الألفية الجديدة

الرابحون والخاسرون في النظام العالمي المقبل

 

     كانت المعرفة المسبقة بالمستقبل(التنبؤ) هدفا بل هاجسا من الهواجس الإنسانية القديمة. وكان الحكام منذ العصور القديمة وحتى اليوم يتحرقون لهذه المعرفة. حتى أن قسما كبيرا من الحكام المعاصرين لا يزالون يلجأون إلى"العرافة" لتحقيق هذه المعرفة.

     لهذه الأسباب لاقى علم"المستقبليات" إستقبالا حافلا لأنه يلبي حاجة إنسانية قديمة. والأهم لكونه وسيلة إتصال بالمستقبل من شأنها إزالة بعض غموضه بما يحدث من تأثيرات سياسية-عالمية.وهذا الفراغ السياسي- العالمي إستأثر بالإهتمام وهيمن على بقية الفروع.

      جاك أتالي- الفرنسي- هو أشهر المستقبليين الأوروبيين وهو ينطلق في رؤاه المستقبلية من رصيد الخبرات والمعلومات الاتي توافرت له من خلال المناصب التي تقلب فيها, من مستشار إقتصادي للرئيس ميتران إلى رئيس البنك الأوروبي للتعمير و التنمية إلى العمل في اليونيسكو.

       إستنادا إلى هذه الخبرات, أصدر أتالي كتابه: "الألفية الجديدة-الرابحون والخاسرون في النظام العالمي القادم". وقد قام المركز القومي للبحوث في القاهرة بالإشتراك مع وزارة التربية المصرية بإصدار ملخص بالعربية لهذا المتاب وذلك في سلسلة الكتب المترجمة, التي يتأخر وصولها إلينا لأكثر من سنة, والتي تقدم للنثقف العربي إمكانيات الإطلاع على التيارات الفكرية-السياسية المعاصرة.وذلك بتلخيص وإعداد أساتذة مقتدرين يجيدون مبدأ التلخيص الذي لا يتيح المجال للإلتباس وسوء الفهم.

  قام بترجمة هذا الكتاب الدكتور حسن سعيد عبد العال وراجع ترجمته الأستاذة فتحية البجاوي وأشرف على الترجمة الدكتور عبد الفتاح أحمد جلال-مدير المركز القومي للبحوث.

 

  الكتاب في فصله الأول  يعرض لملامح النظام العالمي القادم حيث يستمر الصراع بين القوى الكبرى في العالم. هذه القوى الكبرى التي ستغير مراكزها خلال القرن المقبل ,حيث يرشح المؤلف اليابان  وأوروبا للحلول مكان الولايات المتحدة في صراع ثنائي بينهما. وهو يرى أن هدف هذا الصراع , سيكون السيطرة الإقتصادية على عالم سيعتنق إيديولوجية السوق الحر والإستهلاك , كبديل عن الإيديولوجيات والأديان. وحيث تحل السطوة الإقتصادية مكان القوة العسكرية.بناء عليه يؤكد المؤلف , إن ملكية قاعدة إقتصادية مزدهرة ,ستكون الشرط الأساسي ,للحصول على مركز الدولة أو القوى العظمة ,إذ أن هذه القاعدة , ستكون المنطلق لبناء القوة العسكرية والسياسية. لذلك فإن أتالي يرى أن القانون الإقتصادي , سيكون القانون الأساسي المنظم لحركة المستقبل.

       وفي رأينا الشخصي أن هذا الفصل يحتوي على الكثير من الإسقاطات , التي يجب تجنبها في دراسة المستقبليات . ذلك أن طرح المؤلف لأوروبا الموحدة كقطب هو طرح إسقاطي , يتجاهل براكين الصراع المزروعة في طول أوروبا وعرضها , سواء منها المتفجرة حاليا(إيرلندا ويوغوسلافيا) , أو التي تكاد تنفجر (إنفصال شمال إيطاليا , وإختلاف موقف السويسريين العرقي من إتفاقية اللغات), أو البراكين التي تبدو خامدة بصورة مستترة , دون نفي إحتمالات تفجرها مستقبلا(بلجيكا وإسبانيا). كما أن صرح أوروبا الموحدة يصطدم بتجاهل آثار الإنقسام الأوروبي عقب حربين عالميتين ,ما زال بعض شهود ثانيتها أحياء يرددون أساطيرها.

     لكن في المقابل, هناك عديدون ممن يتبنون طرح أوروبا الموحدة ,إنطلاقا من المبدأ الإقتصادي للوحدة الذي يراه بعض المستقبليين ,قادرا على تخطي عوامل الإنقسام التي أشرنا إليها.

 

أما الفصل الثاني , فيخصصه المؤلف , لعرض تصوراته لحركة الصراع على السيطرة في النظام العالمي المقبل , حيث يتنبأ بتداعي أنظمة الحكم الديكتاتورية أمام المد الديموقراطي , وستتركز القوة في الأمكنة التي ستقيم فيها الصفوة التي تتكدس لديها الثروة والسلطة , والقدرة على إتخاذ القرار , في الأمور التي تواجه كوكب الأرض . وعلى هذا الأساس , يكاد المؤلف التأكيد على تحول السلطة(القطب العالمي) من الولايات المتحدة إلى أقطاب أخرى. ربما تكون اليابان وأوروبا الموحدة , أما عن شروط حركة الصراع المستقبلي , فيرى أتالي في مقدمتها ضرورة تبني القوة لقيم إجتماعية قابلة للعولمة , وقدرتها على تقديم حماية عسكرية لغيرها من الدول , التي تفتد القوة للحفاظ على على ملكيتها . من هنا إفترضه لشراسة هذا الصراع , الذي سيهدف لتحقيق السيادة في على المدن والأمم , وحتى القارات. أمام هذه الشراسة  يجد أتالي أن من الضروري إرساء مؤسسات عالمية , للتدخل , وتوفير السلام , في مناطق الإضطراب خلال القرن القادم , متوقعا أن تنشب صراعات جديدة , بين مناطق الوفرة الإقتصادية , وبين مناطق الفقر والفوضى.

      وفي رأينا أن هذا التوقع , هو تناقض جديد مع طرح أوروبا الموحدة . فالمطلع على فوارق الدخل الفردي بين أوروبا الغربية والشرقية , وفوارقه داخل أوروبا الغربية نفسها يستطيع أن يتنبأ , إستنادا إلى توقع أتالي بإنفجار حروب أوروبية خلال السنوات القادمة(مما يجعل فكرة أوروبا المةحدة مستبعدة كليا).

       وفي الفصل الثالث يتحدث أتالي عن الخاسرين في الألفية الجديدة , الذين سيكونون ضحايا النظام العالمي القادم. هذه الدول الخاسرة ستعاني من الطفرات السكانية الرهيبة , ومن البطالة , وإرتفاع وفيات الأطفال , حيث ستزداد هذه الأزمات حدة , على الخاسرين كما الرابحين , بسبب زيادة مستوى سوء إستعمال المواد الطبيعية , بما سيؤدي إلى ندرتها.

     وربما كان أسوأ تنبؤات أتالي , هو تنبؤه بظهور الفاشية النازية الجديدة , في صورة مختلفة منها الصراع بين الإسلام والمسيحية , وإرتفاع مستوى العدائية (العنصرية) في وجه السود , الباحثين  عن حياة فردية مستقرة في دول الشمال الغير المضياف.

      لكن هذه التنبؤات , تتعارض مع  طرح أتالي لسيادة إيديولوجية السوق الحرة , ومعها السيادة الإقتصادية التي تتخطى الأجناس والأديان.

       ونأتي إلى الفصل الرابع , لوصف السكان المميزين في العالم المقبل ,فيراهم أغنياء يسكنون في البلدان مراكز القوة (يحصرها بين الباسيفيكي و الأوروبي!). ويصفهم بأنهم يعشقون التجوال , وفي الأماكن التي تؤمن لهم حرياتهم متيحة لهم ممارسة طموحاتهم وجشعهم. وبسبب هذا التجوال .فإنه يطلق عليهم تسمية "البدوي الجديد". فهم برأيه بدو رحل من نوع جديد , لا تتحكم الإنتماءات بتحركاتهم, وإنما تتحكم فيها مصالحهم , وهم سيضطرون في تجوالهم هذا , لإستخدام تكنولوجيا فائقة التطور. هذا ويرى أتالي أن ثقافة الإنتقاء, التي إرتبطت بمنطق السوق , سوف تدعم الإنسان في إكتساب مقدار من الذاتية (التفرد) , وحكم نفسه بنفسه. حتى تصبح قدرته على إمتلاك الأشياء الجديدة. رمزا للحرية والقوة.

       لكن المؤلف يستدرك بأن هذه الحريات البدوية (التي لا بد أن تكون على حساب جهاز القيم-المرتبط بالمكان)وتلازمها مع سيطر المال. وعبادة محرابه لا بد م أن تطرح إشكاليات أخلاقية.

تبدى بشكل الحاجة إلى قيم تكفل للإنسانية طابعها وعالميتها. ويرى أتالي أن هذه القيم هي مسؤولية الإتجاه العقلاني , الذي سيدخل في صراع(الخير والسر) مع الإتجاه المادي.

        إن مقولات تكذيب المنجمين , تنبع من واقع عدم إكتمال النبوءة , فلكل نبوءة نقاط ضعفها وثغراتها , وكذلك الدراسات المستقبلية. من هنا القول بأنهما غير متقابلتين للتصديق الكلي ولا للنقض الكلي. ولعل الثغرة في كتاب أتالي هي إفتراضه إمكانية قيام أوروبا موحدة قادرة على تكوين قطب عالمي على الرغم من كل تناقضاتها!!..

Home