"الأبعاد الدولية للصراع الداخلي "

مقولة الدولة و النظام السياسي و الوضع الاقتصادي و العامل الثقافي :

عوامل تفسر الصراعات و ليس الأحقاد التاريخية

 

"الأبعاد الدولية للصراع الداخلي" ، هو عنوان الكتاب الصادر عن معهد مساشوسيت للتكنولوجيا ، أشرف على تحريره مايكل براون ، و يقع الكتاب في حوالي الـ 600 صفحة .

ان موضوع الكتاب يذكرني بمقالة نشرتها مجلة الهلال العام 1948 تحت عنوان : "براكين تهدد العالم " . و لعلها المقالة العربية الأولى في مجال المستقبليات ، حيث انفجرت بالفعل غالبية هذه البراكين و بقي منها في اوروبا بركانان لم ينفجرا لغاية اليوم . و هما البركان البلجيكي ( بين الفلامان و الوالان ) و البركان الايطالي ( بين الشمال و الجنوب ). و لقد ارتكزت هذه المقالة على فرضية تشكل البراكين الصراعية من خلال الأحقاد التاريخية .

محرر الكتاب مايكل براون ، يجد فرضية الأحقاد التاريخية فرضية سطحية ، و يستشهد على سطحيتها بوجود هذه الأحقاد من دون انجاز في انحاء عديدة من العالم . كما يرى أن هذه الأحقاد لوحدها لم تستطع تفجير الصراعات في دول الاتحاد السوفياتي لعقود طويلة . ثم تفجرت فجأة بعد زواله بحكم عوامل اخرى . و هو يحاول استعراض هذه العوامل من خلال التذكير بالاستنتاجات و التفسيرات التي انتهت اليها أهم الحوادث في هذا المجال وهو يصنف هذه التفسيرات في أربعة أبواب هي :

1-   هيكلية الدولة : و هو من العوامل الظاهراتية ، و يتعلق بهيكلية الدولة ، فالدولة ( السلطة ) القوية عصية على المنازعات التي تنشب في الدولة الضعيفة ، اذ يؤدي ضعف السلطة المركزي الى تشجيع العناصر التفكيكية . و هو يرى أن هذه الدول الضعيفة يمكن أن تكون مجتزأة من بنيان استعماري ، و يعطي مثالاً على ذلك الدول التي تم اجتزاؤها في كل من افريقيا و اميركا اللاتينية . و هذه الدول تفتقر في رأي براون الى الشرعية السياسية و الى حدود سياسية على الأراضي الموضوعة تحت اشرافها . و هو يرى ان هذا الوصف ينطبق أيضاً على الكيانات السياسية الخارجة من حطام المجموعة السوفياتية .

لكن ما يتجاهله المؤلف كون هذا الاجتزاء ( المؤدي الى خلق كيانات منفصمة و قابلة لانفجار الصراعات الداخلية فيها ) نتيجة للحرب العالمية الأولى ، حيث تمت عقبها تغيرات جغرافية قسرية يمكن اعتبارها مسؤولة عن غالبية الصراعات الراهنة ، من تقسيم دول البلقان الذي خلق تداخلاً قابلاً للانفجار بين دولها . ثم خصوصاً الدولة العربية و تفتيتها بين اتفاقية سايك – بيكو و وعد بلفور ... الخ . من الجراحات الوحشية التي فرضتها الحرب العالمية الأولى . و كل بلد من هذه البلاد عرضة لتفجير صراعاته الداخلية المسلحة اذا هي لم تتفجر بعد .

2-   النظام السياسي : عندما يتمكن النظام السياسي و الايديولوجيا التي يعتمدها ، من تحقيق الأجواء التي تكفل حقوق المواطنة و المساواة في الحقوق و الواجبات لجميع مواطنيه ، فإنه يكون بذلك قد استجاب لعامل استقرار سياسي رئيسي . لكن عوامل فرعية لا بد من ملاعاتها ، و منها قدرة النظام على التنسيق بين المجموعات و التقريب بين مصالحها و طموحاتها ( و هو أمر بالغ الصعوبة في حال وجود الأحقاد التاريخية ) . لكن النظام السياسي قد يلجأ احياناً، عندما يتعرض للتهديد ، الى جعل احدى هذه الجماعات كبش فداء ، فيفجر بذلك جذوة الصراع . و يعطي المؤلف مثالاً على ذلك صربياً و كرواتياً.

3-   الوضع الاقتصادي : ان الأزمات الاقتصادية على أنواعها تستتبع توترات اجتماعية متعددة الصعد . و الضعف الاقتصادي يفتح الأبواب امام التدخلات الخارجية بما من شأنه ان يغذي التناقضات و يعجل باندلاع الصراعات الداخلية .

4-   العامل الثقافي : حيث تجهد الأقليات في كل مجتمع ، للحفاظ على هويتها الثقافية . و هي تثبت بوجه عامل الظلم و الغبن في تاريخها ( كونه يدعم ترابطها ) ، الذي ينتقل عبر الأجيال عن طريق الحكايات و الأساطير المتوارثة ( بغض النظر عن صحتها أو حتى عن منطقيتها ). و مشاعر الظلم هذه تفجر رغبات النتقام عندما تتاح لها الفرصة . و يعطي براون مثالاً على ذلك مذبحة 800000 من التوتسي على يد الهوتو في راوندا ، و التي فسرها الهوتو على انها دفاع عن النفس ! .

لكن هذه العوامل الأربعة مجتمعة ، و معها عامل الأحقاد التاريخية ، لا تكفي لاندلاع الصراع ، حيث يعتبر المؤلف ان الأبحاث انهمكت في دراسة العوامل الكامنة ، على حساب دراسة العوامل المؤدية مباشرة الى اندلاع الصراع . فهذا الاندلاع يحتاج الى قادة يحرضون الجمهور ، و يلعبون دور العامل المحفز على الصراع ، و يسميهم براون بالزعامة السيئة . كما أن دول الجوار ذات العلاقة بإحدى الجماعات يمكنها أن تلعب الدور المحفز على الصراع ، و يسميها براون "الجوار السيئ" .

و لسنا في مجال مناقشة صفة "السيئ" التي يطلقها براون اذ ان السوء في رأينا يعود الى غطرسة المنتصرين في الحرب العالمية الأولى ، و الذين خلقوا جغرافية سيئة للعالم ، عن طريق اصطناعهم لكيانات قابلة للانفجار ، على شكل حروب صغيرة ذات ضحايا بشرية بأعداد هائلة . و مهما يكن ، فإن القارئ لا يمكنه إلا أن يعجب بهذا العرض الأكاديمي – التحليلي ، و بالأمثلة التي المؤلف ، و ان كان يتجاهل أمثلة شديدة الحساسية . لكن ما يهمنا في التعليق على هذا العرض هو التطرق الى رؤية نفسية للصراعات ، و مفادها ان الصراع الداخلي في أمة ما ، هو معادل لمرض الشيزوفرانيا . و الأمة المصابة بهذا المرض قد تعرف له فترات كمون و همود ، و لكنه يعود الى الانفجار بعد فترة قد تطول أو تقصر . كما أن حدة الانتكاسات البسيطة و العابرة ( لكن المؤكدة ) التي تتعرض لها الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية الأميركية . و بهذا يمكن القول بأن التناقصات العرقية و اللغوية و الدينية و الثقافية هي أساس الشيزوفرانيا الأممية ، و بقية العوامل هي عوامل مهيئة لظهور الانتكاسات أو لكبتها . و من المنطلق ذاته يمكن القول بأن  الرخاء الاقتصادي و السلطة القوية هما العلاجان الناجحان لتأخير ظهور هذه الانتكاسات .

و تقترب الباحثة راشيل برونسون من هذا الرأي في بحثها ، الذي يشكل أحد فصول الكتاب ، المعنون : " دورات الصراع في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا " ، حيث ترى أنه و عندما تكون دول المنطقة في حال ضعف هيكلي و مالي ، فإنها تفتقر الى الامكانات التي تمكنها من مواجهة مشكلاتها الاقتصادية و تناقضاتها الداخلية ، فتصبح هذه الأخيرة مؤهلة للانفجار ، و تزيد احتمالات نشوب الصراعات داخلها . و ترى برونسون ان دول المنطقة عانت هذا الضعف خلال الخمسينيات و الستينيات حين كانت مواردها الاقتصادية محدودة ، مما جعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية . و تنعكس الحال عندما تكون السلطة قوية و مدعمة بالموارد المالية الكافية ، اذ يعني ذلك استبعاد احتمالات التدخل الخارجي ، و أيضاً الأسباب الاقتصادية للصراع الداخلي . و ترى ان هذه كانت حال المنطقة خلال السبعينيات و الثمانينيات . و لكن الباحثة تتجاهل ، أو هي تتجنب الخوض في المسألة اللبنانية ، حيث استبعاد التدخل الخارجي لا يعني الغاءه ، و حيث كان قرار التمهيد لسلام كامب دايفيد باتخاذ لبنان نموذجاً لاحتمالات نجاح التدخل الخارجي في تفجير التناقضات الداخلية ، و حيث تتمة الحرب اللبنانية في العمل على احياء مشاعر الغبن و أساطيره لدى الأقليات الموجودة في الوطن العربي ، تمهيداً لتفجير صراعات داخلية عربية جديدة . أيضاً تتجاهل الباحثة الجراحة الوحشية التي قام بها المنتصرون في الحرب الأولى لاجرائها على جسد المنطقة و تفكيكه ، و وهب بعض أعضائه او اجباره على التبرع بالاكراه بأحد أعضائه . اذا انها تستعرض السياق السياسي و العرقي و التاريخي للمنطقة منذ انهيار الامبراطورية العثمانية . ثم تعمد الى مناقشة أسباب التوترات الدينية و العرقية و السياسية متجاهلة تلك الجراحة و ردود الفعل التي تظهرها كافة الدول التي تعرضت لجراحة شبيهة .

هذا التجاهل يتيح لها الانتقال الى مناقشة عملية السلام و احتمالاتها . و انعكاس تلك الاحتمالات على مستقبل المنطقة . و على الرغم من عدم تعمق الباحثة بالظواهر السياسية الا انها تشير ، و عن حق ، الى أن خفض المعونات الاقتصادية و تراجع العائدات النفطية ( و لم تذكر رهن هذه العائدات و منع تصديرها و الحصارات الاقتصادية متعددة الدرجات ... الخ ) من شأنه أن يخلق من الأزمات الاقتصادية ما يزيد من احتمالات الصراع الداخلي في دول هذه المنطقة ، و يضعها في وضع يشبه الخمسينيات و الستينيات . و لتلافي هذا الوضع رأت الباحثة ضرورة التمييز في التعاطي مع الحركات الاسلامية و دعم الحكومات في وجه الأزمات .

و هنا سؤال لا بد منه للباحثة : من هو المهتم بتلافي هذا الوضع و من خلقه ؟!.

عند هذا الحد يتساءل القارئ عن قدرة النظام العالمي الجديد على الاستمرار . فهذا النظام يريد ان يجمع كل تناقضات العالم ، و كل اساطير الظلم فيه و ان يكرس تنامي قوة بعضه و غناه ، على حساب ضعف بعضه الآخر و فقره . كما هو يريد ان يعمم ثقافة من دون قيم على حساب الشخصيات القومية و الوطنية ، فهل يكفي ذلك للتنبؤ بعدم امكانية استمرار هذا النظام و بحاجته الى قوة هائلة كي تفرضه ؟.

و الواقع ان المثال الأميركي للتعددية ، و صهر الأقليات هو الصخرة التي تصطدم بها كل الدراسات التي تتناول الصراع الداخلي . فالمجتمع الأميركي يقدم نموذجاً لتعايش أقليات لا حصر لها في بوتقة أمة اجتماعية لا أساس عرقي أو ديني أو حتى تراثي لها . و بناء على الفرضية المطروحة أعلاه فإن هذا المجتمع مصاب بالشيزوفرانيا ، لكنها في حالة خمود بسبب العلاج الاقتصادي المكثف ، الذي لا ترغب الأطراف المتناقضة بفقدانه . فهو يعوضها مشاعر غبنها التاريخي . فمتوسط دخل الفرد الأميركي يصل الى حدود خمسة و ثلاثين ألف دولار سنوياً . في حين أنه لا يتجاوز المئة دولار في بلدان عدة فقيرة ، لا تزال تحافظ على استقرارها النسبي كونها لا تعاني الشيزوفرانيا .

Home