال سيليريه وماكس سور عندما يصيغان معادلة أن الجغرافيا البشرية تغدو أكثر وأكثر كجغرافية الإنسان بمعنى التمييز بين العوامل الثابتة والعوامل المتغيرة. ويترافق مع ذلك كما يقول الأميرال بيير سيليير أهمية(المدى) الذي يسكنه البشر، أي المكان.
فإذا كان ثقل تاريخ البشر(بما فيه التاريخ الإيديولوجي للبشر) يفرض نفسه بشدة في المعادلة الجيواستراتيجية فإن ثقل المكان يفرض نفسه بنفس الشدة في تلك المعادلة، ذلك أن تغيير الدول ليس ممكناً أو قابلاً لأن يكون مثمراً لصالح دولة واحدة على حساب الدول الأخرى لهذا السبب بالذات كما يؤكد سيليير.
ولكي نترجم هذا إلى معادلة الواقع الحالي نقول:
إن الولايات المتحدة تستطيع أن تكون جزءاً من الجغرافيا السياسية عبر النفوذ أو الأنظمة الحليفة أو الموالية لكنها لا تستطيع أن تكون جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية لأنها تفتقد إلى الامتداد مع الأرض والاحتكاك مع البشر والتاريخ، وهذا ما يفسّر جزءاً من السؤال الذي يطرحونه:"لماذا يكرهوننا"؟ (وهو نفسه السؤال الذي نطرحه نحن أيضاً) والجواب كامن في عدم قدرة الطرفين على التمازج جغرافياً وبشرياً وتاريخياً.
الأوروبيون يستطيعون ذلك، بخلاف الأمريكيين، لأنهم يعرفون تاريخ المنطقة جيداً وكانوا جزءاً منه ودرسوه(عبر مستشرقيهم) وتواصلوا مع أرضها وبحرها والجوار الجيواستراتيجي قائم كما لا تستطيعه أمريكا مهما توهمت أنها تفعل.
فالاحتكاك مع البشر والأرض أمريكاً يحدث لأول مرة اليوم في العراق. وهو احتكاك مقطوع عن السياق، لا يوجد فيه مؤشر لما يمكن أن يتحول إلى تراكم جدّي؛ ذلك أن الأمريكيين اعتادوا على التجارب التي تبدو(كانبثاقات) تأتي فجأة وتنسحب فجأة الأمر الذي لا يراكم تجارب عن الشعوب، تماماً كما فعلوا في فيتنام وكوسوفو والصومال وحتى إيران... إذ أن الاستراتيجية السياسية والعسكرية قد بُنيت لديهم على أساس أنهم جزيرة معزولة مكتفية بذاتها تستطيع أن تمدّ يدها انتقائياً واختيارياً على المستوى العسكري، ولا داعي لفهم الناس والأرض والتاريخ إذ ان العقدة المركزية تجعلهم- كما يريدون تعميم نموذجهم السياسي على المنطقة بما فيها دستورهم(كما يقول المحافظون الجدد)- لا يلتفتون إلا إلى ضرورة أن يفهمهم الآخرون لا أن تكون العلاقة متبادلة للفهم.
القدوم الأمريكي خرّب كل المعادلات(الجيواستراتيجية). فجأة أصبح على (الجيوسياسة) أن يحتوي الجيواستراتيجية بما لا يمكن إلا أن يكون كمن يسير على رأسه أو كمن يريد أن يحمل الوليد أمه ي أحشائه أو أن تكون علاقة التضمّن مقلوبة، بحيث يكون الصغير يحتوي الكبير أو الجزء يحتوي الكل.
منطق غير مقبول، ولا تستطيع سياسة القوة أن تفرضه أو أن تجعله واقعاً قابلاً للحياة طويلاً. هو أقرب إلى منطق(سرير بروكست)؛ قاطع الطريق الذي كان يأتي بضحاياه ويمدّهم على السرير؛ فإذا كانت أطوالهم أطول من السرير كان عليهم أن يواجهوا قص أقدامهم لتطابق(المرجع:السرير)، وإذا كانت أقصر كان عليهم أن يواجهوا عملية شدّ الأقدام. ونحن هنا لا نطرح أمنيات أم نسجل الوقائع التي تعرف في علم السياسة.
عندما أتى الأمريكيون إلى المنطقة أحدثوا اختلالاً في المعادلة الجيواستراتيجية، أرادوا أن يحلوا ثقلهم ككبار في المنطقة وإلغاء كل(الكبار) الإقليميين. كانت النتيجة أنهم يمارسون جيوسياسة في صيغة جيواستراتيجيا.
لا يمكن إلغاء الكبار إقليمياً لأن الجغرافيا والبشر لا يمكن إلغاؤهم. وغياب الكبار يفسح في المجال أمام الصغار كي يأخذوا مكانهم وهو أمر يستدعي وقفة عاجلة وخاصة.
عودة للرئيسية
 

مأزق جامعة الدول العربية عدم التطابق بين الواقع والأمل_
د.عماد فوزي شُعيبي: 2/4/2004

أن تتوافق مصر وسورية والسعودية على مشروع لإصلاح الوضع فهذا يعني أن الحدّ الأدنى تم التوافق عليه. وهناك اليوم اعتبارات جيوسياسية خطيرة تتمثل بانهيار نظام سياسي وضــع الدولة في العراق في مهب الريح وأنشأ جملة علاقات سياسية وجيواستراتيجية لا تصلح في الأصل كي تؤسس ولا في أي شكل من الأشكال لمنظومة عربية جدية, إذ ان الدول العربية استغنت عن رمزية اتفاقية الدفاع العربي المشترك, كما ان بعض الدول العربية ذهب الى حد اعتبار ان الدول الأجنبية هي الشكل الوحيد الذي يؤمن استقراره السياسي, وأصبحت دول أخرى تقيم قواعد عسكرية يمكن الانطلاق منها وهذا ما حدث فعلاً لضرب دولة عربية أخرى. واللافت والأكثر خطورة في هذه التشكيلة السياسية هو أن التواجد الأميركي قد طرح اختلالاً في لعبة الجغرافيا السياسية ليعطي لـ"الصغار" أدوار "الكبار".
ومع الاعتذار للتعبير السابق الذي لا يقصد منه الإساءة الى هذه الدولة أو تلك إنما يقصد منه توصــيــف الواقــع الجيواســتراتيجي وفــقاً للــقواعد الناظمة له نقول بأن غياب الدول المركزية عن أن يكون لها دور جيواستراتيجي بوزنها الحقيقي انما يعكس مشكلة عملياً لـ"الكبار" و"الصغار" معاً لأن حمولة "الصغار" عندما تكون أكبر من الامكانات البشرية والجغرافية والتاريخية فإن القدرة على الاحتمال ستكون في أدنى حدودها والناتج في طبيعة الأحوال سيكون في أدنى مستويات أدائه وهذه هي طبيعة الأشياء. ولهذا عندما نقول بأن توصل سورية ومصر والسعودية الى اتفاق جماعي يمكن طرحه على القمة المقبلة لاعتماده هو شيء ايجابي للغاية لأن الثلاثة "الكبار" ينهضون اليوم بمسؤولياتهم على رغم كوننا لا نعرف التفاصيل الدقيقة للمشروع السوري - المصري - السعودي.
فالطروحات التي تحدثت عن مشروع لإنشاء مجلس أمن عربي على غرار مجلس الأمن الدولي والمكون من عدد محدود من الدول يراوح ما بين 7 - 12 دولة لا يتساءل - ومع تـقديرنا لأهميــته ورهانيته وضرورته - عن مــيزان القوى الـذي يســمح اليوم لسبع أو اثنتي عـــشرة دولـة ان تحــسم النزاعات العربية ويكون لها تأثـــير ملزم على الآخـريــن, لأن "الكــبار" لم يصـــبحوا قوة نافـــذة تســـتطيع ان تفرض اعتبارات المصلحة القومية من خلال تشكيل مجلس أمن وطالما ان "الصغار" هم الذين ينــسجون الرتــوش النهائية لطبيعة اللعبة الاقليمية فإن كل حديث عن دور مركـزي لمجموعة من الدول هو حديث يفتقر لحـسابات السـياسة الواقعــية, فالفــكرة لا تبني استراتيجية لأن مصطلحي الجيوبوليتيك والجيــواستراتيــجيا مــتلازمــان بالضرورة وبالفعل.
ان ذلك المشروع الذي قدمه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى والذي تحدث عن قرارات ملزمة لكل الأعضاء في الجامعة العربية كما هي الحال في مجلس الأمن لم يسأل عن الأسباب التي تجعل دولاً صغيرة تلتزم بقرارات دول أكبر سواء كانت سبع دول أم اثنتي عشرة دولة, طالما ان ميزان القوة لا يفرض هذا الاعتبار وطالما ان المصالح, وهي لغة السياسة, لا تؤكد ولا في أي شكل من الأشـكال ان دول "الصغار" ترى أن مصالحها يمكن أن تكون مصونة من الدول الصغيرة, إذ ان المشكلة تكمن في طبيعة اللعبة السياسية الاقليمية, ذلك انه اذا لم يصل بعض العرب من "الصغار" الى قناعة بتفويض أمرهم الى "الكبار", (وهذا يستدعي أيضاً إعـادة درس مدى التوافق بين الكبار أنفسهم على استراتيجية موحدة) فإن كل المشاريع التي من هذا النوع تبدو كتنظيرات أكثر مما هي تعبير عن سياسة واقعية.
كنت وما زلت أقول أننا لا نستطيع أن نرسم استراتيجية في أي مضمار من مضامير العمل السياسي ما لم يحدث توافق في الأصل على السياسة وعلى المصالح وهذا الأمر ليس مـتوافراً هنا ولا في أي حال من الأحوال, وهـذا ما يفسر كيــف يرفع الأردن عقيرته ويرفض مشروع انشاء مجلس الأمن العربي ويقول على لسان السفير الأردني في القاهرة هاني المجالي بأن بلاده قلقة من أن يشعر بعض البلدان بأنه مستبعد, وهذا يعبّر في الأصل عن مشكلة الدول التي تشعر بأنها ليست بوزن دول أخرى وهذا شيء طبيعي ما لم يتم التوافق على السياسة والمصالح لأننا نفهم اليوم كـما كان يجب أن نفهم في الماضي بأن السياسة ليست إلا مصالح ولغة مشتركة بين الأطراف المخــتلفة تستطيع أن ترسم طبيعة دقيقة لتلك المصالح.
مرة أخرى نقول طالما انه يوجد احتلال لا توجد قوة في الأرض تستطــيع أن ترســم استراتيجية تكون دقيــقة ومعــبرة عمــا يجب ان يكون لأن ما يجـب أن يكــون لا يستــطيع إلا أن يكون جزءاً مما هو موجود ومما هو قائم في ميزان القوى على الأرض.
ان تعدد المشاريع يعكس حقيقة انه كما تكون يولى عليك, اي ان التعدد هنا ليس ظاهرة صحية بالمطلق هنا مع قناعتنا بأن كل تعدد هو ظاهرة صحية لأنه تعبير عن واقع الحال أي على الاختلاف على السياسة والمصالح ومعاً, على تعين المصالح وتعين الأدوات التي تترتب على تلك المصالح ونمط التفكير فيها وطريقة التعامل ازاءها, فضلاً عن اللغة التي يمكن أن يعبر عنها به, فإحدى الدول تطرح اتحاداً عربياً بدلاً من الجامعة العربية الأمر الذي يدخلنا في الصفحة البيضاء أي بطي صفحة الجامعة العربية كلياً والبدء بصفحة جديدة غير ملزمة لأي من الدول العربية بعودة الدخول الى ذلك الاتحاد, ودولة أخرى كانت تتحدث عن سوق مشـتركة بحيث تكون مقدمة اقتصادية لما هو سياسي لاحقاً, أي ان المصالح تتعين هنا بالمعنى الاقتصادي الصرف وما هو ليس كافياً بالتقدير الأول, ودولة أخرى كانت تتحدث عن مشروع اصلاح متدرج, والأمين العام للجامعة العربية يطلب توسيع صلاحياته بحيث يستطيع أن يدعو الى قمة طارئة ويستطيع أن يشارك الدول المضيفة في الإعداد لمؤتمرات القمة والاجتماعات, وهذا أمر مطلوب ولكنه يحتاج الى توصيف مسبق لمدى امكان ان تقبـل هذه الدولة أو ت لك بهذا الدور للأمين العام ما لم يكن هنالك توافق في الأصل على مشروعية الجامعة, وبالتالي أمينها العام في رسم أو المســاهمة في رسم استراتيجيات كبرى. أي بمعنى آخر اننا نعود مرة أخرى الى المربع الأول كما لو اننا في وضعية متاهة سياسية أكثر مما نحن في وضـعية رسم استراتيجية طويلة الأمد, بل الأهم من هذا إن ما يصدر حالياً هو بمثابة فكر "الأزمة" أي ما هو أقرب الى أسلوب رجل المطافئ الذي يريد أن يطفئ الحريق لا أن يمنع حرائق مستقبلية لأنه لا يملك أصلاً ذلك في ظل أوضاع جيواستراتيجية على هذا المستوى, لأن فكر الأزمة لا يتابع الاسباب ولا يرسم الاستراتيجيات على أساس الواقـع الحـالي لأنه يريد واقعاً افتراضياً مختلفاً او مأمولاً. صحيح ان له الشرعية الأخلاقية والنظرية في هذا الاتجاه لكنه لا يعبر عن واقع والمطلوب هو التعبير عن الواقع لا الاكتفاء بتخيله, طالما أننا لا نستطيع أن نغير ذلك.
إن رسم استراتيجيات طويلة الأمد يجب أن يستند الى عدة مسائل أولها ان هذه المنطقة العربية تشكل 10 في المئة من مساحة العالم وتمتلك 61 في المئة من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط أي من الطاقة التي يعيش عليها هذا العالم, وثانيها ان المصلحة الكبرى تكمن في علاقة عربية - عربية على أساس تبادل منافع مشتركة لا لاعتبارات نظرية لأن على ما هو تاريخي ان يندمج لا أن ينصاع فيما هو آني, وثالثها على أساس رسم لغة مشتركة للسياسة تقوم على فهم دقيق لاعتبارات البراغماتية والوظيفية والأداتية والمفاهيم الحقيقية للجيوبوليتيك والجيواستراتيجيا ما يعيدنا الى مسائل قد تبدو للبعض نظرية لكنها في صلب العمل السياسي وهي أبعد ما تكون عن التنظير الى قاعدة كولزينتش التي تقول بأن على الاستراتيجي ورجل الدولة ان يفكرا معاً ويتحدان بحيث يصبحان واحداً موحداً ويلتقيان وينسجمان في المفاهيم الحديثة للجغرافية الحقيقية في الميدانين اللذين يعودان لهما وهما الجيوبوليتيكا والجيواستراتيجيا, اذ ان تلازم المصطلحين يؤكد وسير الأحداث العالمية إذ تبقى العوالم الجغرافية الأساس المشترك كما الشرط لصحة الحلول نفسها, وهنا بالضبط من خلال هذه ا لقاعدة وتقول بأن الحلول لمشكلات العرب لن تكون وثمة احتلال قائم تراه بعض الدول تحريراً لأن عدم التوافق على الشرط الجغرافي سيؤدي الى عدم توافق على الجغرافيا الاستراتيجية وعلى الجغرافيا السياسية.
وفي واقع الحال يجب علينا ألا نتوهم بأن نظــرية تونبي في ثنائية "التحدي - الاستجابة" هي ثنائية مطلقة, فالتحديات أحياناً تؤدي الى استجابات سلبية وليست الى استجابات ايجابية والمسألة لا تنعقد بقانون خطي على طريقة: صلِ تدخل الجنة!
عودة للرئيسية
 

دعوة أميركية لدور سوري في العراق.. ماذا بعد؟
د. عماد فوزي شعيبي  19/4/2004
وثانيهما تلقي وزير الخارجية السوري فاروق الشرع رسالة من نظيره الأميركي كولن باول يشرح فيها خطورة الوضع والتطورات في العراق، ويحث دمشق على تقديم كل مساعدة يمكن أن تساهم في تهدئة الأوضاع بما يخدم وحدة هذا البلد وأمنه واستقراره.
هذه الرسالة تعكس موقفين: الأول أن موقف الخارجية الأميركية الذي يعتبر معتدلا نسبيا (وينتمي إلى المدرسة الواقعية) يريد من سوريا المساعدة على أن تبقى الأوضاع مستقرة في العراق بما يخدم عدم انتقال القرار السياسي إلى البنتاغون بسبب تدهور الأوضاع، مما يحدث عمليا أجواء مشابهة لما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول والتي أدت إلى عسكرة السياسة الخارجية الأميركية وصولا إلى الحرب على العراق.
وهذه الدعوة تعتبر في رأينا بمثابة سعي من وزير الخارجية الأميركية إلى ما يشبه "التقاسم الوظيفي" لإبقاء الوضع في الولايات المتحدة في حدود ما هو سياسي، واستبعاد نفوذ المحافظين الجدد في البنتاغون الذي يتنامى بحالتين الأولى: تسعير العمل العسكري في العراق، والثانية: دخول الانتخابات الأميركية في مأزق عدم التجديد للرئيس الحالي جورج بوش.
إلا أن اللافت في رسالة الوزير الأميركي هو إشارته لطلب المساعدة من دمشق وهذا ما يعني عودة للاعتراف بالدور الإقليمي للجوار الجيوإستراتيجي للعراق، وهو ما يشير إلى تراجع (فرضته الظروف) عن ترداد مقولة أن الأوضاع تغيرت في المنطقة بعد احتلال العراق وبالتالي فإن على سوريا الانصياع للنفوذ الأميركي وما يقتضيه من مطالب، فضلا عن أن هنالك إشارة من واشنطن إلى مصالح مشتركة سورية أميركية تتمثل بالمساهمة في وحدة العراق، أي الإقرار بأن الأخيرة هي شأن مشترك يمكن أن يقرب المسافة بين العاصمتين حيث أن هذين الاتصالين يمثلان عمليا أول اتصال أميركي بسوريا منذ سنة تماما، إذ فضلا عن أن التركيز على وحدة العراق تقاسم مشترك بين الطرفين السوري والأميركي هنالك إشارة أخرى إلى الأمن في العراق بما يعني الدعوة إلى مشاركة دمشق في هذا الملف والاستقرار بما يعني أيضا الدعوة إلى دور سوري تفرضه الوقائع الجغرافية الإستراتيجية بين سوريا والعراق معا.
دمشق بدورها أكدت أنها ستستجيب ولكن ضمن ما أسمته إطار تعاملها مع الملف العراقي الذي بني على أساس وحدة العراق كخط أحمر وسلامة أراضيه واستقلاله وبالتالي الإسراع في تسليم السلطة لحكومة وطنية منتخبة وزوال الاحتلال، بمعنى أن التقاسم الوظيفي بين دمشق وواشنطن سيكون على حافة عدم الاختلاط بين المطالب المشتركة بوحدة العراق وأمنه واستقراره وبين أي إيحاء بأن الدور السوري سيكون بأي حال من الأحوال غطاء وتسويقا أو مدا للاحتلال.
أما التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الإستراتيجية الأميركية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، فلها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية.
فالمسألة تنعقد باختصار في أن تلازم مصطلحي الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيكا) والجغرافيا الإستراتيجية (الجيوإستراتيجيا) هو الذي يعين الاستقرار السياسي عموما واستمرارية أداء اللعبة السياسية عالميا وإقليميا وفق قواعد السياسة الناظمة.
المقصود هنا بدقة هو أن الجغرافيا السياسية يجب أن تتزامن وتتساوق مع الجغرافيا الإستراتيجية، وهو ما يبدو اليوم غير متوافر على الإطلاق في معادلة السياسة في المنطقة.
فالأميركيون باتوا جزءا من الجغرافيا السياسية (أصبحوا جيرانا لست دول) دون أن تكون هذه الجيرة أكثر من إخلال بالجغرافيا الإستراتيجية. ذلك أن الأرض ليست أرضهم والموارد كذلك، وكل ما هنالك أنهم يديرون الأرض والموارد ويريدون أن يكونوا جزءا من الجغرافيا الإستراتيجية بالتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد".
المشكلة تتمثل بأن كل وافد على الجغرافيا الإستراتيجية يستطيع أن يدير الأرض والموارد مهما كانت الصعوبات لكن البشر والتاريخ (نعني الثقل الأيدولوجي وثقل المعطيات والموروث التاريخي للبشر) أمر لا يمكن إدارته وهو جزء من الجغرافيا الإستراتيجية، بل وهو الجزء الأكثر أهمية في تلك المعادلة كما يقول الأميرال سيليريه وماكس سور عندما يصيغان معادلة أن الجغرافيا البشرية تغدو أكثر وأكثر كجغرافية الإنسان بمعنى التمييز بين العوامل الثابتة والعوامل المتغيرة.
يترافق مع ذلك ما يقوله الأميرال بيير سيليير عن أهمية (المدى) الذي يسكنه البشر، أي المكان.
فإذا كان ثقل تاريخ البشر (بما فيه التاريخ الأيديولوجي للبشر) يفرض نفسه بشدة في المعادلة الجيوإستراتيجية فإن ثقل المكان يفرض نفسه بنفس الشدة في تلك المعادلة، ذلك أن تغيير الدول ليس ممكنا أو قابلا لأن يكون مثمرا لصالح دولة واحدة على حساب الدول الأخرى لهذا السبب بالذات كما يؤكد سيليير.
ولكي نترجم هذا إلى معادلة الواقع الحالي نقول: إن الولايات المتحدة تستطيع أن تكون جزءا من الجغرافيا السياسية عبر النفوذ أو الأنظمة الحليفة أو الموالية لكنها لا تستطيع أن تكون جزءا من الجغرافيا الإستراتيجية لأنها تفتقد إلى الامتداد مع الأرض والاحتكاك مع البشر والتاريخ، وهذا ما يفسر جزءا من السؤال الذي يطرحونه "لماذا يكرهوننا"؟ (وهو نفسه السؤال الذي نطرحه نحن أيضا) والجواب كامن في عدم قدرة الطرفين على التمازج جغرافيا وبشريا وتاريخيا.
الأوروبيون يستطيعون ذلك، بخلاف الأميركيين، لأنهم يعرفون تاريخ المنطقة جيدا وكانوا جزءاً منه ودرسوه (عبر مستشرقيهم) وتواصلوا مع أرضها وبحرها، والجوار الجيوإستراتيجي قائم كما لا تستطيعه أميركا مهما توهمت أنها تفعل.
فالاحتكاك مع البشر والأرض أميركيا يحدث لأول مرة اليوم في العراق. وهو احتكاك مقطوع عن السياق، لا يوجد فيه مؤشر لما يمكن أن يتحول إلى تراكم جدي، ذلك أن الأميركيين اعتادوا على التجارب التي تبدو (كانبثاقات) تأتي فجأة وتنسحب فجأة الأمر الذي لا يراكم تجارب عن الشعوب، تماما كما فعلوا في فيتنام وكوسوفو والصومال وحتى إيران.
إذ أن الإستراتيجية السياسية والعسكرية قد بنيت لديهم على أساس أنهم جزيرة معزولة مكتفية بذاتها تستطيع أن تمد يدها انتقائيا واختياريا على المستوى العسكري ولا داعي لفهم الناس والأرض والتاريخ، إذ أن العقدة المركزية تجعلهم -كما يريدون تعميم نموذجهم السياسي على المنطقة بما فيها دستورهم (كما يقول المحافظون الجدد)- لا يلتفتون إلا إلى ضرورة أن يفهمهم الآخرون لا أن تكون العلاقة متبادلة للفهم.
القدوم الأميركي خرب كل المعادلات (الجيوإستراتيجية). فجأة أصبح على (الجيوسياسة) أن تحتوي الجيوإستراتيجية بما لا يمكن إلا أن يكون كمن يسير على رأسه أو كمن يريد أن يحمل الوليد أمه في أحشائه أو أن تكون علاقة التضمن مقلوبة، بحيث يكون الصغير يحتوي الكبير أو الجزء يحتوي الكل.
وعندما أتى الأميركيون إلى المنطقة أحدثوا اختلالا في المعادلة الجيوإستراتيجية، أرادوا أن يحلوا ثقلهم ككبار في المنطقة وإلغاء كل (الكبار) الإقليميين. فكانت النتيجة أنهم يمارسون جيوسياسة في صيغة جيوإستراتيجيا، ولهذا يحتاجون اليوم إلى سوريا.
الأهم في هذا أن مؤشرات عودة الاتصالات على هذا المستوى بين دمشق وواشنطن تعطي انطباعا بأن الأخيرة قررت رفع مستوى العلاقة والاتصال بين الطرفين بعد أن كان عبر أقنية غير مباشرة وعلى مستوى أدنى من مستوى وزارة الخارجية أو الرئاسية، وهو ما يفهم في لغة السياسة باعتبار أنه مادام هناك ثمة حوار فإن كل الأخطار الأخرى مستبعدة بما فيها الخيار العسكري ضد دمشق، وهذه الاتصالات تأتي أهميتها من كونها تأتي بعد تصريحات أبي زيد ومايرز التي تحدثا فيها عن أعمال سورية وإيرانية لا تساهم في الاستقرار، الأمر الذي يعني أن الإدارة الأميركية تريد أن تفتح صفحة جديدة مع دمشق عبر بوابة العراق.
عودة للرئيسية
 

هبت رياح الديموقراطية والحكمة في التعامل معها

د.عماد فوزي شعيبي / رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق / ishueibi@scs-net.org

الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب تنصيبه للولاية الثانية بإدراج مصر والسعودية في ندائه من أجل الديمقراطية والإصلاح، تم تلقيها بسرعة في القاهرة،وقام الرئيس المصري حسني مبارك بالدعوة إلى تعديل المادة الدستورية التي تتصل بالسماح لعدد من الأشخاص بالترشيح لرئاسة الجمهورية، وهو مااعتبر لياقة سياسية ما يكفي (للتكيف ) مع الرياح العارمة التي لم تعد لغة للمحافظين الجدد فحسب ،كلغة إيديولوجية، بل أصبحت بعد زيارة بوش لأوروبا نقطة تقاطع بين أوروبا وأمريكا.
صحيح أن كلا الطرفين يفهمها بطريقته، ولكن الخلاف هو على (الفويرقاتNUANCE)، التي لا تعني أن اندياح لغة الحريات وتداول السلطة لن يكون هو لغة العالم لتشكيل الهوية العالمية للدول، مثلما كانت (الدولة) هي الهوية التي تم التوافق عليها بعد الحرب العالمية الثانية كقاسم مشترك أعظم في المنظومة الدولية.
       كان الخلاف بُعيد الحرب العالمية الثانية على مساحة الدولة ودورها في "لعبة الأمم"، لكن الاتحاد السوفياتي الذي أغرق العالم (إيديولوجياً) بلغة (الجماهير)، لم تمنعه ديكتاتورية البروليتاريا الافتراضية، التي كان من المفترض نظرياً أنها ستنهي الدولة، من أن يصنع دولة أشد صرامة من الدولة (الرأسمالية) التي انقض عليها ذات يوم باسم (استقصاءMaximize) الديمقراطية طلباً لحكم الأكثرية القصوى وهي البروليتاريا؟!. فكانت الدولة الشمولية القامعة، وذهبت البروليتاريا ضحيتها!.
     إذاً، لم يكن الخلاف على الدولة كهوية إنما على فويرقات في الدولة!. صحيح أنها كانت رياحاً عاتية هبت على العالم كله سبعين عاماً إلا أن أحداً من الطرفين (الاشتراكي والرأسمالي) لم يختلف على قواعد اللعبة المرسومة بعد الحرب العالمية الثانية وهي الدولة والواقعية السياسية ومنع الانفجار بين الكبار...
     اليوم، الرياح نفسها تهب ولكن باسم الديمقراطية التي ُجبلت بالحريات ، وأصبح واضحاً أن الفويرقات بين أوروبا وأمريكا لا تمنع من الإعلان عن التوافق على نقل الديمقراطية كهوية سياسية لعالم ما بعد 11 سبتمبر إلى العالم وتحديداً إلى العالم العربي والإسلامي، لأنهما في توصيف المحافظين الجدد يعيشان الإرهاب لأنهما يعانيان من الطغيان!
         صحيح أن سذاجة الإيديولوجيا التي أطلقها المحافظون الجدد، وتقاطعت مع سذاجة (التبشيرية) التي يحملها جورج بوش تيار التمامية المسيحية، تصل إلى حدّ تصوير مشكلات العالم العربي والإسلامي محصورة فقط في طغاة حكامهم وفي تناسٍ (مقصود أو غير مقصود) لمشكلات أخرى لا تقل أهمية، بل وتفوق ذلك تناسٍ لترتيب الأولويات: كالإهانة القومية والانجراح الوطني ممثلاُ في احتلال في إسرائيل للأرض، وفي التفاوتت بين الفقراء والأغنياء،وفي عدم قُدرة الدول على الايفاء بخدمة الشعوب واحترام أدميتهم...، إلا أن هذه السذاجة تحرك البعد الغريزي لدى الناس تجاه الحريات العامة، وتحرك (في العمق) رغبة قطاع من النخب في أن يكون على قمة السلطة؛ إن لاعتبارات ذاتية(قيادية أو استعراضية) أو لاعتبارات أخلاقية  (لتحقيق ما يجب أن يكون) في نزعة رسولية تبشيرية بعالم أف
      هذه النزعة التي تحرك الشارع بغريزته أو بنخبه، تتقاطع مع أوروبا بنزوع آخر أكثر عمقاً وأصالة نحو الديمقراطية. صحيح أن أوروبا بحسها الديمقراطي إذا ما كان عليها المفاضلة بين الديمقراطية والاستقرار في جوارها العربي والإسلامي ستختار الاستقرار، وإذا ما كان عليها المفاضلة بين الديمقراطية وبين عدم استلام الأصوليين للحكم، فإنها لن تقول كما قال بوش بأنه مستعد للقبول بحكم أصولي ديمقراطي (وهو الآن يصرخ من النتائج المترتبة على الأكثرية الشيعية التي (نبقت) له فجأة في العراق؟!)، فإنها أيضاً ستختار عدم استلام الأصوليين للحكم كما فعلت إزاء ما حدث الجزائر مطلع التسعينيات.
      كل ذلك صحيح لكن أوروبا تفضل اليوم مداعبة(الثنايا) الديمقراطية على أمل التجريب ودفع الولايات المتحدة إلى المقدمة والواجهة لتتحمل هي بنفسها المسؤولية والنتائج ،فيما سيكون لأوروبا الفرصة من موقع (الحليف طلباً للديمقراطية) أن تخفف من غلواء الجموح الإيديولوجي وأن تجني الثمار إذا ما كان ثمة من ثمار
   ومهما كانت الملاحظات التي تتأتى عن عقل بارد وتاريخي والتي ترى بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون مستوى اقتصادي وبدون تحقيق الدولة- الأمة وبدون تعيين مفهوم المواطن...، أي بدون الدولة الحديثة لن تكون هنالك ديمقراطية حقيقة وأن النموذج الديمقراطي في بلداننا العربية سيكون تعبيراً عن الأكثريات المجتمعية( الطائفية، الدينية، العشائرية، الأثنية، المناطقية، الحاراتية..) أي كاريكاتير ديمقراطية، مهما كانت هذه الملاحظات فإن أحداً لن يتوقف عندها لأن الدولة التي نشأت في بلداننا العربية بعد الحرب العالمية الثانية تيمناً بالهوية العالمية (أي الدولة) كانت في أغلبها (كاريكاتيرات دولة).
   صحيح أن الشعوب والنخب ستفرح فعلياً (كما الفرح الطفلي) بالحريات: بالقول والتظاهر ... ولكن (المصالح) التي هي عماد الدول وبين الديمقراطية ستكون في مكان آخر. وإذا ما كانت الديكتاتوريات قد حكمت مستغنية عن شعوبها بإدارة الظهر لها، فإن الديمقراطيات لن تستغني عن شعوبها!،لأنها ستتحول (أي الشعوب) إلى مجرد... أصوات!!!!. فهذه هي مشكلة الديموقراطيات التمثيلية كما يقرها كلُّ الباحثين الجادين وعلى رأسهم آلان تورين
    في جوهر القضية ستختلف اللغة، لكن المصالح هي التي ستحدد آليات اللعبة.(وبدون أوهام) نحن ننصح انطلاقاً من عقل بارد سياسي، يتمنى الحريات في وجدانه، وبنفس الوقت يتمنى الاستقرار لدول المنطقة العربية، أن يسارع الحكام لاغتنام الفرصة والدخول في لعبة الديمقراطية ، أقله كي ترضى الشعوب والنخب بالحريات العامة، وأكثره كي تبقى الدول مستقرة.
   فالمسألة السياسة في النتيجة النهائية تكمن في ثنايا المصالح. ومن يقرأ المعادلة جيداً، يوفر على نفسه وعلى شعبه الكثير من الرياح العاتية. صحيح أن دولاً غير ديمقراطية يُغض الطرف عنها ليس فقط لأنها مواليه لأمريكا وحليفة للغرب ولكن لأنها (طرفية) في المعادلة الإقليمية – الدولية ، إلا أن هذا لا يعني أن الدور لن يأتيها ولكن بعد حين، أما الدول المركزية فسواء أكانت موالية أم غير موالية فإنها(مطلوبة) إلى الديمقراطية.
لسوء الحظ، المنطقة العربية، وفي أغلب بلدانها تبدو تجربتها السياسية رد فعل أكثر منها فعل
    نقول إنها