|
الواجب الأميركي |
|
أب وابنه والرجل الذي كسب الحرب. |
| بول تيبيتز : الرجل الذي القى القنبلة الذرية على هيروشيما |
|
المؤلف: بوب غرين. |
|
أتقن الأميركيون فن استغلال الواقع دون هدر أي جهد في محاولة تعديله. وهذا ما جعلهم يتجاهلون الأيديولوجيا وينظرون إليها باحتقار. وكأنهم بذلك يردون على احتقار حضور المؤتمر الفلسفي الذي عقد في ألمانيا العام 1912 والذي تهكم على ما طرح فيه من أفكار عن قيام فكر أميركي على يد ويليام جايمس (مؤسس البراغماتية). والواقع أن براغماتية جايمس لا ترقى بالفعل إلى مستوى الفكر الفلسفي. وهذا ما تباهى به الأميركيون! فأعلنوا شماتتهم بما أسموه "سقوط الأيديولوجيات". ثم أعلنوا بعدها عقم الفكر الفلسفي السياسي لانعدام فاعليته الإجرائية. وهم أبدلوا الاثنين بسياسة خاصة هي سياسة المصالح. |
|
ولقد كان كلينتون أبرع رئيس أميركي في قيادة هذه السياسة. وهي براعة سيذكرها له التاريخ لأنها مبرهنة بالأرقام ومثبتة بالمكاسب الاقتصادية التي حققها، والأهم من ذلك أنه قاد المصالح الأميركية نحو بر الأمان دون أن يهتم بوضع استراتيجية واضحة ومن دون أن يلتزم بصورة منتظمة بتقارير إدارته. حتى باتت قراراته خفية حتى على فريق إدارته. حتى أمكن القول إن هذا الرئيس كان الأكثر اندفاعاً باتجاه لعبة المصالح المتطرفة. وهي اللعبة التي فجرت فتيل الأزمة التي كشفت عن عورات الولايات المتحدة ونقاط ضعفها. وكان ذلك خلال حرب كوسوفو. |
|
لو راجعنا المشهد العالمي خلال تلك الحرب لوجدنا أنفسنا أمام مؤشرات خطرة والأخطر منها تقاطعاتها. |
|
ولنتذكر معاً: |
|
1- إن الحرب تجاوزت الفترة المفترضة لها (78 يوماً) مما أوصل الإدارة الأميركية إلى حافة الهاوية. فهي عاجزة عن استخدام أسلحة ذات ثمن سياسي. كما أنها عاجزة عن اتخاذ قرار الإنزال البري ليس فقط بسبب ثمنه السياسي (طلب موافقة الكونغرس الجمهوري على إعلان الحرب) وإنما أيضاً لسبب أكثر فضائحية وهو رفض الجمهور الأميركي القاطع تقديم ضحايا بشرية. وهذا ما أحرج إدارة كلينتون وحلفاءها الغربيين، الأمر الذي دعا فرنسا إلى تقديم أعداد الجنود اللازمة للإنزال البري. وعندها فقط تراجع ميلوسوفيتش الذي كان يتعامل باستهزاء مع هذه الدول القوية عسكرياً واقتصادياً والمفلسة من ناحية القيم. فلو كان لديها قيمة ما تستاهل التضحية لأجلها لما كان هذا التردد وهذا الضعف؟ |
|
2- تجلت صدمة كوسوفو على صعد إضافية أخرى. فقد تراجع كلينتون عن طرح "النظام العالمي الجديد وإبداله ب"الحلف العالمي الجديد" الذي كرس بتعديل المبادئ الاستراتيجية للناتو. حيث بدا كلينتون قادراً على فرض إرادته على دول أوروبا الكبرى وإجبارها على التورط وعلى مخالفة المبادئ الأساسية، للاتحاد الأوروبي. في حين كان كلينتون عاجزاً وبصورة فضائحية أما ميلوسوفيتش وحلفائه المعلنين والسريين. وكذلك أمام الصين. وهذا ما دفع بالأوروبيين لخوض محاولات تمرد الناتو لا تزال مستمرة عبر محاولات تأمين قوة تدخل أوروبية مستقلة!. |
|
3- لقد أعادت صدمة كوسوفو التذكير بالمبدأ القائل بأن النصر ليس من نصيب الأقوى. بل هو من نصيب الأكثر تصميماً. وبما أن شعوب الرفاهية عازفة عن تقديم الضحايا البشرية فإن قوة دولها مرشحة للشلل. في حين يمل الفاشيون الحدد (تحديهم الولايات المتحدة وتصنفهم على طريقتها الخاصة) القدرة على اتخاذ قرار الموت بالطرق التي تعتبر غير متوقعة. فهم مستعدون للموت… على طريقتهم الخاصة وهذا ما يثير رعب شعوب الرفاهية وهلعها. |
|
السيكولوجيون الأميركيون كانوا قد طرحوا المشكلة منذ الثمانينات. وتحديداً مع ظهور الإيدز. حين نبهوا من قصور نظام القيم الأميركي وعجزه ووجدوا الحاجة ملحة إلى تدعيم هذا النظام لبناء خطوات وقائية _ أخلاقية. أما رفض التضحية البشرية، فهو قد تبدى واضحاً في معادلة حرب فيتنام ورفض الجمهور الأميركي لها. ثم عاود الظهور عقب إصابة الجنود الأميركيين بما سمي ب"أعراض حرب الخليج" (تم إثبات علاقتها بإشعاع اليورانيوم الخامد المستخدم في صناعة الأسلحة الأميركية). وتطور الخوف من الوقوع ضحية الصراع من الحروب إلى الإرهاب وقد وصل هذا الخوف إلى قمته عندما أعلن أن شرق أوسطيين (أي عرب) هم المسؤولون عن انفجار أوكلاهوما؟! |
|
وهكذا وصل الخوف من وضعية الضحية البشرية لدى الولايات المتحدة وسكانها إلى حدود الخوف من أشخاص وتحويلهم إلى نوع من البعبع على غرار بن لادن وغيره. فها هي الكتب الأميركية تعلن الذعر الجماعي والرعب من شخص بن لادن. في حين تعلن كتب أخرى عن حاجة أميركا لتوسيع حلف الناتو واحتواء الاتحاد الروسي. وبهذا المعنى يمكن اعتبار كوسوفو خطوة أميركية نحو القوقاز. وعليه فقد خلفت هذه الحرب صدمة من نوع خاص. إذ أعلنت، أو قل فضحت، إن التصميم هو الطريق لمواجهة التمادي الأميركي في تحقيق المكاسب وتثبيت المصالح. وهذا التصميم لا يجد متنفسه إلاّ عبر انبعاث الفاشية (أو ما يطيب للإعلام الأميركي تسميته بالحركات الفاشية). |
|
ونأتي إلى الداخل الأميركي حيث تدهور القيم يبلغ مداه بعد نهاية الحرب الباردة. فقد غابت تهديدات الشيطان الشيوعي وهو غياب أسقط معه أسلوباً طريفاً من البدع القيمية. وهو أسلوب القيم المعاكسة. فأصدقاء الشيوعيين هم أعداء الأميركيين وقس عليه. وهذا ما جعل هنتنغتون يتساءل في مقالته "تآكل المصالح الأميركية" عما إذا كانت الميليشيات الأميركية البيضاء مستعدة لتفجير أوكلاهوما لو كان للولايات المتحدة عدو؟ لو ليس غياب العدو هو الذي يفجر تناقضات ليست كافية بحد ذاتها لتفسير الضعف الداخلي الأميركي. فهذا الضعف لا تفسير له سوى تعطل جهاز القيم الأميركي وفقدانه للتوجه مع تركيزه على الرفاهية الاقتصادية التي تبدو راهناً وكأنها القيمة الأميركية الوحيدة!. |
|
الأكاديميون الأميركيون يعرفون بالتفصيلات مظاهر هذا الضعف وهم يعملون بجدية على تعويضها. وربما كان تسخير الإعلام وكاتب من أشهر الكتاب الصحفيين أحد وسائل هذا التعويض. |
|
وفي التفصيلات أن الصحفي المعروف جداً بوب غرين (Bob Green) أصدر كتاباً جديداً بعنوان "الواجب _ أب وابنه والرجل الذي كسب الحرب". |
|
منذ البداية تستغرب العنوان والموضوع والمحتوى. حيث تتساءل هل يحتاج مهني محترف في عالم الصحافة ويغوص في خباياها وأسرارها إلى مثل هذا الموضوع؟ فموضوع الكتاب حوار مبتور مستلحق بتسجيلات استمع إليها غرين. وفيها يتكلم الوالد عن ذكرياته في الحرب العالمية الثانية حيث يكرر الإشارة إلى اسم مرجل يدعى بول تيبيتز وفي كل مرة يذكر الاسم ويذكر معه أنه هو الرجل الذي كسب الحرب! |
|
وبول تيبيتز هذا لمن لا يعرفه هو الذي ألقى القنبلة النووية على هيروشيما. منفذاً بذلك الأوامر الصادرة إليه. جامعاً فريقاً سرياً مؤلفاً من 1800 شخص. ثم قاد طائرته (أسماها على اسم أمه "إينولاغي") ليلقي القنبلة ليصبح صانع أكبر كارثة صناعية في تاريخ البشرية (حتى الآن؟!). كان لا بد لبول أن يصاب بعارض الصدمة لما فعلت يداه ومن الطبيعي أن تكون صدمته بحجم الكارثة التي خلفها. وهذه الصدمة تتبدى بشكل رئيسي بما يدعى "مشاعر الذنب لدى الناجين من الكارثة". |
|
ولو أننا أخذنا الأمور من الناحية الاختصاصية (السيكاترية) لأمكننا التشديد على ضرورة قيام بول بقتل نفسه (بالانتحار). لكنه تلقى علاجات مكثفة على ما يبدو حتى اكتفى بالانطواء والانسحاب. حتى أن المؤلف حاول طوال عشرين عاماً مقابلة بول ولم ينجح. ولكنه نجح في إتمام هذه المقابلة بعد سماعه للأشرط’. فتمت المقابلة بهذه الحجة! بل إن العلاقة تحولت إلى صداقة اكتشف بول خلالها الخصائص الإيجابية الفريدة في ذلك الجيل! |
|
وهو يلخص هذه الخصائص بعبارة واحدة "الإحساس بالواجب"! ويخوض غرين في الجوانب العاطفية والوجدانية للعلاقة مع الأهل . ويركز على كون معظم الأميركيين الحاليين لا يعرفون هذه الجوانب ولا يقدرون الخصائص الإيجابية في الجيل السابق…الخ. |
|
لكنك فجأة تصحو من آثار التنويم المغناطيسي لتتساءل باستنكار ماذا يريد غرين؟ أتراه يريد تبرير جريمة قتل ملايين البشر بقرار من رجل وبتنفيذ من رجل آخر؟! أم هل تراه ترك عمله الصحفي ليساعد الوكالة في تهيئة الجمهور لتقبل عبارة نيكسون الشهيرة:"… على أعدائنا أن يدركوا أننا سنصبح حمقى إذا ضربت مصالحنا…". مع أن حماقة نيكسون تميزت بوجود الحدود له وبالتالي للمصالح الأميركية. أما اليوم فإن هذه المصالح لم تعد تعترف بأي حدود! وهذه حماقة بحد ذاتها! كما قد يسأل القارئ عما إذا كان غرين يسعى للإسهام في اختلاق قيم أميركية جديدة أو إعادة إحياء بعض قديمها؟ أو ربما هو أسهم في العلاج بل وهذه الفرضية الأخيرة مستبعدة لأن بول توفي منذ بضعة أشهر. والكتاب يلقى رواجاً كبيراً في الولايات المتحدة ويأتي في المرتبة الثانية في قائمة"أمازون" للكتب الأكثر مبيعاً في أميركا. لكن هذا النجاح ليس سوى استغلال لحاجة الأميركيين إلى سد الفراغ في حياتهم العاطفية. وهو الفراغ نفسه الذي يدفعهم باتجاه المخدرات حيناً وباتجاه تايسون المغتصب ومونيكا الداعرة أحياناً أخرى … إنه مجتمع يبحث عن قيم وعلينا أن نجد له عدواً يرضيه ويوجه قيمه قبل أن يتحول الأميركيون إلى حمقى، وعندها ستكون الكارثة أكبر من أي توقع!؟. |
|
|