|
التحليل النفسي لشخصية مجرم الحرب شارون |
تعرض تصنيفات الأمراض العقلية لاضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. وتدرج في هذه الخانة كل مضطربي الشخصية الذين يتسم سلوكهم بعدوانية متطورة وزائدة على الحدود المقبولة اجتماعياً. مع امتياز هذه الشخصية بـ"الصفاقة" وهي صفة ملازمة لكل اضطرابات الشخصية. حيث اللامبالاة وعدم الاكتراث بمشاعر الآخرين.
وفي الحالات المتطرفة يتطور هذا الاضطراب نحو القيام بأعمال جنائية مثل القتل. فإذا ما تكررت جناية القتل أطلق لقب السفاح على المضطرب. مع بقائه مصنفاً في إطار الشخصية المعادية للمجتمع. ولكن بإعتبار الإضطراب قد بلغ حدود الحجر على المريض.
ويعتبر وصف "السفاح" وصفاً قاسياً. لكنه لا يحيط ولا يعبر عن حالة الوحش فاقد الآدمية الذي يتحول سفك الدماء الى هوايته. مع تبرير هذا القتل بانتقاء الضحايا من فئة معينة، ومن دون أن يكون لهذا الانتقاء مبررات نفسية أو صدمية أو مرضية سوى "العنصرية". وفي هذا الحالة نتكلم عن الشخصية المعادية للانسانية وعن مجرم الحرب.
1ـ شخصية مجرم الحرب
هي شكل تمتد فيه معاداة المجتمع الى معاداة الانسانية عبر القيام بجرائم ضد الإنسانية، ولقد طرح هذا المفهوم للمرة الأولى عقب الحرب العالمية الثانية. وتحديداً في المحاكمات التي عرفت بـ"نورمبرغ". والتي أنشئت لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين. إلا أن تعريف هذه المحكمة لمعاداة الإنسانية هو تعريف يشوبه اللبس والغموض. لذلك فهو قد تعرض لسلسلة من الانتقادات أكثرها وجاهة:
أ ـ عدم وجود نص قانوني واضح يحدد تعريفاً دقيقاً لما أسمته المحكمة بـ" جرائم الحرب".
ب ـ إن قضاة محكمة نورمبرغ لم يكونوا حياديين. بل كانوا تابعين للمنتصرين (الحلفاء). مما يشكك بنزاهة المحكمة وتغاضيها عن جرائم الحرب التي ارتكبها الحلفاء.
ج ـ تجاهل المحكمة لجريمة إلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان (هيروشيما وناغازاكي). وهذا التجاهل يكفي لنزع أية عدالة أو نزاهة عن نورمبرغ.
د ـ عدم سماح محكمة نورمبرغ للمتهمين النازيين بحق الدفاع عن أنفسهم. خصوصاً أن الاتهامات الموجهة اليهم مبررة بطبيعة النظام الذي يخدمونه. في حين أن المتعاملين مع النازي (ومن بينهم زعماء صهاينة) لم يكونوا تحت رحمة النظام. بل هم تعاملوا معه بإرادتهم.
هذه الأسباب تعتبر في طليعة البراهين المشددة على أن "نورمبرغ" لم تهدف إلى إعادة الاعتبار للإنسانية. بل هي هدفت إلى تكريس انتصار الحلفاء وتحميل كامل انتهاكات القيم الإنسانية للطرف الخاسر. واستغلال فرصة عجزه عن الدفاع عن نفسه. حتى نجح الحلفاء في إظهار الفاشية والفكر الفاشي كرمز من رموز انتهاك الكرامة الإنسانية.
إلا أن واقع الممارسات الإسرائيلية والدعم الأميركي لها يوضحان أن الحلفاء وورثتهم الشرعيين هم أكثر إجراماً وتسلطاُ من الفاشييين، و لعلنا نستدل على ذلك بجرائم القنابل الذرية وقنابل النابالم والحروب ضد الأبرياء في مقابل المصالح بحيث يمكننا التشديد على أن الفاشية هي أكثر إنسانية ورحمة من السياسة المرتكزة على المصالح.
نتيجة لمجمل هذه العوامل قامت "المحكمة الجنائية الدولية" في محاولة لطرح تعريفات أكثر دقة وموضوعية لجرائم الحرب.
2ـ المحكمة الجنائية الدولية
بعد الفاشية والنازية تحولت الشيوعية إلى الشيطان البديل المهدد لشعوب العالم الحر. هذا العالم الذي خسـر الكثيـر مع نهاية الشيوعية لأنه أصبح من دون شيطان! وهكذا يمكن تقسيم العدالة الدولية الى مرحلتين زمنيتين:
أ ـ في وجود الشيطان.
خلال هذه الفترة عقدت اتفاقيات جنيف الأربع(1949) ووقعت عليها 180 دولة. وبعدها كان بروتوكول جنيف الأول (1977) ووقعت عليه 150 دولة. وهذا الأخير ينص على اعتبار فعل طرد السكان من أرضهم "جريمة حرب". وفي هذه المرحلة التي شهدت وجود الشيطان كان الإعلام الاميركي قادراً على ابراز أخطاء الشيطان والتكتم على الأخطاء الأميركية (راجع كتاب "قراصنة وأباطرة" لنعوم تشوميسكي).
ب ـ بعد غياب الشيطان.
بعد هذا الغياب راحت الولايات المتحدة تبحث عن عدو، بل أنها تحاول اختراعه لكونه برهان ملائكيتها. وفي انتظار ذلك العدو لم تعد لها أية مصلحة بإصدار قوانين جنائية جديدة لعالم تحكمه هي. ولنظام عالمي جديد تتولى مسؤوليته. إلا أن ضغط الرأي العام العالمي وانفجار التناقضات العالمية في حروب صغيرة، ولكن دموية، قدما المبررات للسماح بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية. التي تم الإعلان عن نظامها الساسي عقب مؤتمر قانوني دولي عقد في ايطاليا(1998). ويتضمن هذا النظام ثلاث عشرة مادة عنيت بتحديد اختصاصات المحكمة وطرق تشكيلها ومبادئ القانون الدولي – الجنائي المعتمد فيها. كما حدد النظام طرق التحقيق وأساليب المحاكمات ونوع العقوبات وسبل تنفيذها.
ويهمنا تحديداً المادة التـي تحـدد اختصاصـات المحكمـة (المادة 5) وهي التالية:
أ ـ جرائم الابادة الجماعية.
ب ـ الجرائم ضد الانسانية.
ج ـ جرائم الحرب.
د ـ جرائم العدوان على الغير.
وهذه الجرائم تجد في العدوان الاسرائيلي مثالاً عملياً معاصراً عليها. لذلك ضغطت اسرائيل ومعها الولايات المتحدة لاستثناء الممارسات الإسرائيلية ضد العرب من هذه التصنيفات الإجرامية. لكن هذه الضغوطات لم تنفع بعد تهديد دول عدم الانحياز بعدم التوقيع على هذه الاتفاقية. فكان أن رضخت اسرائيل والولايات المتحدة للصيغ المقترحة وتم إنشاء المحكمة. وهذا التراجع الأميركي لم يكن بسبب الليبرالية أو شعارات حقوق الإنسان وإنما كان بسبب ثقة الولايات المتحدة بسيطرتها التامة على الأمم المتحدة ومؤسساتها، ومعها الثقة بالقدرة الأميركية على محاكمة مخالفيها (المارقين) وعلى تبرئة أصدقائها.
3ـ ملف السفاح شارون
تمكن شارون من احتلال الواجهة الإجرامية من خلال استفزازه لمشاعر أكثر من مليار انسان مسلم. وذلك في خطوة تدنيسه للمسجد الأقصى يوم الخميس الواقع في 28 /9 /2000 مع أن اسرائيل تشكل اليوم تجمعاً عالمياً لمجرمي الحرب وللخارجين على القانون الدولي الذين ينعمون بحماية اسرائيلية تبررها هويتهم اليهودية فقط.
وبما أن شارون يحتل واجهة الإجرام الحالية فلنستعرض معاً ملفه الإجرامي لمناقشة هذا الملف من ناحية سيكولوجية طالما أن المناقشة القانونية ومحاكمته كـ(مجرم حرب) ممنوعة بحماية اسرائيلية وبدعم أميركي، ولنر معاً محتويات هذا الملف. فهي تضم القضايا التالية(3):
أ ـ مذابح صبرا وشاتيلا (1982).
ب ـ قتل الأسرى المصريين (1967).
ج ـ اجتياح بيروت (1982).
د ـ مجزرة قبية (1953).
4ـ النمط السلوكي لشارون
يمكننا تقسيم موقف الاسرائيليين من العرب ،ومن الصراع معهم، بصورة مصطنعة (للتبسيط) الى ثلاث فئات هي:
أ ـ فئة العلمانيين: وترى أن من حق اسرائيل أن تحصل على مكاسب تتناسب وحجم تفوقها التقني والعسكري على العرب. وهذه الفئة تعتبر أنها في سباق مع الزمن من أجل زيـادة ودعم هذا التفوق بمختلف الأساليب، مما يجعل هذه الفئة تستشعر خطر تنامي الدور السياسي للاقتصاد. مما يجعلها مستعدة لاستبدال اسرائيل الكبرى (عنصر الأرض) بإسرائيل العظمى(عنصر الاقتصاد). وإلى هذه الفئة ينتمي سفاحون لا يقلون إجراماً عن شارون ومنهم رابين وبيريز وباراك.
ب ـ فئة المتدينين: وهؤلاء يعتبرون العرب "غوييم" أو "أغياراً" وينزعون عنهم الطابع البشري(يعتبرون غير اليهودي شبه حيوان). وهم يلعنون العرب في كل مناسبة تحت تسمية "أبناء اسماعيل".
ج ـ فئة اليمين الصهيوني: التي يمثلها حزب الليكود. وهي تجمع ما بين علمانية الفئة الإولى وتعصب الفئة الثانية. وهؤلاء هم علمانيون فشلوا في التخلص من عنصرية يهوديتهم. أو أنهم ينكصون اليها من حين لآخر. وعلى هؤلاء أن يعتمدوا نمطاً سلوكياً يمثـل نمط شارون المثال الأعلى له. وسمات هذا السلوك هي التالية:
1 ـ احتقار عنصري مركب ومضاعف للعرب ( بالصفة العلمانية مضافاً اليها الصفة الدينية – العنصرية).
2 ـ ممارسة التطرف في اتجاهات مختلفة . بهدف الحصول على أكثر من هدف في آن واحد. إذ يجب المحافظة على عنصري الأرض والاقتصاد معاً، لذلك فهم معارضون لمبدأ "الأرض مقابل السلام" وبالتالي لكل صيغ السـلام المطروحـة لغاية اليوم. كما أنهم طامحون للتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية.
3 ـ إن الجمع بين الأهداف المتناقضة (على الصعيدين الفردي الجماعي) ينعكس على السلوك بصفات مميزة هي: 1-الكذب ( ضرورة للتوفيق بين أهداف ومواقف متناقضة ) و2- تجاوز القوانين والأعراف(من دونه لا يمكن تحقيق الأهداف المتناقضة) و3- العدوانية المرضية المتطورة (يقتضيها الحفاظ على مكاسب متناقضة).
هذا ويقدم لنا سلوك نتنياهو، في أثناء حكمه، نموذجا واضحاً لهذا السلوك. فهو قد خاض مباحثات السلام رافضاً مبدأ "الانسحاب". وهو عمل على دعم الاقتصاد الإسرائيلي بموارد مالية إضافية، من مصادر غير شرعية، أهمها:
1-تبييض الأموال و2- زراعة المخدرات و3- الشراكة في تجارة المخدرات و4- الصفقات السوداء على اختلاف أنواعها ( مثل بيع الأسرار التقنية الأميركية لأعداء الولايات المتحدة وصفقات السلاح المتعارضة مع الاستراتيجية الأميركية والتدخل قي كل الصراعات العالمية لاحراز المكاسب).
فإذا ما أردنا التعرف إلى سلوك شارون أمكننا القول بأنه مطابق لسلوك نتنياهو ولكن مع جرعة تطرف مرضي أكبر. والتطرف هو وسيلة شارون ،ومجرمي الحروب عامة، للتخلص من القلق الهوسي المسيطر على شخصيته. هذا القلق الذي لا يهدأ إلا من خلال خوض الصراعات التي تؤكد القدرة على العدوان وتتيح للمجرمين ممارسة العدوان بصورة مباشرة. بحيث يفقد مجرم الحرب قدرته على المحاكمة المنطقية للأمور فيتورط بالمذابح دون تقدير عواقبها و عقابيلها المحتملة.
ولقد وجد شارون فرصته الذهبية التي لا تفوت عندما تراجعت شعبية باراك وأظهر الجمهور الإسرائيلي حاجته لمتطرف يعطيه الأمان عبر ممارسة العدوان. ومع ان نتنياهو كان يطمح للعودة الى الحكم لكنه طموح حالت دونه الانتخابات المبكرة. فوجد شارون فرصته للإعلان الرمزي عن مستوى إستعداده لممارسة العدوان. وهو الإعلان الذي تجلى بإعتدائه المعنوي على حرمة الأقصى. وتحقيق رغبة العدوان عند مجرم حرب مثل شارون يحتاج الى جرعة من الاجرام تجد أفضل تعبير عنها بما كتبته الصحافة الفرنسية اذ تساءلت:" اذا كنتم تريدون معرفة سر زيارة أرييل شارون للحرم القدسي الشريف فحاولوا الإجابة عن السؤال الآتي: " لماذا يدخل مجرم محترف الى مخزن بارود وهو يحمل علبة كبريت؟ ".
أما السؤال حول نوبات الإجرام الشاروني فيجد جوابه بضبط الجنرالات ( موفاز زعيمهم) لجرعات هذه العدوانية وفق معادلة المصالح الأميركية – الإسرائيلية. وهو الضبط الذي تسلل منه شارون في المذابح الأخيرة ( بدءا" من 29 آذار 2002). التي ستجبر الجنرالات على التخلي عن شارون وتركه ليحمل لقب " مجرم حرب" بإمتياز.