|
يتعامل الإعلام الأميركي مع بن لادن بصورة تذكر بالتوجهات التي
أصدرتها الإدارة الأميركية في التعامل مع تشي غيفارا. والواقع أن
وجوه الشبه بين الاثنين كثيرة. لكن الإدارة الأميركية تهتم بالوجوه
الآتية منها:
1-
إن كلاهما يعتبر رمزاً لمعاداة جهاز القيم الأميركي.
2-
اشتراكهما في إعلان العداء للولايات المتحدة.
3
-
عملهما على تخوم المناطق التي تمثل مصالح استراتيجية أميركية،
والخوف من امتداد الأثر عبر هذه التخوم إلى مناطق المصالح نفسها.
4-
اشتراكهما في سلوك الزهد السلطوي، مما يجعلهما مؤثرين للعيش في
البراري بصحبة الأفاعي.
5-
قدرتهما على جلب تعاطف فئات من خارج دائرة معتقداتهما.
6
-
استعدادهما الفطري للتنقل من جبهة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر،
والقتال في كل منهما ينفس الاندفاع والكفاية.
7
-
قدرتهما كأفراد على التسبب بإزعاج فعلي للولايات المتحدة، وإجبارها
على السعي لمواجهة شخص فرد. بما ينعكس سلباً على هيبتها كدولة،
ويشكل إحراجاً أمام جمهورها.
نقاط الاختلاف بدورها كثيرة ويزيدها اختلاف الزمن المعيش. لكن نقاط
التشابه هي الأخطر بالنسبة للإدارة الأميركية. وهي الأكثر استثارة
لفضول الجمهور الأميركي. وربما كان هدف إرضاء هذا الفضول هو سبب
ظهور كتب أميركية عدة حول بن لادن وآخرها كتاب "بن لادن الرجل الذي
أعلن الحرب على أميركا" لمؤلفه يوسف بودانسكي.وبحسب الإسم يرجح أن
يكون المؤلف يهودياً من أصل بولندي. والمؤلف يثير منذ البداية
مسألة أن الخلاص من بن لادن لا يعني نهاية المشكلة، وهو ينهي كتابه
بعبارة:"خطر بن لادن لا ينتهي بنهاية بن لادن"!.
والواقع أن الجمهور الأميركي بدأ يتساءل عن خلفيات قضية هذا الرجل.
فالمكافأة المعلنة عن رأسه هي فقط خمسة ملايين دولار، لكن
المصروفات الفعلية للقضية تتجاوز المليارات. إذ يكفي أن نذكر سحب
الولايات المتحدة لدبلوماسييها وإغلاقها لسفاراتها في بلدان عديدة
ولمدة
تجاوزت الأسبوع خوفاً من ضربات توجهها جماعة بن لادن بمناسبة ذكرى
القصف الأميركي لقاعدته في افغانستان، كما أن الجمهور الأميركي بات يدرك
عدم جدية مبلغ المكافأة للنيل من شخص تقدر ثروته بأكثر من مليار
دولار، يدير امبراطورية مالية تبلغ مليارات عدة من الدولارات. وهي
ثروة تخلق أجواء اسطورية من حوله، حتى بدا هذا الكتاب وكأنه يؤكد
على أسطورية بن لادن. وإذا كان بن لادن يحظى بتعاطف فئات مسلمة غير ممارسة وحتى غير
مسلحة، فإنه يواجه في المقابل تهمة الشراكة مع الأميركيين في
القتال ضد الإتحاد السوفياتي، حتى أن بعضهم يعتبره صنيعة المخابرات
المركزية الأميركية. وهنا البعض يستدل بضآلة المكافأة (5 ملايين
دولار) على عدم جدية الرغبة الأميركية في الخلاص منه، ولقد دافع بن
لادن عن نفسه في مقابلة تلفزيونية معتبراً أن اللقاء كان تكتيكياً
حيث تقاطعت المصالح.
وفي عودة إلى الكتاب يتساءل القارئ عن مدى تلبيته لفضول القراء،
ومدى ملامسته لهذه الموضوعات؟.
-
الكتاب يبدأ بالتركيز على خلافة بن لادن، وذلك ليس من منطلق الثقة
بالقدرة الأميركية على تصفيته. بل من منطلق إثبات أن نهاية الرجل
لا تنهي خطره. لذلك يركز على خلافة ابن بن لادن المدعو محمد
(15سنة) لوالده. فهذا اليافع يعايش الحياة القاسية لوالده، ويشارك
في حراسته. كما يخضع محمد لدورات تدريب عسكرية منتظمة. وهو يتابع
باهتمام المعلومات كافة المتعلقة بتنظيم والده المسمى ب"القاعدة".
هذا ويهتم المؤلف بالتأكيد على تخصيص بن لادن مبلغ مائة مليون
دولار لعائلته، يقول أنها مودعة في بنوك في لندن موناكو وجزر
الكاريبي. وهنا يقع بودانسكي في مطب جهله لأصول الإرث في الشريعة
الإسلامية حيث لا تشكل هذه المخصصات سوى احتياطي للأزمات. فعائلة
الشخص المسلم ترث كامل ثروته وفق الأصول المعتمدة والمؤلف نفسه
يركز على رغبة بن لادن بتوريث ابنه محمد للقاعدة. وليس للثروة (حسب
حصته الشرعية) فقط. ولعل الكتاب يبتعد في هذه النقطة عن الأسلوب
الذي اتبعه بقية الكتاب الأميركيين في كتاباتهم عن غيفارا وعن
كاسترو لاحقاً. ويقوم هذا الأسلوب على إرضاء المهاجرين الأميركيين
اللاتينيين المعادين للزعيمين. إلاّ أن بودانسكي يعود إلى اعتماد
هذا الأسلوب في البقية من كتابه، من دون أن يلاحظ الفارق بين العرب
الأميركيين وبين معادي الشيوعية اللاتين. فالتبرعات التي يجمعها
هؤلاء لبن لادن تشير إلى انعدام شكوكهم بتعاونه مع المخابرات
الأميركية. وذلك على عكس قسم كبير من العرب الآخرين ممن لا تزال
الشكوك تراودهم بهذا الشأن. والطريف أن المؤلف يتجاهل مناقشة كل
هذه النقاط مع إدراكه لأهميتها وحيويتها.
في المقابل نجد المؤلف يركز على تحالف محتمل بين بن لادن وصدام
حسين، حتى يبدو، بالنسبة للقارئ الأميركي، وكأنه يبحث للشيطان عن
أخ شقيق. لا لهدف، إلا تمام الأذى والأضرار بالمصالح الأميركية.
وينطلق احتمال التحالف هذا من خبر نشرته الصحافة الأجنبية وسربته
بعض الأوساط الصحفية العربية. ويتعلق الخبر باجتماع جرى قبل سنين بين بن لادن وبين مدير
المخابرات العراقية في ذلك الوقت فاروق الحجازي. ولا يخفى على
المهتمين دور الوساطة الذي يلعبه حسن الترابي (شريك بن لادن في
القتال وفي الإستثمارات) بين الطرفين، بل أن فاعلية هذا الدور
تتنامى مع احتمالات تراجع إيران خاتمي عن دعم الحركات الأصولية. بل
أن الكاتب يؤكد على وجود تعاون فعلي بين الطرفين يعود لأكثر من خمس
سنوات. عندما تدخل بن لادن في قتال القوات الأميركية في الصومال،
وعندما قدم للعراق الدعم لأعداد من الأفغان العرب انتقاماً لضرب
الولايات المتحدة وفرضها الحصار عليه. ويصل المؤلف بعد طول عناء
للإيحاء بأن الإرهابيين لا بد لهم أن يلتقوا. متجاهلاً كل التجاهل
اللقاء الحار بين الولايات المتحدة، وبين العرب الأفغان في قتال
الاتحاد السوفياتي. ومهما يكن فإن أحداثاً كثيرة لاحقة تدعم وجهة
نظر المؤلف وفرضياته حول هذا التحالف، ومنها أنباء اجتماع بين قصي
صدام حسين وبين عبد الله القاسم ومحمد أبو الإسلام (المقربين من بن
لادن) وأيضاً الأنباء التي رافقت شائعة مغادرة بن لادن أفغانستان
ولجوئه إلى العراق، وأخيراً وليس آخراً المحاولات الأميركية
الدائبة لتفجير الخلاف داخل حركة طالبان على محور إبقاء بن لادن أو
إبعاده. وتشير بعض المصادر إلى أن انفجار ليلة 42 آب (اغسطس)
الماضي (3 أطنان من المتفجرات) هو من إعداد أعضاء في حركة طالبان
تلقوا وعوداً أميركية بالإعتراف الدولي وبالتعاون ومعهم شرط الخلاص
من بن لادن. وهكذا فقد بات من المسلمات عدم قدرة بن لادن على
الاستمرار بالإقامة في أفغانستان، ويرجح بعضهم أن افتتاح جبهة
داغستان له جملة أهداف من بينها تأمين إقامة بن لادن. ويقول آخرون
بأن الولايات المتحدة، تنفع بن لادن في هذا الاتجاه وتظهر حلاً
وحيداً له. لأنها تريد عزل دول بحر قزوين عن روسيا. كما تريد تحريك
الروس ضد بن لادن كونها تخشى أن يكون الإعلام الأميركي قد حوله إلى
البطل !. وكتاب بودانسكي أحد الأمثلة على ذلك. فهو يرسم لبن لادن الملامح
الآتية:
1
-
الرجل المحكوم بالإعدام: وهي وضعية تشجع الجمهور على التوحد
(التمثل) بالشخص. حتى ولو كان معتدياً (التوحد بالمعتدي). وعندما
يظهر المحكوم بالإعدام لا مبالياً بالموت ومتقبلاً له، فإنه يظهر
بمظهر البطل الذي لا تخونه شجاعته. وهذه النقاط تعطي صورة إيجابية
حتى لدى الأشخاص المرشحين لأن يكونوا ضحايا.
2
-
الرجل الميت: وهي أكثر إثارة للإنفعالات الإيجابية من الوضعية
السابقة، حيث يظهره الكتاب بمظهر الرجل الذي كتب وصيته وجهز لما
بعد وفاته حتى أصبح الموت أمراً غير ذي بال بالنسبة له.
بل إن المؤلف يظهر ويبرز أمل بن لادن بالجيل الجديد بدءاً من ابنه
محمد الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة ومروراً بالمراهقين المشاركين في
القضية، وصولاً إلى الأفغان العرب كافة. وقد بقي منهم في أفغانستان
ثلاثة آلاف مقاتل (600 مصري و 400 أردني و 300 يمني و 200 عراقي و
100 سوداني و 100 تونسي و 100 مغربي و 100 فلسطيني و 100 خليجي).
وهؤلاء إما ملاحقون في بلدانهم أو هم يرفضون العودة إليها، لأنهم
يؤمنون بضرورة تحرير دول إسلامية أخرى بعد أفغانستان.
3
-
الملياردير الزاهد: ينتمي بن لادن إلى عائلة سعودية بالغة الثراء،
ويقدر الكاتب ثروته الشخصية بمليار دولار، ويعلن عجزه عن الفصل بين
هذه الثروة، وبين المليارات التي يديرها بن لادن عن طريق شبكة
معقدة من رجال الأعمال من مختلف الجنسيات. كما يشير المؤلف إلى
توزع استثمارات إمبراطورية بن لادن المالية على الأسواق المالية
العالمية، بالإضافة إلى تبرعات سنوية تقدرها المخابرات الأميركية
بحوالي المائتي مليون دولار سنوياً، إضافة إلى تقديرها لحصته من
تجارة المخدرات الأفغانية بنسبة 10 % "يبلغ حجم هذه التجارة حوالي
العشرة مليارات دولار سنوياً _ أي أن حصة بن لادن منها مليار دولار
سنوياً". ومع ذلك فإن هذا الرجل يعيش في البراري!
4
-
بن لادن حليف الضحايا: ينطلق بن لادن، كما يقول المؤلف، من حقه في
الدفاع عن معتقداته (وهو حق إرهابي طبعاً بنظر المؤلف). وهو يعتقد
أنه ينصر أبناء جلدته ودينه من المظلومين، حيث بقيت الولايات
المتحدة الظالم الوحيد بعد زوال الاتحاد السوفياتي الذي قاتله بن
لادن من دون أن يوصف بالإرهابي. لكن المؤلف يجهد لإزالة وضعية
مقاومة الظلم فيشير إلى علاقات بن لادن بالجهات التي تمكن الإعلام
الأميركي من إبراز عيوبها. كمثل المافيا الروسية) أما الأميركية
المتعاونة مع إسرائيل فهي بمنأى عن الحديث وعن الانتقاد) والعراق
(حيث تمكن الإعلام الأميركي من تجاهل معاناة أطفاله وشعبه إضافة
إلى التكتم التام على موضوع اليورانيوم الخام الذي يهدد الشعب
العراقي وشعوب الدول المحيطة به).
وهذه الإشارات ذات فاعلية أكيدة نظراً لكون التعامل مع هذه الجهات
والتعاون معها مداناً سلفاً، من دون أي اعتبار للتعاون الرسمي
الأميركي مع المافيا العالمية بما فيها الروسية ورموزها اليهودية
خصوصاً، حيث يستخدم بيروزيفسكي (المافيوي اليهودي الروسي) أداة
للتحكم بالكرملين وتوجيهه لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة.
5
-
بن لادن المعارض للعولمة: حيث ينقل المؤلف توقع المخابرات الأميركية
قيام بن لادن بنقل الحرب ضد أميركا إلى داخل الولايات المتحدة
نفسها. بل إن هذه المخابرات رصدت ومنذ مطلع العام 99 نشاطات مريبة
للجبهة الإسلامية المسلحة في أوروبا الغربية. ولقد توج أيمن
الظواهري هذه الريبة بإعلانه قيام منظمة جديدة هي "منظمة حاملي
السيوف الإسلامية" والتي وصفها الظواهري بأنها قوات الردع السريع
المعدة لضرب المصالح الغربية في كل مكان. (تقول بعض المصادر أن
قدرة الحركة لدى هذه المنظمة جعلت الولايات المتحدة تتراجع عن
القيام بعملية كوماندوس ضد القاعدة بعد وصول القوة إلى مطار إسلام
أباد؟).
كما ترصد المخابرات الأميركية تصريحات بن لادن الشخصية. ومنها
تصريحه بأن الجهاد ضد الصليبيين واليهود قد بات جزءاً من الحملة
لمواجهة "العولمة". وبمعنى آخر فإن الجهاد ضد أميركا أصبح مشروعاً
(مقبولاً شرعاً) طالما أنها تعمل على نشر ثقافتها، وترسل أساطيلها،
وتستعمر العالم اقتصادياً عن طريق شركاتها وبضائعها (ومنها
الحروب). ويستخلص المؤلف من هذه الطروحات، أن خطر بن لادن لا ينتهي بنهاية
بن لادن نفسه.
ختاماً فإن الكتاب يقدم لمحات ونقاط عن بن لادن وعن الموقف
الأميركي منه. وهو لا يقدم سوى بعض ضئيل من ملامح هذا الموقف.
فالولايات المتحدة تدرك بقايا العداء بين بن لادن والروس. كما تدرك
حساسية روسيا تجاه جمهورياتها المسلمة. والرغبة الروسية بالاحتفاظ
بحدود قزوينية. وبهذا فإن عناصر الاحتواء المزدوج تكون قد اكتملت.
ولا يبقى على الولايات المتحدة سوى تشييع أجواء الصدام بين
الجهتين. وبانتظار ذلك فهي تكتفي بهدنة مع بن لادن قوامها الخوف
المتبادل. فهل يقع بن لادن ومعه طالبان في فخ الاحتواء المزدوج؟
وهل تستطيع روسيا يلتسين مقاومة هذا الفخ بإغراءاتها العديدة
وخصوصاً المالية منها؟ وأبعد من كل ذلك هل تستشعر الصين الخطر من
اتساع المساحة القتالية لجماعة بن لادن؟ وهل تعتبر حركة الإسلام
الداغستاني مقدمة أميركية لمسرحية كوسوفو جديدة؟ وعندها ستدخل
المنطقة في حدود الصلاحيات الجديدة للحلف الأطلسي! وهذا ما لا يمكن
للصين أن تسكت عنه.
أمام هذه الإشكاليات وتعددية احتمالات الصراع والتصادم، في ظل فوضى
استراتيجية شبه شاملة في المنطقة، فإن كتاب بودانسكي يبدو كتاباً
سطحياً حديثاً، وهو يخيب أمل القارىء الذي يقتنيه بهدف التعرف إلى
خلفيات ما يجري في تلك المنطقة من العالم وانعكاساتها المستقبلية
التي تتناول منطقة دول قزوين المرشحة لاستقطاب استثمارات العالم
خلال القرن المقبل.
Home
|