المحللون العرب ورؤيتهم للأزمة العراقية

 

ميشيل كيلو

العراق دولة مارقة

   

 

 

العراق دولة مارقة!

 
 
        زعمت اميركا اول الامر ان هدفها اعادة المفتشين الدوليين الى العراق, ثم اعلنت ان لها هدفاً اوحد هو اسقاط نظامه وزعم المرجفون من العرب ان ثمة تباينات في صفوف قيادتها حول العراق, وأن جناح الحمائم يرفض ما يختاره جناح الصقور, وحين جاء وقت اعلان الموقف النهائي تبين ان الحمائم اشد اجراماً من الصقور, وانقلب وزير خارجيتها كولن باول الى رئيس اركان حرب القوات المشتركة, الذي كانه اثناء حرب الخليج الثانية, فهدد بمنع عودة المفتشين الى العراق, رغم ان قرارات مجلس الامن تنص على حتمية عودتهم, التي كانت اميركا تتذرع بها من اجل ضرب العراق. وزعم العربان ايضاً ان سلطة اميركا التشريعية بمجلسيها تعارض الحرب, فإذا بهما صفاً واحداً وراء بوش وسياسة اميركا الخارجية, رغم ما فيها من مجافاة لأهداف الامم المتحدة ومجلس امنها الدولي.
بهذه التطورات الثلاثة, تصير اميركا ما كانت عليه دوماً: الدولة المارقة رقم واحد في العالم, التي لا تتخلى, رغم مروقها, عن استغلال مجلس الامن والشرعية الدولية, وعن لي عنق قراراتها وتزوير مضامينها, بموافقة المؤسسات الدولية غالباً, حتى اخذنا نعتقد ان مجلس الامن وسكرتير عام الامم المتحدة كوفي انان صارا مارقين بدورهما, لأنهما لا يفعلان شيئاً لكبح جماح اميركا, كما يحدث اليوم, او يعملان لخدمتها, كما يحدث في معظم الايام.
بالتلازم مع اعلانها تبني اهداف مغايرة لأهداف العالم وهيئاته الشرعية, وبتوحد نخبها الحاكمة في السلطتين التشريعية والتنفيذية حول حرب لا يقرها قانون او قرار دولي, اعلن الجنرال توم فرانكز, قائد القوات المركزية الاميركية, استعداد قواته في المنطقة العربية لخوض حرب شاملة ضد العراق, متى قررت القيادة السياسية في واشنطن شنها, لفرض سياسة ترفضها بقية دول العالم, لما فيها من ابطال لرغبة اممه وشعوبه في السلام, وفي حل المشكلات الدولية بالتفاوض.
باستكمال تدابيرها هذه, تكون اميركا قد اصابت عصفورين بحجر واحد, قطعت خطوة اضافية نحو تدمير الشرعية الدولية وتعطيل سعيها الى حل سلمي في العراق, المترتب على اعلانه قبول عودة المفتشين دون قيد او شرط الى اراضيه, وصعدت ضغوطها الساخنة جداً على الدول الاخرى, وخصوصاً منها مالكة حق النقض في مجلس الامن, التي وجدت نفسها امام احد اختيارين: الموافقة على تمرير قرار في المجلس, يتضمن شروطاً جديدة, متشددة الى ابعد حد, بأمل ان يرفضها العراق فتعتبر اميركا رفضه ذريعة لاطلاق رصاصة الحرب الاولى, او الوقوف جانباً عندما ستخوض اميركا الحرب منفردة, دون اي غطاء دولي, اذا ما رفض مجلس الامن اصدار قرارات تشرعن فعلتها, لتحقيق هذا الهدف المزدوج, كثف بوش ضغوطه على روسيا وفرنسا والصين, كي لا تستخدم حق النقض ضد مشروع القرار الذي سيقدم الى مجلس الامن, وأعلنت الحمامة المسماة كولن باول بلهجة قاطعة ان بلادها ستذهب الى الحرب دون الرجوع الى مجلس الامن, ان لم يتخذ قرارات ومواقف تتفق وأمنها القومي, او رفض صدام الانصياع لما هو مطلوب منه, وقد تمنع عودة المفتشين الدوليين الى العراق!
باسم قرارات دولية قيل ان العراق لم ينفذها, تعلن واشنطن عزمها شن الحرب عليه, ثم تعلن باسم مصالحها القومية وحق الدفاع عن النفس!! رغبتها في تعطيل مجلس الامن وعودة المفتشين. وهي تؤكد اليوم رغبتها في شن الحرب ضد ارادة ورغبة اغلبية دوله, الحليفة او الصديقة لها! فهل يحق لأميركا التحدث اصلاً باسم قانون دولي تنتهكه وتدوسه بقدميها؟ وهل كان يجب تركها تستخدمه بطريقتها القاتلة للعدالة, التي كان جلياً انها ستقود الى موقف تستخدم فيه جيوشها ضده وضد الشرعية الدولية وبقية العالم, مثلما تفعل اليوم؟ ما التسمية التي يجب ان تطلق على سلوك اميركا هذا؟ ألم تلقب هي الدول التي اعتبرتها خارجة على القانون الدولي بالدول المارقة, مع انها حكمت عليها بمعايير مصالحها القومية, المجافية والمناقضة للقانون الدولي ولمصالح بقية البشرية؟ وما الضرر الذي يمكن ان يصيب العالم, ان تركت دولة من حجم اميركا تمارس مروقها دون رادع؟ وهل تكون الحياة الدولية ممكنة اساساً, اذا ما وضعت بقية الدول, وفرضت مواقفها وإرادتها بالقوة على الآخرين, الذين لا يجدون مفراً, عندئذ, من الاقتداء بها والتحول الى مارقين وخارجين على القانون الدولي؟
تمارس اميركا اليوم سياسة على قدر مخيف من الخطورة, ليس لأنها تصر على مهاجمة العراق وضربه وتقرير نوع نظامه وأسماء حكامه, بل لأنها تقول بلغة واضحة: ان مصالحها وسياساتها ستكون من الآن فصاعداً مقياساً اوحداً للسياسات الدولية جميعها, مهما استحال التوفيق بينها وبين القانون الدولي والشرعية الدولية, وان العالم سيقبل مرغماً مواقفها دون مناقشة, ودون قيد او شرط, وإلا رمته الى فوضى وعنف شاملين, ولتذهب البشرية الى الجحيم!
لا تخرج اميركا على السياسات الدولية وحدها, بل هي تخرج على السياسة, وتتحول الى بلطجي يغتال مشتركات الانسانية وقيمها, واستقلال الدول وحريتها ذلك وضع لا يجوز القبول به او السكوت عنه, وإلا عدنا الى شريعة الغاب, حيث يقتل المارق والخارج على القانون, من يتقيد به, ولا يترك له من سبيل غير التحول بدوره الى بلطجي ومارق.
تدفع اميركا العالم الى طور متقدم من الهمجية, يجب الرد عليه انطلاقاً من فلسطين والعراق, حيث المعركة في حقيقتها معركة دفاع عن الانسان والانسانية, اميركا في جانب والعالم في جانب آخر: هذه هي المعادلة, فهل يجوز ان لا ننخرط فيها, او ان نخسرها!
ميشيل كيلو

 

Home