المركز العربي للدراسات المستقبلية  

السياسة العربية/  الدولية/مستقبليات

     

المواقف الروسية بين الأمل والخيبة

 

     نشرت هذه المقالة بتاريخ   /   / 1998 بمناسبة نية إدارة كلينتون توجيه ضربة قاسمة للعراق. وهي ما لبثت أن إستبدلتها بضربة محدودة أسمتها " ثعلب الصحراء". يومها ناورت روسيا بمعارضة الضربة لتحقيق مكاسب اقتصادية. وهو تكرار لموقفها في حرب كوسوفو وفي الأزمات الدولية الأخرى المطروحة.

 
 

       إن هشاشة الراهن السياسي العربي، تتبدى واضحة من خلال اللهفة والتهافت، اللذين يتفجران عند أي مبادرة تنبئ باستعداد جهة ما للتصدي ولمواجهة آحادية النظام العالمي الجديد.

المعطيات الموضوعية تشير إلى تأخر إعلان القطب البديل عن نفسه لعقدين على الأقل. فالفكر الاشتراكي يحتاج إلى جيلين على الأقل حتى يطمح إلى استرداد بعض مجده السياسي. في حين تتخبط روسيا بأزماتها الاقتصادية التي تجعلها أسيرة النظام العالمي الجديد على مدى سنين طويلة مقبلة. وفرنسا من جهتها أعلنت مطلع العام الجديد، على لسان أحد المسؤولين الكبار، بأنها دولة مهمة، لكنها ليست دولة عظمى. فهي بالكاد قد أوجدت لنفسها مكانة ضمن دول المجموعة الصناعية والنووية، عبر إصرار الرئيس شيراك على إجراء تجربة التفجير النووي التجريبي في بدايات تسلّمه للحكم. أما الاتحاد الأوروبي فهو يدرك العقبات التي تواجهه، بما يجعله يؤخر التعامل باليورو دولار لثلاث سنوات أخرى. وبالانتقال إلى الصين، فهي قد اضطرت لخفض معدل التنمية في اقتصادها، حتى تتمكن من المحافظة على هذا المعدل. مما يترجم بحاجة الصين إلى عقود عدة قبل وصولها إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي. وتبقى الهند وكوريا الشمالية وباكستان، وهي براكين متفجرة تسعى للحفاظ على وجودها بعيداً عن طموحات التأثير خارج حدودها.

البعض، ونحن منهم، لا يؤمنون بخرافة النظام العالمي الجديد، ويؤكدون وجود أقطاب بديلة خفية ومتعددة في مواجهة القطب الآحادي المعلن، المتمثل بالولايات المتحدة.

وهكذا فإن تهافتنا لا يجد أي مبرر موضوعي يخرجه من دائرة التائه في الصحراء، الذي يتبع أي سراب يلوح له حتى لو هو تأكد من كذبه! ومع ذلك فإن هذا التهافت لا يعدم مبرراته الذاتية (غير الموضوعية) ولعل أهمها:

1-      وضعية التماهي بالفقيد (الاتحاد السوفياتي) وهي تتسم بالإحباط وبالاكتئاب والشعور بحدوث خسارة غير قابلة للتعويض، وبالتالي بعدم جدوى أي محاولة لتعويض هذه الخسارة.

2-      مشاعر الذنب لدى الناجين من الكارثة: لقد نجت الدول العربية التي كانت تتعاون مع الاتحاد السوفياتي من الانهيار. لذا فإنه من الطبيعي أن تشعر هذه الدول بالذنب أمام الدول الاشتراكية المنهارة.

3-      الخوف من العدوى: لقد جرى تفكيك دول المنظومة الاشتراكية بصورة تجريبية في مختبرات وكالة الاستخبارات الأميركية، وهي بالتالي تجربة قابلة للتكرار. وهذا التكرار بات ملمحاً رئيسياً من ملامح السياسة الخارجية الأميركية، لكنه يتم على نار هادئة (أي بالتقسيط). فلا ضرورة للتسرّع بعد زوال الخطر الشيوعي.

4-      الشعور بالاستفراد: الطاغية (الأميركي) لا وزجه في أسر حصاره الاقتصادي والعسكري. لذلك فهو مضطر لمهادنة البعض، كي يتفرغ للتشدّد مع البعض الآخر. ومشكلتنا أننا نقع في ضفة العداء الراهن والمستقبلي في العقل الأميركي. فهذا العقل عندما يتخيل القضاء على العقل العربي، فإنه يطرح الإسلام عدواً مستقبلياً له. وهكذا فإننا نحن العرب، نشكل أمة لا يمكن للعقل الأميركي أن يهادنها. ولعل موقف الولايات المتحدة من أصدقائها العرب، وأساليب ابتزازها لهم خير دليل على ذلك.

وهذه النقاط تثير الأسئلة حول تموقع العرب في الراهن والمستقبل السياسيين العالميين. فإذا ما اعتمدنا مبدأ وجود أقطاب عالمية خفية راهناً، فما هي علاقة العرب مع هذه الأقطاب؟ وما هي علاقتهم مع الأقطاب المرشحة مستقبلاً لأن تكون مقابلة للقطب الأميركي؟.

1-      الأقطاب العالمية الخفية: يجري الحديث منذ إعلان النظام العالمي الجديد عن وجود أقطاب مواجهة له. لكنها تفضل البقاء في الخفاء لعدم اهتمامها المباشر بالسياسة العالمية. وفي مقدمة هذه الأقطاب يذكر المنظرون منها:

أ‌-        الفاتيكان: وطابعه غير الزمني يبعده عن السياسة بمعناها المباشر الزمني، لكن هذه الكنيسة توجه الحياة الروحية لملايين المؤمنين (وغالبيتهم يعيشون في دول متقدمة وفاعلة على الصعيد العالمي) وهي مسؤولة عن رعايتهم. وهذا الطابع المرجعي يجعل من الفاتيكان، ومن البطركيات المسيحية حول العالم قطباً مؤثراً وتأثيره البالغ إنما يأتي من طابعه غير الزمني.

ب‌-      تحالف القوى الاشتراكية الباقية: وتمثلها على صعيد الدول الصين (بشكل رئيسي) ثم بقايا أجهزة المخابرات الشيوعية، التي هربت إلى دول صديقة سابقة والتي تقدم الاستشارات والمساهمات، لما أصبح يسمى بالإرهاب، بعدما كان يسمى بحركات التحرر الوطني.

ج‌-      الجريمة المنظمة: ويكفينا هنا التذكير بأن حجم أموال تجارة المخدرات العالمية يفوق الموازنة الأميركية بل أنه يستنزفها، وهو يملك مراكز قوى داخل الولايات المتحدة، وداخل أكثر مؤسساتها حساسية.

إسرائيل من جهتها، ترتبط بعلاقات مباشرة مع هذه الأقطاب، فهي حصلت على تبرئة بابوية لليهود. ولها علاقات تبادل تكنولوجي مع الصين، وحضور قوي في بقايا الدول الاشتراكية. أما على صعيد الجريمة المنظمة فهي مشاركة فعلية لنشاطاتها. فهي تأوي يهود الجريمة المنظمة، وتمتنع من تسليمهم لأي جهة كانت. وضباطها المتقاعدون يعملون على تدريب فلول الجريمة المنظمة، وبيعها الأسلحة.

في المقابل نجد أن علاقة العرب بهذه الأقطاب علاقات واهية، بما يفقدهم إمكانية الاستعانة بتناقضات هذه الأقطاب مع النظام العالمي الجديد.

2-      الأقطاب العالمية المستقبلية: يجمع استراتيجيو العالم على مبدأ استحالة الآحادية القطبية. وتختلف آراؤهم في ترشيح الأقطاب المستقبلية البديلة للاتحاد السوفياتي. وفي طليعة هذه الترشيحات:

أ‌-        الاتحاد الأوروبي: الذي يشكل قوة اقتصادية هائلة، إذا تمكن الاتحاد من تجاوز تناقضاته، وجروح حروبه المتكررة وصراعاته وتداخلاته الجغرافية. ودول هذا الاتحاد تتشكل من مجموعة الدول الاستعمارية السابقة وتاريخها مع العرب معروف، وكذلك راهنها ومصالحها الحالية.

ب‌-      الصين: وقد أشرنا أعلاه إلى تعاونها التكنولوجي مع إسرائيل إضافة إلى علاقاتها المتداخلة مع الولايات المتحدة التي تبعدها عن العرب.

ج‌-               اليابان والنمور الأسيوية: وهي تنظر للعرب كمجرد مستهلكين وكمصدر مهم من مصادر النفط.

د‌-       الانبعاث الشيوعي: الذي تتوقعه نظرية الاستقراء التاريخي بعد جيلين (أي منتصف القرن المقبل). ويرى المحللون أن هذا الانبعاث سوف ينطوي على الكثير من آراء تروتسكي، التي يصعب علينا كعرب اعتمادها والتكيف معها.

ه‌-       أوستراليا: وكان الرئيس نيكسون أول من رشحها لخلافة الولايات المتحدة. وهنا قد يكون للعرب بعض الأمل في علاقات طبيعية مع هذا القطب. وذلك بسبب الكثافة النسبية للجالية العربية في هذا البلد.

و‌-       الإسلام: وهو طرح هنتنغتون في "صدام الحضارات" وهو الطرح الذي يجعلنا في قلب الراهن العالمي عند حدوثه. لكن هذا الطرح مهدد بآفة داخلية هي آفة التكفير الذي بدأت بشائره.

3-      المياه العالمية الراكدة: مما تقدم يتبيّن لنا أن الأقطاب الخفية الراهنة، ستحافظ على سرّيتها التي ستؤمن لها استمراريتها. وبالتالي فإن هذه الأقطاب لن تحرك المياه الراكدة، لأنها لا تتحرك على سطحها. ولكن ماذا عن الحركات البسيطة التي تظهر من حين لآخر كمثل الحركة الروسية المشار لها أعلاه؟

إن شروط السوق (التي تفرضها أميركا رفعت بالاقتصاد الروسي إلى حافة الانهيار وجعلته مهدداً بالمجاعة. لكن الولايات المتحدة لا تسمح بوصوله إلى هذه الدرجة لأن ذلك ينطوي على احتمال بيع أسلحته (الدمار الشامل) من دون مراقبة، وهو أمر يسبب الهلع للولايات المتحدة كونه يسرع تراجع إمكانات احتواء انتقال النفوذ العسكري. فإذا ما أخذنا بالاعتبار الديون الروسية للعراق (تبلغ ثلاثين ملياراً من الدولارات) فإننا نجد من الطبيعي أن تسعى روسيا لتحصيل هذه الديون. ونجد أيضاً أنه أسهل على الولايات المتحدة أن تسمح لروسيا بجباية هذه الديون من أن تقدم لها القروض. وعليه فإن الموقف الروسي لن يخرج عن كونه رغبة في تحصيل ديونها بنفط متدني الأسعار. ولعل من السذاجة الاعتماد على قوة دولة تقف على حافة المجاعة. الموقف الفرنسي، مثله مثل الموقف الروسي، لا يخرج عن كونه محاولة للتظاهر والاستعراض وسط مأزق أميركي متعدد الثغرات فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على الاستمرار بالحصار على العراق. فهذا الحصار لم يعطي النتائج المرجوّة منه، وهو قد دخل في مرحلة بدأ معها بإعطاء نتائج سلبية ومؤذية للمصالح الأميركية. كما أن الولايات المتحدة لا تملك إمكانية الحسم العسكري بسبب أعداد الضحايا التي يوقعها. كما أنها غير قادرة على الخوض في مغامرة تقسيم العراق، ليس فقط لأنه يستتبع تفكيك المنطقة، ويضر بمصالح أصدقائها، بل أيضاً، لأنه يعزز موقع إيران في المنطقة فالولايات المتحدة ترى أن تقسيم المنطقة يبدأ من عربستان وليس من العراق.

وهذا المأزق الأميركي هو الذي أتاح لبعض الحركات المحدودة في المياه الراكدة للسياسة العالمية، والتي يتوقع استمرارها في الركود خلال العقد الأول من القرن المقبل ويرجح أن يبدأ الحراك بتغييرات داخل البيت الأميركي.

العودة للصفحة الرئيسية