المركز العربي للدراسات المستقبلية
السياسة العربية/ استراتيجيا

اجتماعات اوبيك في أوساكا
 

 

اجتماعات أوبك في أوساكا بين الآمال والتحديات

 

في ظل أجواء التوتر والقلق التي تسيطر على العالم اليوم نتيجة لتزايد الاحتمالات بشن حرب أميركية ضد العراق، عقد في مدينة أوساكا اليابانية التي تعد من أكبر المدن الاقتصادية في  العالم، عدة اجتماعات هامة من 17-23 سبتمبر الماضي، جاء في مقدمتها الاجتماع الوزاري لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) والذي يعقد في اجتماع نادر خارج مقرها فيينا، فضلاً عن ذلك فقد استضافت المدينة عقب ذلك المنتدى العالمي الثامن للطاقة، والذي يعقد بمشاركة نحو 70 دولة من كبريات الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، فضلاً عن مشاركة نحو 13 منظمة ومؤسسة عالمية معنية بالطاقة، وقد كانت الدعاية الأساسية لتلك الاجتماعات تحت قيادة كل من اليابان وإيطاليا ودولة الإمارات العربية المتحدة.

ومما يزيد من أهمية تلك الاجتماعات، التهديدات التي تلوح بها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها بتوجيه ضربة للعراق، إحدى أكبر الدول المنتجة للبترول، والمالكة للاحتياطيات المثبتة "150 مليار" برميل، وما قد يترتب على توجيه مثل هذه الضربة في حالة حدوثها، من تأثيرات سلبية على السوق البترولية العالمية، من حيث الإمدادات والاحتياطات والأسعار والأهم من كل هذا ما سوف يحدث في ظل أوضاع اقتصادية عالمية متردية أصلاً.

وقد انتهت اجتماعات الدول المصدرة للنفط (أوبك) باتخاذ قرار جماعي بالإبقاء على قيود الإنتاج الحالية وعدم زيادتها إلاّ إذا حدث نقص فعلي في الإمدادات. فقد صرّح "علي النعيمي" وزير النفط السعودي بأنه يجب على أوبك عدم زيادة الإنتاج إلاّ في حالة وجود نقص فعلي في المعروض النفطي، وعدم الاستجابة للمخاوف الحالية حتى لو تسببت في ارتفاع الأسعار. فالمنظمة غير مستعدة لتقديم تنازلات للدول الصناعية الكبرى المستهلكة لمعظم إنتاجها النفطي، بسبب المخاوف من تأثير ارتفاع الأسعار على انتعاشها الاقتصادي. فالسوق العالمي للنفط من وجهة نظر منظمة أوبك مزوّدة بأكثر من حاجتها، فحسب تقرير نشرة دورية "ميدل إيست إكونوميك سيرفي" أن دول أوبك تجاوزت بالفعل سقف الإنتاج المحدد لها بنحو 2.07 مليون برميل يومياً في أغسطس الماضي، كما أشارت إلى أن إنتاج الدول الأعضاء باستثناء العراق الذي لا يخضع لنظام الحصص بسبب الحظر الدولي المفروض عليه، ارتفع في أغسطس الماضي بنحو 240 ألف برميك إلى 23.760 مليون برميل، وبإضافة العراق يبلغ إجمالي إنتاج أوبك 25.26 مليون برميل يومياً، في حين حددت أوبك سقف الإنتاج عند مستوى 21.7 مليون برميل يومياً فقط في منطقة الخليج التي تنتج ربع إمدادات العالم، وهو أدنى مستوى لسقف الإنتاج منذ شهر سبتمبر 1991، وذلك لمنع تدهور الأسعار، ونجد أن كل المؤشرات السابقة تؤكد أن المنتجين الأعضاء في أوبك يتجاوزون حصصهم الرسمية بنسبة قد تصل إلى 16.4% إذن فالدعوة إلى زيادة سقف إنتاج أوبك غير مبررة، طالما توجد وفرة زائدة من البترول فعلياً بالأسواق. ويرى المحللون أنه من المتوقع أن يؤدي الخط المتشدد الذي تنتهجه أوبك إلى رفع أسعار الخام الثقيل قرب قمة الأسعار المستهدفة. ويرى الخبراء أن هذا الوضع ليس في صالح أوبك على الإطلاق لأنه يشجع على رفع الإنتاج في الدول الأخرى المنتجة (خارج المنظمة) ويقيد في نفس الوقت الطلب على النفط في الدول الصناعية.

ولتهدئة مخاوف مستهلكي النفط من أن يؤدي استمرار قيود الإنتاج الحالية، واقتراب ذلك بارتفاع الطلب خلال فصل الشتاء إلى ارتفاع الأسعار في الربع الأخير من العام الحالي مع استمرار انخفاض المخزونات العالمية (فقد أظهرت البيانات الأسبوعية لمعهد البترول الأميركي انخفاض مخزون الخام بواقع 6.4 مليون برميل إلى 292 مليوناً في الأسبوع المنتهي في 12 سبتمبر الماضي، ويعني هذا عجزاً في الإمدادات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مقداره (12.5 مليون برميل يومياً) قبيل موسم الشتاء الذي يشتد فيه الطلب على الطاقة لأغراض التدفئة)، سعت السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم (7.7 مليون برميل يومياً) لتهدئة تلك المخاوف في كلمة ألقاها وزير النفط السعودي في منتدى الطاقة الدولي، قال فيها أن بلاده تعهدت بالعمل من أجل سوق نفطية مستقرة خالية من التقلبات السعودية المدمرة ولكنها متجاوبة مع الظروف المتغيّرة. وأضاف بأن الشرق الأوسط سيواصل في القرن الحادي والعشرين ضمان تزويد العالم بالطاقة بالتنسيق مع الدول المنتجة في مناطق أخرى، فظهور احتياطات جديدة ومهمة في آسيا الوسطى لا ينظر إليها كتهديد بالنسبة لمنظمة أوبك، وإنما كدلالة على أن اقتصاد العالم لا يزال يمكنه الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، فدول منتجة للنفط غير أعضاء في أوبك مثل روسيا ودول بحر قزوين مثل كازاخستان تكمل في الواقع ولا تحل محل المصادر العالمية الموجودة ولا تغير بصورة جوهرية المشهد العالمي للطاقة. وأشار الوزير إلى أن السعودية سوف تستمر في اتباع سياستها القائمة منذ وقت طويل على الاحتفاظ بفائض من الطاقة الإنتاجية تحت الطلب بالإضافة إلى تطوير احتياطيات جديدة، وتطبيق تقنيات أفضل لزيادة الكفاءة وحماية البيئة. وقد رد الوزير على الذين شككوا في دور السعودية كمصدر نفطي يعتمد عليه لتهدئة مخاوف المستهلكين بشأن تعطل الإمدادات حال نشوب حرب في الشرق الأوسط، بأنه لا يعتقد أن أي دولة منتجة خدمت عملاءها المخلصين وعوّضت أي نقص في السوق العالمية للنفط مثلما فعلت السعودية، فقد استثمرت السعودية بلايين الدولارات في منشآت لتعزيز القدرات الإنتاجية، وتشييد مسارات تصديرية متنوعة، فما زالت السعودية تحتفظ بنحو 30% من طاقتها الإنتاجية غير مستغلة، لتكون جاهزة حال تعطل الإمدادات. ومن جهته أكد أيضاً ريلوانو لقمان رئيس منظمة أوبك أن المنظمة سترفع إنتاجها إذا تخطى سعر سلة نفطها الخام الحد الأقصى لنطاقها السعودي وهو 28 دولاراً للبرميل. وقد وضع هذا التصريح في اختبار فعلي نتيجة تجاوز سعر برميل سلة أوبك المؤلفة من سبعة أنواع من النفط الخام للحد الأقصى إلى 28.28 دولار وخرج بذلك عن السعر الذي حددته المنظمة والذي يتراوح ما بين 22-28 دولاراً، فهل ستعمل المنظمة على زيادة إنتاجها كما تنص آلية تحديد الأسعار والتي تقرر زيادة الإنتاج بنحو 500 ألف برميل في اليوم، إذا بقي سعر البرميل فوق عتبة ال 28 دولاراً خلال عشرين يوماً متتالية، أم سيكون لها رد فعل آخر.

وبالنسبة لرد فعل كبريات الدول المستهلكة للنفط في العالم، نجد أنه في اليابان الدول المضيفة للاجتماعات، قد صرح كبار المسؤولين فيها عن صناعة النفط بأنه يجب على أوبك زيادة إنتاجها بمعدل مليون برميل يومياً، خصوصاً وأن الفاتورة التي تدفعها اليابان سنوياً لاستيراد البترول تصل إلى نحو 44.8 مليار دولار حسب إحصائيات عام 2000، صحيح أن اعتمادها على البترول كمصدر للطاقة قد تراجع، فقد بلغت نسبة استيراد البترول إلى إجمالي الواردات 15.4 عام 2000، بعد أن كانت تمثل 37.2% من إجمالي الواردات اليابانية عام 1981، تأتي الواردات اليابانية من البترول أساس من منطقة الشرق الأوسط وتصل قيمتها إلى نحو 39.7 مليار دولار، تبلغ حصة الإمارات العربية المتحدة منها 12.4 مليار دولار تليها حصة المملكة العربية السعودية بنحو 11.2 مليار دولار.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد أعرب وزير الطاقة الأميركي على ترحيب بلاده بالمبادرة التي صدرت عن عدد من منتجي النفط حول توفير ضمانات للسوق مفادها أنهم سيتخذون إجراءات لزيادة الإنتاج في حال توقف تدفق العرض النفطي، وأضاف بأن الدول المستهلكة أيضاً يمكنها المساهمة في استقرار السوق عبر توفيرها احتياطات استراتيجية من النفط الخام يمكن أن تستخدم في حالات الطوارئ. ومع ذلك فقد شدد وزير النفط الأميركي على أن أسعار النفط الخام المرتفعة حالياً قد تبدو مشجعة للمنتجين على المدى القصير، لكن آليات أسعار متقلبة من هذا النوع تشكل عامل زعزعة للاستقرار على المدى الطويل، وتسيء إلى كل الفاعلين في السوق، وأضاف أن أسعار النفط الخام يمكن أن تؤخر النمو الاقتصادي وتسبب الانكماش أو تعمل على تفاقمه. كما هاجم الوزير الأميركي الأسواق المنظمة، وأشاد بإقامة سوق حرة في مجال الطاقة، حيث أن مثل هذه السوق تؤمن الاستقرار على المدى الطويل، كما توفر عرضاً سخياً من النفط وأسعاراً تنافسية، بالإضافة إلى أنها تخدم مصالح المستهلكين والمنتجين على السواء.

ومع استمرار دق الولايات المتحدة لطبول الحرب ضد العراق تزداد مخاوف كبار المستهلكين للنفط من قيام الحرب بقطع إمدادات النفط عن منطقة الشرق الأوسط والتي تضم ثلثي احتياطات العالم من النفط، وقد تسببت المخاوف بشأن العراق من ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة تتراوح ما بين 3-5 دولارات للبرميل. ويتوقع الخبراء في سوق النفط أن سعر البرميل قد يبلغ 60 دولاراً في حال إذا ما أدى الهجوم على العراق إلى نزاع واسع النطاق في الشرق الأوسط، وعلى النقيض يرى البعض أنه إذا واجه تدخل أميركي في العراق قليلاً  من المقاومة فإن سعر النفط قد يتدنى بسرعة كبيرة بعد ارتفاعه في البداية كما حدث عام 1991، وفي هذه الحالة ستتوافر مادة النفط في السوق في السنوات العشر المقبلة دون أي ضغط على الأسعار. ومن جهة أخرى يرى خبير أميركي أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون لنزاع واسع النطاق في الشرق الأوسط الانعكاس نفسه الذي سببه الحصار النفطي في السبعينات على السوق الدولية، فاليوم لدينا سوق نفطية آجلة في نيويورك ودول أخرى أكثر شفافية، بالإضافة إلى آلية للرد وضعتها الوكالة الدولية للطاقة لتحد من انعكاس أي حصار نفطي. وفي هذا الشأن صرح وزير النفط السعودي السابق والشريك المؤسس لمنظمة أوبك "أحمد زكي اليماني" أن شن حرب أميركية ضد العراق قد يدفع الرئيس صدام لإطلاق صواريخ مزوّدة بأسلحة كيميائية على كل من السعودية والكويت، مما يعمل على وقف الإنتاج بكل منهما، الأمر الذي يرفع سعر البترول ليصل إلى مائة دولار.

في الختام نجد أن إنهاء حالة الترقب والقلق التي انتابت سوق النفط الدولية لن يتم إلاّ بتحقيق أحد أمرين :الأول أن تشن الولايات المتحدة الأميركية بالفعل حرباً ضد العراق سواء كانت قصيرة أو طويلة الأمد، المهم أن تنهي حالة القلق القائمة الآن، ولتضع المجتمع الدولي أمام واقع مادي عليه أن يتعامل معه مهما كانت الخسائر والتكاليف. والأمر الآخر هو أن تتراجع الولايات المتحدة الأميركية فعلاً عن فكرة الحرب وتلجأ لطاولة المفاوضات (وهذا أمر يبدو مستبعدا")، فتهدأ الساحة الدولية لذلك وترجع بالتالي أسعار خام النفط إلى وضعها الطبيعي.