|
|
|
|
تشرشل في سطور 1874 ولادة
ونستون تشرشل في 30 تشرين الثاني . من غرائب
القرن العشرين التي تكاد أن لا تحصى، انه في الوقت الذي كان رئيس الوزراء
البريطاني ونستون تشرشل يوقع على أمر بالبدء بإنتاج القنبلة الهيدروجينية، كان
ونستون تشرشل الكاتب يفوز بجائزة نوبل للآداب. "معاصرون
عظماء" (1937). |
مبدأ آيزنهاور Dwight D. Eisenhower
تعد سياسة ترومان تجربة هامة في الفكر السياسي الاميركي. ورغم انها لم تسجل نجاحاً كاملاً، الا ان الاوساط الاميركية نظرت اليها على انها خط متميز في السياسة الخارجية، لا بد من تعميق ايجابياته ونقل نجاحاته الى ساحات اخرى. وتصحيح اخطائه بان يُعدل في صورة جديدة تنسجم مع الواقع الذي تتعامل معه الولايات المتحدة، مع الاحتفاظ بأسسه باعتباره ثابت لم يحن وقت تغييره.
هذا التقييم لسياسة ترومان وضعه خلفه آيزنهاور نصب عينيه منذ بداية تسلمه الرئاسة عام 1952. وعلى اسسه رسم برنامج السياسي الذي تحدد بالخطوط العريضة التالية:
1ـ ما وقف عنده ترومان لا بد من اكماله، سواء فيما يتعلق بالاساليب التي تخدم واشنطن مباشرة، او ما يختص بعلاقاتها الخارجية.
2ـ من الضروري توسيع مجالات نجاح ترومان في اوروبا الغربية، ونقل تجربته الى المناطق التي تدخل ضمن دائرة الاهتمام الاميركي.
3ـ لا ينبغي ترك اخطاء ترومان دون علاج. فالاساس ثابت في السياسة الاميركية، انما طريقة التطبيق هي موضع نقاش.
لقد جسد آيزنهاور هذه الخطوط عملياً من خلال تعميقه لسياسة الاحلاف العسكرية، باعتبارها سياسة هامة وفاعلة في خدمة الاهداف الاميركية. حيث سعى آيزنهاور الى تشكيل حلف جنوب شرق آسيا، وحلف بغداد. وجسدها ثانية من خلال محاولة نقل تجربة ترومان الى منطقة الشرق الاوسط. والى جانب هاتين المحاولتين طرح استراتيجية الرد الشامل في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
حلف جنوب شرق آسيا
تشكل هذا الحلف في 8 ايلول 1954 في مانيلا عاصمة الفلبين، وضم في عضويته كلاً من: باكستان، الفلبين، سيام، استراليا، نيوزيلندا، فرنسا، بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية(1).
والملاحظ على الحلف انه ضم دولاً لا تدخل ضمن منطقة الحلف الجغرافية مثل فرنسا وبريطانيا ونيوزيلندا. لكن الدافع السياسي كان يمثل العامل المتقدم على الجغرافيا الطبيعية.
ففرنسا كان لها وجود مباشر في فيتنام. وقد بدأ وجودها في هذه المنطقة يتعرض للخطر بعد بروز الصين كقوة مؤثرة في شرق آسيا، حيث تدخلت في الهند الصينية بشكل اثر على اوضاعها السياسية، مما جعل فرنسا تواجه ازمة حقيقية في المحافظة على نفوذها في فيتنام.
وبريطانيا هي الاخرى لها مصالحها السياسية والاقتصادية في جنوب شرق آسيا، وقد بدأت تتخوف على نفوذها في هونغ كونغ من الخطر الشيوعي القادم من الصين(2).
اما الولايات المتحدة المتحدة فانها كانت تهدف من وراء هذا الحلف الى تحقيق اساليب استراتيجيتها في مواجهة النفوذ الشيوعي، ومنع اتساع رقعته. وقد نادرت بضرورة تشكيل الاحلاف كل من استراتيجية الحصر والاحتواء التي سبق الحديث عنها، واستراتيجية الرد الشامل التي تبناها آيزنهاور وسيأتي الحديث عنها ان شاء الله.
وعلى هذا فان الواقع المشترك لانضمام هذه الدول هو خوفها من خطر التوسع الشيوعي، المتمثل هذه المرة بالصين. فلقد كانت الصين تمتلك قوة عسكرية ضخمة، في حين كانت القوة العسكرية لتلك الدول في شرق آسيا محدودة مقارنة بالقوة الصينية. ونتيجة لهذا الفارق في القوة العسكرية تخوفت تلك الدول ولا سيما الولايات المتحدة من سقوط جنوب شرق آسيا بيد الشيوعية.
ان القوة العسكرية الصينية شكلت التهديد المستمر للحلف. لذلك عمدت الولايات المتحدة على تعزيز قوة الحلف العسكرية عن طريق تقديم مساعداتها لاعضائه، بالاضافة الى احتفاظها بقوات عسكرية كبيرة في المنطقة، ابرزها الاسطول الاميركي السابع(3).
لم يكن تعامل الحلف ككيان سياسي مع اعضائه تعاملاً سليماً. فعندما دخلت باكستان الحرب مع الهند عام 1971 لم تقدم الدول الاعضاء اية مساعدة ملحوظة لها، خلافاً لتعهداتها المتفق عليها في معاهدة الحلف. مما حمل باكستان على الانسحاب من الحلف عام 1972 بعد ان رأت انه لم يلتزم بتعهداته ازاءها. في حين ان الصين التي اعتبرها الحلف عدوته الاولى وقفت منها موقفاً ايجابياً(4).
لقد فسر بعض الباحثين ان السبب وراء هذا الموقف الذي اتخذه الحلف من باكستان، هو ان الولايات المتحدة لم ترغب في توجيه قوة الحلف العسكرية لغير المعسكر الشيوعي.
___________________________
1 ـ موسوعة السياسة، الجزء الثاني، ص 574.
2 ـ محمد عزيز شكري، الاحلاف والتكتلات في السياسة العالمية، ص 60.
3 ـ موسوعة السياسة، الجزء الثاني، ص 575.
4 ـ د. محمد عزيز شكري، المصدر السابق، ص 58.
لكننا نرى ان هذا التفسير لا يعكس الحقيقة. فخلال الحرب الهندية ـ الباكستانية، كانت الولايات المتحدة قد تراجعت عن استراتيجية مواجهة التوسع الشيوعي، حيث اصبح موقفها من الكتلة الشيوعية موقفاً جديداً يختلف عن الموقف السابق في عقدي الخمسينات والستينات. وعلى هذا فانها لم تكن بحاجة الى ادخار القوى العسكرية للحلف، واتخاذ موقف مخالف لمعاهدته.
ان السبب الحقيقي يكمن في ان الولايات المتحدة ابان الحرب الهندية ـ الباكستانية كان تضطلع بمشروع سياسي آخر، يدخل ضمن نطاق الموازنات الاقليمية التي اعتمدتها واشنطن. فلم ترغب الادارة الاميركية في دعم دولة اسلامية مثل باكستان على حساب دولة اخرى، لئلا يتسبب ذلك في ارباك الموازنات الاقليمية الحساسة.
المهم ان حلف جنوب شرق آسيا لم يكن فاعلاً في تحقيق اغراض السياسة الاميركية. فلم يستطع ان يحافظ على الخارطة السياسية للمنطقة. حيث ان اجزاء عديدة منها دخلت الدائرة الشيوعية، دون ان يملك الحلف القدرة على منع حدوث هذه التحولات الكبيرة.
حلف بغداد
تأسس في شباط عام 1955 على هيئة اتفاق عسكري بين العراق وتركيا، ثم انضمت اليه كل من بريطانيا وباكستان وايران في نفس العام، بالاضافة الى الولايات المتحدة التي لم تكن عضويتها كاملة في سنواته الاولى. كان الدافع الاكبر وراء انشاء هذا الحلف، هو الموقع الاستراتيجي المتميز لمنطقة الحلف. اذ ان موقعه يمتلك العناصر الهامة التالية:
* تمثل دول الحلف منطقة نفوذ هامة للقوى الاستكبارية، حيث تتركز فيها مصالحها الاقتصادية بصورة كبيرة، بفضل المخزون الهائل للبترول في اراضي بعض الدول الاعضاء وكذلك في الاراضي المجاورة.
* تتاخم منطقة الحلف الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي، وعليه فهي تمثل البوابة التي يمكن من خلالها التوغل الى منطقة الشرق الاوسط. وهذا ما يحتم على الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية ان تسعى لغلقها بوجه التوسع السوفيتي. وبذلك سوف تستكمل الولايات المتحدة حلقات حصارها الاستراتيجي للمعسكر الشيوعي، بعد ان حاصرته من قبل بحلف شمال الاطلسي غرباً، وحلف جنوب شرق آسيا شرقاً.
* كانت منطقة الشرق الاوسط تشهد اوضاعاً سياسية قلقة. وهذا ما جعل الدوائر الغربية تفكر باسلوب عسكري يحقق السيطرة السياسية عليها.
اخذ حلف بغداد الكثير من اهتمام الرئيس الاميركي آيزنهاور، اذ انه كان يخطط لان يضم الحلف دولاً جديدة. وقد كانت له ثلاث محاولات في هذا الاتجاه فشلت كلها في زيادة حجم العضوية للحلف.
الاولى كانت مع الاردن، حيث ابدى الملك حسين رغبته في الانضمام للحلف، الا ان الاوضاع الداخلية في الاردن حالت دون ذلك. فقد شهدت الاردن معارضة قوية ضد حلف بغداد، للدرجة التي هددت نظام الحكم، فتراجع الملك حسين عن قراره. وانتهت بذلك المحاولة الاولى.
الثانية كانت مع مصر، لكن الحكومة المصرية كانت ترفض فكرة الانضمام الى الاحلاف العسكرية. وقد رافق الرفض المصري تطورات سياسية مثل تأميم قناة السويس. وتزايد التوتر المصري ـ الغربي حتى وصل الى العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وبذلك اصبح مستحيلاً انضمامها الى الحلف.
والثالثة كانت مع سوريا التي حملت نظرة عن الاحلاف مشابهة للموقف المصري. وقد تعرضت سوريا الى تهديد عسكري من تركيا عام 1957، مما شنج علاقاتها في النهاية مع الولايات المتحدة.
وثمة مسألة هامة كانت تقف وراء انضمام الدول العربية الى حلف بغداد، الا وهي التعقيدات الخاصة داخل الدائرة العربية. فمصر وسوريا كانتا على خلاف كبير مع العراق، يصل الى درجة العداء الصريح. كما ان هناك دول اخرى تسيطر عليها مشاعر الحذر من كل خطوة يقدم عليها العراق آنذاك، خصوصاً اذا كانت بمبادرة او دعم نوري السعيد.
ان آيزنهاور لم يأخذ بنظر الاعتبار تصور الدول العربية لواقع منطقتها، وتفاعلاتها السياسية الاقليمية، وتقييمها لمصادر الخطر. حيث كانت الحكومات العربية لا ترى في الاتحاد السوفيتي خطراً يتهددها، لانها كانت تحصر مظاهر الخطر في التدخل العسكري، وهو ما كان يمثل حالة نظرية في رؤيتها للموقف السوفيتي.
ان دول المنطقة كانت ترى فى اسرائيل الخطر الرابض على الحدود وسط البلاد العربية، وهو ما يستدعي الحذر منه والتهيء لمفاجآته. وليس السوفيت الذين يبادلونهم تعاطفاً رسمياً، واتخذوا مواقف سياسية مؤثرة لصالح سوريا ومصر.
التحرك نحو المنطقة الاسلامية
ً ان النجاح الذي حققه مبدأ ترومان في اوروبا، حاولت ادارة آيزنهاور ان توسع دائرة تطبيقه لتشمل منطقة الشرق الاوسط. غير ان الاوضاع السياسية التي شهدتها هذه المنطقة ونتيجة التعامل الخاطئ للسياسة الاميركية معها، حالت دون نجاح تطبيقه. فادارة آيزنهاور لم تعر اهتماماً لاختلاف الظروف السياسية بين هذه المنطقة وبين اوروبا الغربية.
لقد حاولت ادارة آيزنهاور ان تربط الانظمة العربية باحلاف عسكرية معها، مبررة دعواها هذه بالخطر السوفيتي، الا ان هذه الخطوات لم تلق ترحيباً من الدول العربية التي لم تكن مقتنعة بان هناك خطراً قادماً من الاتحاد السوفيتي. هذا الموقف البارد من الانظمة العربية دفع الاتحاد السوفيتي الى التقرب منها، لا سيما من مصر وسوريا.
فمصر بعد رفضها الدخول في الاحلاف العسكرية، تأزمت علاقاتها بواشنطن التي رفضت تقديم مساعداتها لمصر. فقد رفضت تقديم مساعدات اقتصادية وفنية لمشروع السد العالي، كما رفضت تزويدها بالاسلحة، عقوبة على موقفها من الاقتراح الاميركي. وعلى اثر هذا الموقف السلبي من قبل اميركا، سارع الاتحاد السوفيتي الى تقديم مساعداته الاقتصادية والعسكرية لمصر.
اما سوريا فان الاتحاد السوفيتي زودها عن طريق تشيكسلوفاكيا ـ كما فعل مع مصر ـ بشحنات عسكرية مختلفة بالاضافة الى المساعدات الاقتصادية، كما ان الاتحاد السوفيتي دعم سوريا سياسياً، فعندما حشدت تركيا قواتها على الحدود الشمالية لسوريا عام 1955، وقف الاتحاد السوفيتي موقفاً مدافعاً عن سوريا، حيث هدد خروشوف الحكومة التركية واعلن عن استعداده لدعم سوريا(1).
ان هذه التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط والتي تميزت بتقرب السوفيت منها، مقابل انحسار النفوذين البريطاني والفرنسي، وفشل حلف بغداد في تحقيقه اغراضه. هذه التطورات اثارت مخاوف آيزنهاور الذي بدأ ينظر الى الفراغ الناجم عن تراجع النفوذين الاستكباريين السابقين بقلق كبير، معتقداً ان الاتحاد السوفيتي سيسارع الى ملئه. فأطلق مبدأه في كانون الثاني 1957.
يفيد مبدأ آيزنهاور، بان على الولايات المتحدة ان تتحمل مسؤولية ملء الفراغ في الشرق الاوسط، وذلك عن طريق تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية الضخمة لدوله. كما تضمن هذا المبدأ، امكانية الولايات المتحدة على التدخل العسكري في الشرق الاوسط ـ دون رجوع رئيس الجمهورية في قرار التدخل الى الكونغرس ـ في الحالات الضرورية(2).
وقد حدد مبدأ آيزنهاور الحالات التي تستوجب تدخلاً عسكرياً من قبل الولايات المتحدة بحالتين:
1ـ في حالة تعرض احدى الدول في الشرق الاوسط لخطر او تهديد شيوعي.
2ـ في حالة تعرض احدى الدول الهامة بالنسبة للمصالح الاميركية الى ازمات داخلية تهدد كيانها السياسي.
والحالة الثانية ادخلت على مبدأ آيزنهاور بعد ان تعرض لانتقادات شديدة، وبعد ان وجدت الادارة الاميركية صعوبة تنفيذ الخطوة الاولى على ضوء الاوضاع السياسية للمنطقة.
طبق مبدأ آيزنهاور اساليبه في عمليتين:
الاولى: في الاردن، عندما اصبح موقف الملك حسين قلقاً في السلطة نتيجة المعارضة الشديدة
___________________________
1 ـ جورج كيرك، السياسة العربية المعاصرة، ص 105.
2 ـ مجلة السياسة الدولية، العدد الثاني، ص 87.
التي اججها رئيس حكومته سليمان النابلسي، حيث شهدت الاردن مظاهرات واضطرابات تندد بموقف الملك حسين. واعتبرت ادارة آيزنهاور ان ما تشهده الاردن يتطلب تطبيقاً لمبدئه، فارسل الاسطول السادس الاميركي ليرابط في شرق المتوسط وذلك في نيسان 1957. كما انه قدم مساعداته للاردن، والتي بلغت خلال عامين (70) مليون دولار.
والثانية: في لبنان نتيجة الحرب الاهلية والاضطرابات التي شهدتها لبنان، اثر السياسة التي اتبعها كميل شمعون. فقد ايد شمعون مبدأ آيزنهاور، اذ سمح للاسطول الاميركي بالبقاء في السواحل اللبنانية ريثما يثبت الملك حسين وضعه في السلطة. كما ان شمعون كان يقف موقفاً معادياً من سوريا ومصر. هذه السياسة لقيت معارضة شديدة من قبل العديد من القوى السياسية اللبنانية. حتى اذا ما اقتربت فترة رئاسته من نهايتها حاول شمعون ان يجري تعديلاً في الدستور يتمكن من خلاله ابقاء نفسه في السلطة.
نتيجة هذه الاساليب ثارت المعارضة ضد الحكومة اللبنانية، حيث اندلعت حرب اهلية كادت ان تسقط شمعون، وقد رافق هذه الاضطرابات سقوط حكومة نوري السعيد والنظام الملكي في بغداد في تموز 1958، وهنا اصبح موقف شمعون حرجاً، فطلب من ادارة آيزنهاور التدخل وبسرعة لانقاذ سلطته من التيارات السياسية المعادية له ولاميركا. واستجابت ادارة آيزنهاور لطلب شمعون، فتم انزال القوات الاميركية في بيروت(1).
الملاحظ على هاتين العمليتين (الاردن ولبنان) انهما لا يدخلان ضمن الاسباب التي تستوجب تدخلاً عسكرياً اميركياً، كما جاء في مبدأ آيزنهاور. فالاردن لم تتعرض لتهديد شيوعي مطلقاً، او حتى لتهديد من قبل دولة موالية للشيوعية، وانما كانت هناك معارضة داخلية لسياسة النظام الملكي الموالية للغرب. ويبدو ان الملك حسين كان واعياً الى هذه الناحية، اي عدم وجود مبرر لان تطبق الادارة الاميركية مبدأ آيزنهاور، فعمد الى وصف المعارضة بانها شيوعية، وان الحركة الشيوعية تحاول السيطرة على الاردن. ليعطي بذلك مبرراً للحكومة الاميركية لان تتدخل عسكرياً في الاردن، خصوصاً وانه كان يؤيد مبدأ آيزنهاور، ويريد له النجاح.
اما لبنان فهي الاخرى كانت خارجة عن تطبيقات هذا المبدأ، فلم تكن متعرضة لاي تهديد شيوعي. واذا كان بامكان الادارة الاميركية ان تبرر تدخلها في الاردن على اساس انه جاء لمواجهة الشيوعية، فانها لا تمتلك مثل هذا المبرر في لبنان. لذلك بررت تدخلها بطريقة اخرى. فقد اعلن جون فوستر دلاس وزير خارجية آيزنهاور، ان استقلال لبنان يوجب على الحكومة الاميركية ان تتدخل عسكرياً فيه، لانه يعتبر حيوياً لامن الولايات المتحدة.
وهكذا فان الحالة الثانية ادخلت على مبررات مبدأ آيزنهاور في التدخل العسكري نتيجة احراج واجهه هذا التدخل في لبنان، ولم تمتلك ادارة آيزنهاور غير التبرير السابق الذي اطلقه وزير الخارجية الاميركي.
___________________________
1 ـ ريتشارد بارنت، حروب التدخل الاميركية، ص 130.
وخلاصة القول ان مبدأ آيزنهاور، رغم عمليتي التدخل في الاردن ولبنان، الا انه في الحقيقة يعتبر فاشلاً، لانه لا يمتلك الواقع المناسب لتطبيقه في الشرق الاوسط، اذ لم يحظ بتأييد العديد من الدول العربية، وهو لا يعدو ان يكون محاولة من محاولات السياسة الاميركية في التدخل العسكري من اجل السيطرة على المناطق الحيوية في العالم.
لقد حاول آيزنهاور ان يحقق اهدافاً ثانوية من وراء طرحه لمبدئه. فهو كان يسعى لتكوين صورة هائلة للولايات المتحدة في اذهان حكام الشرق الاوسط واراد ان يبرهن لحلفائه ان اميركا تدعمهم في الظروف الحرجة، كما حاول ان يرد على الانتقادات الكثيرة التي وجهت لمبدئه والتي كان مفادها عدم صلاحيته وجدواه، وذلك عن طريق تطبيقه بأي ثمن.
مواجهة المعسكر الشيوعي
تمثل الجانب الآخر من سياسة آيزنهاور في تحركه نحو مواجهة المعسكر الشيوعي وتضييع اية فرصة له في التوسع وبسط نفوذه على مناطق جديدة من العالم. ويختلف تحرك آيزنهاور هذا عن محاولاته السابقة في الاحلاف العسكرية، وفي سياسيته الشرق اوسطية، بأنه موجه بشكل مباشر نحو الكتلة الشيوعية. اي انه يسير مكملاً لخط الاستراتيجيات الاميركية في مواجهة السوفيت، فبعد التجربة الفاشلة لاستراتيجية الحصر اقتنع آيزنهاور بضرورة تبني استراتيجية جديدة يمكن من ورائها الوصول الى ما عجزت الاستراتيجية السابقة عن الوصول اليه. فأطلق مع وزير خارجيته دلاس استراتجية الرد الشامل التي تعني ان الولايات المتحدة ستواجه اي تهديد لمصالحها بحرب نووية شاملة(1).
وقد اعتبرت الحكومة الاميركية اوروبا الغربية ومناطق حلفي بغداد وجنوب شرق آسيا بمثابة خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها من قبل النفوذ الشيوعي (السوفيتي والصيني). واذا ما تعرضت هذه المناطق لاي اعتداء شيوعي فان الولايات المتحدة سترد عليه بحرب نووية شاملة.
غير ان مصير هذه الاستراتيجية لم يكن افضل من سابقتها، فلقد فشلت هي الاخرى في الوقوف امام التوسع الشيوعي. واذا كانت الحرب الكورية تمثل التجربة العملية لفشل استراتيجية الحصر، فان حرب الهند الصينية تمثل تجربة فشل استراتيجية الرد الشامل. ففي هذه الحرب سقطت فيتنام الشمالية بيد الشيوعيين دون ان تنفذ الولايات المتحدة اساليب هذه الاستراتيجية.
ان استراتيجية الرد الشامل اشتملت على نقاط ضعف متعددة ابرزها:
* انها قامت على اساس اقتناع الشيوعيين الكامل بأن الولايات المتحدة جادة في شن حرب نووية فيما لو هاجموا خطوط واشنطن الحمراء. لكن الحقيقة كانت على العكس من اسس هذه
___________________________
1 ـ امين هويدي، في السياسة والامن، ص 202.
الاستراتيجية. فالولايات المتحدة لم تستخدم سلاحها النووي في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفيتي ضعيفاً في هذا المجال، فكيف تستخدمه وقد اصبح يمتلك سلاحاً نووياً فاعلاً. وما يمتلكه السوفيت ينسحب على الكتلة الشيوعية كلها آن ذاك.
* ان الشيوعيين كانوا مقتنعين ان الولايات المتحدة لا تنفذ استراتيجيتها هذه الا اذا تعرضت هي او احدى حليفاتها الغربيات الى هجوم خطر. وليس من المعقول ان تدخل في حرب نووية شاملة من اجل منطقة ذات اهمية ثانوية، وهذا ما حدث بالفعل. فلم تقتنع الصين ان اميركا ستستخدم سلاحها النووي. فتدخلت في الهند الصينية لتغير وضع الحرب فيها، وتجعل في النهاية شمال فيتنام ضمن الدائرة الشيوعية.
* لم تمتنع هذه الاستراتيجية بأية مرونة، بل انها قيدت والى حد كبير السياسة الاميركية، وحرمتها من حرية التحرك والاختيار. حيث اصبح امام الادارة الاميركية خيار واحد، الا وهو اتخاذ موقف صامت تجاه الهجوم الشيوعي على مناطقها الحمراء في حالة عدم قناعة الطرف الآخر بجدوى التهديدات الاميركية. اما الخيار الآخر الذي يعني الدخول في حرب شاملة فهو خيار نظري بعيد عن الواقعية ولا يمكن تطبيقه في ظل معادلات التوازن التي تحكم علاقة العملاقين النوويين(1).
* اعطت استراتيجية الرد الشامل اهمية للاحلاف العسكرية، وبذا اصبح دورها في السياسة الدولية اكثر اهمية من قبل، لانها اصبحت الحد الذي يتوقف عليه نشوب حرب نووية فيما لو مسه الشيوعيون. غير ان هذه الاهمية السياسية التي اوجدتها استراتيجية الرد الشامل قابلها تراجع في كفاءة ومقدرة الحلف من الناحية العسكرية، وهو ما حدث لحلفي بغداد وجنوب شرق آسيا، حيث اعتبرتهما الحكومة الاميركية مناطق محرمة، لكنها لم توكل اليهما مهمة مقاومة النفوذ الشيوعي، اي انها لم تجعل منهما مراكز هجومية، كما انها لم تصيرهما مناطق دفاعية محصنة بالمعنى الدقيق، وهذا ما شكل عامل ضعف في التركيبة الداخلية لكل من هذين الحلفين، انعكست آثاره على استراتيجية الرد الشامل، بعد ان تحفز الشيوعيون لاختراق خطوطهما.
لقد ترتب على استراتيجية الرد الشامل خطوات مؤثرة في السياسة الخارجية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبصورة عامة بين الاستكبارين الغربي والشرقي. حيث انصب اهتمام كل منهما على زيادة مقدرة وفاعلية سلاحه النووي والبحث عن احلاف جديدة.
وبعد ان بدا واضحاً ان الخطر الشيوعي لا يمكن حصر توسعه وايقاف هجومه عن طريق الاستراتيجيتين السابقتين، ثار جدال في الاوساط السياسية الاميركية حول الاسلوب الذي يجب ان تتبناه الحكومة الاميركية للوقوف بوجه المعسكر الشيوعي. فظهرت نظريتان لاقتاً رواجاً كبيراً في الدوائر الاميركية، الا انهما لم يدخلا حيز التطبيق الا في نطاق ضيق. هاتان النظريتان هما:
___________________________
1 ـ د. اسماعيل صبري مقلد، قضايا دولية معاصرة، ص 22.
1ـ الحرب المحدودة
تعني هذه النظرية، ان الموقف الذي يجب ان تتخذه الحكومة الاميركية في الرد على الهجوم الشيوعي، يتمثل بشن حرب محدودة تعتمد على الاسلحة النووية ذات التأثير المحدود.
ومن الواضح ان مبتدعي هذه النظرية قد تأثروا باستراتيجية الرد الشامل وحاولوا علاج المخاطر التي تترتب عليها والتي تحول دون تنفيذ اساليبها على الواقع العملي، وذلك عن طريق تقليص آثارها المدمرة، بان يستعاض عن الاسلحة النووية الشاملة بأخرى اقل تدميراً.
وحول نظرية الحرب المحدودة ثار نقاش طويل بين انصارها ومعارضيها، ولكل طرف مبرراته الخاصة.
فأنصارها يعتبرون ان هذه النظرية تمتلك مقوماً مهماً، ذلك هو ان الردع الذي تستخدمه اكثر فاعلية من الاستراتيجية السابقة، حيث ان التهديد بشن حرب محدودة اكثر جدوى من التهديد بشن حرب شاملة، لان الحالة الاولى يمكن تطبيقها، اما الثانية فانها مستبعدة.
اما معارضو هذه النظرية فانهم يرون ان تقليص الحرب ليس مضموناً ان يستمر على شكله المحدود، اذ ان الدخول في حرب يستخدم فيها السلاح النووي وان كان صغيراً، يصطدم مع امكانية الابقاء على طابعها المحدود، طالما ان السيطرة على مثل هذه الحروب امر عسير، لان الطرف الآخر يمتلك اسلحة مشابهة، وهذا ما يجعل احتمال التصعيد الى حرب شاملة امراً محتمل الوقوع.
ويدافع انصار نظرية الحرب المحدودة عن هذه النقطة بقولهم، ان بدء الحرب بأسلحة نووية صغيرة دليل على عدم رغبة الطرف المهاجم في خوض حرب شاملة فلو كان راغباً في خوض مثل هذه الحرب لما استخدم اسلحة محدودة، واعطى نتيجة هذا الاستخدام انذاراً الى خصمه بالاستعداد ومواجهة هجومه المحدود بآخر شامل.
ونتيجة لهذا النقاش تخوفت الحكومة الاميركية من اعتماد نظرية الحرب المحدودة حيث اعتبرتها انها تحاول ان تواجه التوسع السوفيتي بنفس طريقة الاستراتيجية الشاملة، ولكن باسلوب اقل حجماً، وليس هناك ما يضمن البقاء على الطابع المحدود لها، طالما ان هذا الطابع يعتمد على قناعة الطرف الآخر بان المهاجم لا يمتلك الرغبة في تصعيد القتال.
لذلك رفضت هذه النظرية من الدوائر الاميركية ولم تتبناها الادارة الاميركية كما ان الصدى الواسع الذي لاقته في بداية اطلاقها قد خفت درجته بعد ان تبينت حراجة القاعدة التي تستند عليها.
2ـ الرد المرن والردع المتدرج
تعني هذه الاستراتيجية ان الولايات المتحدة تواجه اية محاولة توسع شيوعية باساليب رادعة اولاً، وتكون آلة الردع فيها الاسلحة التي لا تؤدي الى حرب شاملة، وانما تكون الحد الوسط بين الدمار الشامل والاستسلام المطلق لاعتداءات الخصم(1). واذا ما عجز الردع عن ايقاف تجاوزات التوسع الشيوعي فان الولايات المتحدة ستنفذ تهديداتها السابقة وترد على هذا التوسع بشكل متدرج، حيث تستخدم القوة العسكرية بصورة متصاعدة الدرجات حتى يقف الشيوعيون عن الاستمرار في توسعهم.
لقد افترضت هذه الاستراتيجية في البداية ان تكون الاسلحة الرادعة هي الاسلحة النووية الصغيرة، الا ان الاخطار المترتبة على هذا الاختيار، جعلت اصحاب استراتيجية الرد المرن والردع المتدرج يتخلون عن تحديدهم.
ان هذه الاستراتيجية تفترض زيادة كفاءة الاسلحة التقليدية والنووية على حد سواء، لان الردع يحتاج في تدرجه الى الانتقال من الاسلحة التقليدية الى النووية، وكذلك فان الرد لا بد ان يبدأ بالسلاح التقليدي اولاً ثم تتصاعد حدته الى مستوى السلاح النووي.
والملاحظ على هذه الاستراتيجية انها اكثر واقعية من استراتيجية الرد الشامل، حيث انها تواجه التوسع الشيوعي دون ان تكون هناك نتائج مدمرة قد تترتب عليها، ما عدا الحدود النهائية التي قد تصلها، واذا ما ظهرت مؤشرات هذه النهاية هناك ارضية واسعة للتحرك والحيلولة دون بلوغ نقطة الدمار.
وبالرغم من كون هذه الاستراتيجية قد لاقت استحساناً كبيراً في الاوساط السياسية والاستراتيجية الاميركية الا انها لم تتبن من قبل الادارة الاميركية كاستراتيجية اساسية تقف في وجه توسع الشيوعيين وذلك لعدة اسباب:
1ـ انها ظهرت في الوقت الذي لم ترفض فيه ادارة آيزنهاور واستراتيجية الرد الشامل، بل كانت الادارة الاميركية آنذاك لا تزال مقتنعة باستراتيجيتها.
2ـ لم تكن هذه الاستراتيجية موجهة مباشرة للخطر الشيوعي الذي انصب اهتمام الولايات المتحدة على مواجهته. بل انها كانت عامة بحيث انها كانت تعطي للحكومة الاميركية اسلوباً عاماً تتعامل وفقه مع الاحداث العالمية التي تهدد المصالح الاميركية، وهذا ما جعل ادارة البيت الابيض تنظر اليها على انها غير فاعلة في مواجهة الشيوعيين.
3ـ ان استراتيجية الرد المرن والردع المتدرج لا تعتبر اسلوباً جديداً في السياسة الخارجية، ولم تشكل نقلة كبيرة في اساليب هذه السياسة، فقد كانت بمثابة المعالجة للاساليب الخاطئة في استراتيجية الرد الشامل، ونظرية الحرب المحدودة كما هو واضح من تأثرها بأساليب هاتين الاستراتيجيتين.
لهذه الاسباب لم تعتمد الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية في سياستها الخارجية ضد المعسكر الشيوعي، كما انها لم ترفضها بصورة قاطعة بل جعلتها احد اساليب التعامل مع بعض الدول الاشتراكية.
___________________________
1 ـ امين هويدي، كيسنجر وادارة الصراع الدولي، ص 49.
الاحداث والمواقف العالمية التي لا تنسجم مع سياستها ومصالحها.
المهم ان آيزنهاور ظل متبيناً لاستراتيجية الرد الشامل حتى اضطرته الانتخابات الى ترك البيت الابيض تاركاً وراءه ملفاً كبيراً من المواقف السياسية المعقدة في الشرق الاوسط والشرق الادنى ومع المعسكر الشيوعي بالخصوص.
|
دونالد رامسفيلد
دون رامسفيلد هو صقر قديم في الحزب الجمهوري وكان مستشارا قانونيا في البيت الأبيض في ظل ريتشارد نيكسون إلى جانب ديك تشيني وهو نجح إلى حد ما لوحده كوزير للدفاع ثم كرئيس لمجلس الجيرالد فورد، في الإجهاز على اتفاقية مراقبة التسلح سالت 2 مع الاتحاد السوفياتي، كما أظهر بشكل منهجي معارضته لكل شكل من مراقبة التسلح معرفا معاهدة IBM كمسألة غابرة ورامسفيلد مناصر قديم لبرنامج الدرع الفضائي حرب النجوم، كما رئس عام 1998 لجنة مكلفة بتقويم التهديد الذي يمكن أن يمثله اعتداء على الولايات المتحدة بالصواريخ الباليستية بالنسبة له ينبغي توقع تهديد بهذا الحجم من قبل الدول المارقة في السنوات الخمس القادمة أي في مدة أقصر بمرتين من تلك التي توقعتها وكالة الاستخبارات المركزية غير سعيد بالإعلان عن قنابل ب، أ وصواريخ أم أكس فإن رامسفيلد يتفاخر بسابق ترؤسه للمجوعة الصيدلية جي دي سيرل اشترتها فارماسيا والجنرال انسترومنت اشترتها موتورولا وقبل دخوله إلى الحكومة فقد شارك في مجلس إدارة شركات كيلوغس سيرز أولستات وتريبيون كومباني مجموعة صحافة تشرف على الشيكاغو عوتريبيون ولوس أنجلس تايمز إلى عدد من قنوات التلفزة. |