مقــالات جــديـدة

للإطــلاع على مقالات الموقع الجديدة إضغــط هنــا

للإطلاع على أعمال المركز على الشبكة في المواقع الأخرى إضغط هنا       

 للإطلاع على مقالات سابقة 

 

 

 

 

العرب الأمريكيون وأحداث سبتمبر
د. رشدي سعيد

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الولايات المتحدة قد تغيرت تغيرا كبيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. فقد فاجأت هذه الأحداث الأمريكيين وأفقدتهم الإحساس بالأمان الذي كان موقع بلادهم الجغرافي البعيد وقدرتها العسكرية المتفوقة تعطيانه لهم.
وأثبتت هذه الأحداث أن من الممكن لمجموعة صغيرة من الشباب بقليل من الإمكانيات والكثير من الإيمان بأيديولوجية عدوانية أن يسببوا أكبر الأضرار لمهابة واقتصاد اعتى الدول.
وقد انتهز المحافظون الجدد الذين كانوا قد تولوا شؤون الحكم بالولايات المتحدة قبل هذه الأحداث بشهور معدودة الفرصة لدعم وتأكيد برامجهم الخاصة بالأمن القومي والعلاقات الاجتماعية، وهي البرامج التي كانوا يدعون إليها في تردد كبير.
اما عن الأمن القومي، فقد زادت الأحداث من اقتناعهم بصحة نظرتهم في أن تحقيقه لا يمكن أن يتم بحماية حدود الدولة فقط، بل لابد من الهجوم المسبق على أية دولة تؤوي وتشجع أي جماعة عدوانية تجند الشباب وتتخذ من الإرهاب طريقا، حتى وإن أدى الأمر إلى احتلال هذه الدولة وتغيير نظامها وقادتها.
وتمثل هذه الدعوة انقلابا كاملا على المبادئ الأساسية التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة والأساس الذي انبنى عليه النظام العالمي الجديد والقائم على احترام مبدأ سيادة الدول ومنع التدخل في شؤونها الداخلية.
وبطبيعة الحال فإن الدول المرشحة للهجوم عليها هي تلك التي خرج منها من قاموا بأحداث سبتمبر، وكلها دول عربية أو إسلامية.
وقد انعكس هذا 
التوجه الجديد على الجالية العربية الأمريكية التي وجدت نفسها محل ارتياب بعد الأحداث، وبلادها الأم صارت محلا لهجوم مستمر وتهديد بشن الحرب. ودولة فلسطين التي تتمتع عند كل عربي بوضع خاص، صارت محل تصفية كاملة دون أن يثير ذلك غضب أحد.
كانت أثار هذه الأوضاع الجديدة كبيرة على الجيل الأول من المهاجرين، الذين ما كانوا يتصورون أنهم سيضطرون في يوم من الأيام للاختيار بين الولاء لبلدهم الجديد، والولاء لبلدهم الأم.
وقد عرفت الكثيرين من مهاجري الجيل الأول ممن حلوا هذا الإشكال، وقاموا بهجرة معاكسة إلى الوطن الأم، لأنهم لم يتصوروا قيام وطنهم الجديد بدخول حرب لتدمير الوطن الأم.
ما أفراد الجالية العربية من الجيل الأول ممن فضلوا البقاء في وطنهم الجديد فقد انعكست المشاكل التي جاء بها توزع ولاءهم، على أحوال الجمعية العربية الأمريكية الوحيدة التي يمتد نشاطها من المحيط إلى المحيط. وهي الجمعية العربية الأمريكية لمكافحة التمييز، والتي تمثل أكبر تجمع عربي بالولايات المتحدة.
فقد اختلفت آراء أعضاء الجمعية حول ما ينبغي أن يكون عليه موقف الجالية العربية الأمريكية حيال الأحداث غير المواتية التي تجابه العرب وأوطانهم الأم.
من جهة، حرصت فيه قيادة الجمعية على الشكل الأمريكي للجمعية وعلى دورها في تمكين العرب الأمريكيين من الدفاع عن حقوقهم المدنية، وتنظيمهم لكي يصبحوا عنصرا فاعلا في العملية السياسية الأمريكية، ومكافحة التمييز ضدهم والوقوف مع منظمات حقوق الإنسان ضد القوانين الجديدة التي استنتها حكومة الرئيس جورج دبليو بوش، والتي تعطيها حق الاعتقال دون توجيه اتهام، والتحقيق بدون حضور محام.
ومن جهة أخرى أراد عدد كبير من أعضائها أن يروا جمعيتهم تتخذ موقفا واضحا من قضايا العرب، وأن ترفع صوتها ضد العدوان على العراق وضد السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
وفي هذا الصدد فإن قضية فلسطين هي القضية المحورية عند كل العرب، وبالأخص أبناء فلسطين والشام، الذين يمثلون الأغلبية من أعضاء الجمعية. وقد رأى عدد من قادة الجمعية أن مثل هذه المواقف ستعزل الجمعية وتقطع صلاتها مع الإدارة مما قد يعطل عملها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.
ورغم اتساع نشاط الجمعية، فإن عضويتها لا تتجاوز ثلاثة آلاف من العرب الأمريكيين، الذين يبلغ عددهم أكثر من ثلاثة ونصف مليون عربي، وصل نصفهم إلى الولايات المتحدة في السنوات العشرين الماضية.
وهؤلاء ينتظمون في جمعيات صداقة أو جمعيات طائفية محلية تتمحور في معظمها حول دور العبادة التي ينتمون إليها، ولمعظمهم اهتمام خاص بمدارس الأحد التي تحاول الحفاظ على تراثهم الديني، وتتيح لأبنائهم وبناتهم فرص التعارف بغرض الزواج.
ولا يشكل العرب الأمريكيون عنصرا فاعلا في الجمعيات الإسلامية الكبرى في الولايات المتحدة، والتي تتكون من نواة من المسلمين السود، أو من مسلمي آسيا. ويندر أن تجد من بين العرب الأمريكيين من الجيل الثاني أو الثالث، واحدا في أي من هذه التنظيمات، وهو ما يعطي الانطباع بأن مشاكل التواؤم مع المجتمع الأمريكي، تخص في أغلبها الجيل الأول من المهاجرين.
وإذا أخذت عائلتي مثالا لذلك، فستجد أنه يمكن اعتبار أحفادي أمريكيين أكثر منهم عربا، وعلى الرغم من افتخارهم بخلفيتهم الحضارية وأصولهم العربية، إلا أنهم لا يجدون الكثير مما يمكنهم من التجاوب مع الحضارة العربية.
 
فهم وإن نطقوا العربية، لا يقرأونها. كما أنهم لا يتجاوبون مع برامج التليفزيون العربي المتاحة لهم عن طريق الأطباق أي تسلية.
وهم لا يختلفون في هذا الخصوص عن أحفاد الجاليات التي سبقتنا في الهجرة إلى الولايات المتحدة. وفي ظني أن الجزء الأكبر من الأمريكيين العرب لهم تجربة مماثلة.
ولا يستطيع واحد ممن عاشوا أحداث سبتمبر، أن ينكر أنها تسببت في موجة من العداء للعرب الأمريكيين والمسلمين. إلا أنه من الإنصاف القول بأن كثيرا من الجهد قد بذل لاحتوائها على الرغم من محاولات تيار المحافظين الجدد وأنصار إسرائيل من إزكائها.
ومن أحدث ما جرى في هذا الخصوص، صدور بيان من تيار المحافظين الجديد، يرد على بيان أصدرته نقابة المدرسين يدعو إلى التسامح العرقي. فقد أصدرت النقابة بيانا مع بدء العام الدراسي الجديد يرشد المدرسين إلى ضرورة التأكيد على مبدأ التسامح العرقي والديني عند الإشارة إلى أحداث سبتمبر، وإلى عدم توجيه اللوم للمسلمين بسببها.
وعلى الفور صدر بيان آخر وقعه وزير سابق للتعليم، وزوجة نائب الرئيس الأمريكي، يحمل على بيان نقابة المدرسين، ويطالب بضرورة التأكيد للتلاميذ على أن الولايات المتحدة لها أعداء يضمرون لها الشر، وينبغي الوقوف ضدهم.
ولا أستطيع من موقعي أن أعرف مدى وقع بيان المحافظين الجدد على مدارس الولايات المتحدة، ولكن المدرسة الوحيدة التي أعرفها لم تأخذ به. ولعل ذلك راجع إلى كونها تقع في واحدة من أكبر المدن الأمريكية، حيث تتنوع أعراق وديانات التلاميذ، مما قد يجعل من دعوة المحافظين الجدد إعلانا للنزاع.
وربما يكون لهذا البيان صدى أكبر في المدارس البعيدة عن المدن الكبرى، والتي لا تتنوع فيها الأعراق والديانات.
Home

 

اضطهاد العرب في اميركا
عن الجزيرة

بقلم: علاء بيومي*

الخوف من أن تتعرض حقوق وحريات مسلمي وعرب أميركا لانتهاكات متزايدة مستقبلا نتيجة لحملة الإدارة الأميركية على الإرهاب داخل الولايات المتحدة يعد أمرا شاغلا ليس فقط للمنظمات السياسية والقانونية المسلمة الأميركية وإنما أيضا للعديد من منظمات الحقوق والحريات المدنية في الولايات المتحدة وعلى رأسها منظمة اتحاد الحريات المدنية الأميركية (ACLU) التي أسرعت إلى عقد مؤتمر يوم الجمعة 14 سبتمبر/أيلول دعت إليه 80 من أكبر جمعيات الحقوق المدنية والقانونية الأميركية سعيا لتكوين تحالف يجمع تلك الجمعيات ويقف ضد أي محاولة للحد من حريات المواطنين الأميركيين بمختلف خلفياتهم العرقية خلال الأزمة التي يعيشها المجتمع الأميركي في الوقت الراهن. وبصفة عامة يمكن القول إن هناك ثلاثة مخاطر رئيسية يُخشى من تعرض حقوق وحريات مسلمي أميركا لها هي:

 اتساع دائرة العنف الشعبي الموجه لمسلمي وعرب أميركا
- التسرع في إصدار قوانين مقيدة للحريات
- التمييز العرقي عند تطبيق القانون
 

إتساع دائرة العنف الشعبي الموجه لمسلمي وعرب أميركا

هناك خشية من اتساع دائرة العنف الشعبي الموجه لمسلمي وعرب أميركا انتقاما منهم بسبب الشكوك المثارة بشأن هوية مرتكبي الجرائم الإرهابية.

وقد رصد مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) وهو أحد أكبر منظمات الحقوق المدنية المسلمة في أميركا أكثر من 400 حالة من حالات الاعتداء على المسلمين والعرب في أميركا وقعت في الأسبوع التالي للحوادث الإرهابية، وهو ما يفوق تقريبا عدد حالات الاعتداء التي رصدها المجلس في العام الماضي بأكمله والتي بلغ عددها 366 حالة.

وقد تعود الزيادة في عدد حالات الاعتداء التي رصدها المجلس إلى زيادة يقظة المسلمين والعرب الأميركيين أثناء الأزمة الحالية في الإبلاغ عن حالات الاعتداء عليهم حتى لا تمر دون وقفة أمامها، ومحاولة منهم لتنبيه الرأي العام الأميركي لما يتعرض له المسلمون والعرب من تمييز داخل المجتمع الأميركي.

تعرض المسلمون والعرب في أميركا إلى أكثر من 400 اعتداء في الأسبوع التالي للتفجيرات الإرهابية، وهو ما يفوق عدد الاعتداءات التي تعرضوا لها طيلة العام الماضي والتي بلغ عددها 366 اعتداء

وقد تعود أيضا إلى نجاح المنظمات المسلمة والعربية الأميركية في تسليط قدر متزايد من الضوء -في المحافل الإعلامية والسياسية– على ما يتعرض له المسلمون من موجة عنف مضاد.

ولكنها دون شك تعبر عن حجم الضغوط الراهنة التي يتعرض لها المسلمون والعرب في أميركا، فمن المؤكد أن عدد حالات الاعتداء التي رصدتها المنظمات المسلمة والعربية لا تعد إلا جزءا من مجموع ما يتعرض له المسلمون والعرب من اعتداءات في الفترة الحالية.

ومن الواضح أيضا أن نسبة العنف المتضمن في تلك الاعتداءات في تزايد ملحوظ إذا قارناه بالاعتداءات التي اعتاد مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) رصدها، فعدد كبير من حالات التمييز ضد المسلمين التي رصدها المجلس في العام الماضي (37%) كانت حالات رفض فيها أميركيون غير مسلمين السماح لمرؤوسيهم من المسلمين سواء كانوا طلابا أو موظفين ممارسة حقوقهم الدينية مثل الذهاب إلى صلاة الجمعة أو الصلاة بالمدرسة أو بالشركة، كما أنها لم تتضمن ثلاث حوادث قتل و60 حالة من حالات الاعتداء على المساجد و40 حالة من حالات الاعتداء الجسدي على المسلمين والمسلمات في الطرقات كما هو الحال في الحالات التي يرصدها مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) حاليا.

وعلى الرغم من النداءات التي وجهها أكثر من مسؤول أميركي -بما في ذلك الرئيس الأميركي نفسه– للشعب الأميركي مطالبين إياه بالتفرقة بين مرتكبي الحوادث الإرهابية إذا كانوا مسلمين من ناحية وبين الإسلام بوصفه دينا يدعو إلى السلام والمسلمين الأميركيين الذين هم مواطنون أميركيون أبرياء من ناحية أخرى، إلا أنه لا يستطيع أحد التنبؤ بحدود أو نهاية دائرة العنف الجارية ضد المسلمين والعرب في أميركا خاصة وأن هناك حالة ترقب لما سوف تقوم به الولايات المتحدة من عمليات عسكرية خارج حدودها والتي قد توجه إلى دولة إسلامية أو أكثر وما قد ينتج عن تلك الحملات من تجديد لدائرة العنف الموجه للمسلمين والعرب في أميركا.

ومنذ 11 سبتمبر/أيلول صدق مجلس الشيوخ الأميركي على قرار يدين فيه حوادث الاعتداء على المسلمين ويثني على دورهم في المجتمع الأميركي، ثم تبعه في ذلك مجلس النواب، كما صرح العديد من المسؤولين بنفس الشيء مثل جون آشكروفت وزير العدل الأميركي والسيناتور إدوارد كيندي والنائب الديمقراطي ديفد بونير والنائب الديمقراطي جيم موران وذلك في محاولة منهم لتهدئة وإيقاف دائرة العنف الشعبي الموجه للمسلمين والمتأثرة ببعض التغطيات الإعلامية السلبية وغير المسؤولة لعلاقة المسلمين والإسلام بالحوادث الإرهابية الأخيرة.

 

حوالي 70% من الأميركيين مستعدون للتضحية ببعض حرياتهم من أجل محاربة الإرهاب

 

ولعل حدة الغضب الشعبي غير المسبوق على مرتكبي حوادث 11 سبتمبر/أيلول والرغبة العارمة في الانتقام منهم هي أخطر المظاهر التي أنتجتها الأحداث الإرهابية، ذلك لأن الرأي العام الأميركي الغاضب أصبح قابلا لأي سياسات قد تشعره بالانتقام حتى لو انتقصت من حرياته، حيث يشير استفتاء لتوجهات الرأي العام أجرته جريدة واشنطن بوست بالتعاون مع وكالة "إي بي سي" أن 66% من الأميركيين أبدوا استعدادهم للتضحية ببعض حرياتهم المدنية من أجل محاربة الإرهاب، وترتفع هذه النسبة إلى 74% في استفتاء آخر أجرته جريدة نيويورك تايمز بالتعاون مع وكالة "سي بي إس".


التسرع في إصدار قوانين مقيدة للحريات

يشكل الرأي العام الأميركي الغاضب والراغب في الانتقام لضحاياه ولكرامته المجروحة أحد أهم قوى الضغط المؤثرة في صانع القرار الأميركي في الفترة الحالية، وتنعكس ضغوطه على سلوكيات ليس فقط الحكومة الأميركية وإنما على سلوكيات الكونغرس الأميركي وربما الأجهزة التشريعية أيضا.
وقد أعلن وزير العدل الأميركي جون آشكروفت عن إرساله – في يوم الأربعاء 19 سبتمبر/أيلول- مشروع قانون يسمى "قانون التعبئة ضد الإرهاب" إلى الكونغرس الأميركي يطالب فيه بمنح قوات التحقيق الفدرالية مزيدا من السلطات لتعقب المشتبه بهم، وطالب آشكروفت الكونغرس بعدم التباطؤ في تمرير تلك القوانين، وأعرب عن أمله بأن تمرر القوانين المقترحة في غضون أيام قليلة لا تتعدى الأسبوع.
ووفقا للمعلومات المتاحة عن مشروع قانون التعبئة ضد الإرهاب فإن ذلك المشروع يركز على منح المباحث الفدرالية مزيدا من السلطات والموارد للتوسع في النواحي التالية:

  1. التوسع في تعريف السلوك الإرهابي ليشمل بعض السلوكيات مثل "إرسال أموال لمنظمات إرهابية"، والتوسع في تعريف الضالعين في أعمال الإرهاب ليشمل الأفراد الذين ساعدوا من ارتكبوا أو خططوا للقيام بعلميات إرهابية سواء كانت تلك المساعدة عن علم أو كانت على غير علم (في حالة كون المساعد قادرا على إدراك أنه يساعد إرهابيين).
  2. التوسع في التنصت الهاتفي والإلكتروني على المشتبه بضلوعهم في عمليات إرهابية.
  3. مراقبة التجمعات الجماهيرية اليومية وتسجيل صور المشاركين فيها وخصائصهم في قواعد معلوماتية ضخمة ومقارنتها بصور المشتبه بهم.
  4. الحفاظ على سرية الأدلة التي يتم على أساسها القبض على المشتبه بهم والتحقيق معهم وخاصة في قضايا الهجرة.
  5. التعقب والقبض والترحيل للمهاجرين المقيمين بصفة غير قانونية بالولايات المتحدة دون أدلة معلنة ودون المرور بالمسار القضائي العادي لأن هؤلاء المهاجرين –في ظن وزارة العدل الأميركية- أكثر استعدادا للقيام بسلوكيات تضر بالأمن القومي الأميركي أو تسهيل مثل تلك السلوكيات.

يخشى العرب والمسلمون في أميركا من ازدياد معاناتهم بعد إقرار قانون (التعبئة ضد الإرهاب)، بعد معاناتهم من قانون (الأدلة السرية)

وتنحصر مخاوف المنظمات الحقوقية والقانونية من تلك المشاريع في عدة قضايا أساسية منها أن هناك قلقا يساور العديد من تلك الجماعات بأن يتم تمرير مشاريع قوانين مكافحة الإرهاب المقترحة بتسرع ودون تدقيق، الأمر الذي دفع رئيس لجنة التشريع بمجلس النواب الأميركي جيمس سنسنبرنار إلى التصريح في أكثر من مناسبة بأن مشروع قانون "التعبئة ضد الإرهاب" الذي أرسله وزير العدل جون آشكروفت إلى الكونغرس يوم الأربعاء 19 سبتمبر/أيلول "يتم مراجعته بدقة وتمهل بواسطة اللجنة للوصول إلى فهم متكامل للآثار المتوقعة لهذا المشروع". وقد صرح السيناتور باتريك لاهي رئيس لجنة التشريع بمجلس الشيوخ الأميركي بتصريحات مشابهة في أكثر من مناسبة مضيفا أنه يعكف على إعداد مشروع مماثل لمكافحة الإرهاب بعنوان "قانون تقوية أميركا".

جزء آخر من الجدل المثار بشأن القوانين المقترحة يتعلق بالخوف من تمييزها ضد الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة، وينبع هذه القلق من السوابق التاريخية المتعلقة بتعامل أميركا مع الأجانب المقيمين بها في فترات الأزمات الدولية مثل الحرب العالمية الأولى والتي شهدت طرد أميركا للعديد من المهاجرين إليها، والحرب العالمية الثانية التي شهدت اضطهاد أميركا الرسمي والجماعي للأميركيين اليابانيين، والهجوم الأول على مركز التجارة العالمي في 1993 والهجوم الإرهابي على أحد المباني الفدرالية بولاية أوكلاهوما في عام 1995 واللذين قادا إلى تمرير قوانين مكافحة الإرهاب لعام 1996 والتي ترتب عليها اضطهاد العديد من المسلمين والعرب عبر قانون الأدلة السرية.

فقد تضمنت قوانين الإرهاب لعام 1996 بعض البنود التي سمحت للسلطات الفدرالية باحتجاز المشتبه بهم على أساس من دليل سري غير معلن لمدة مفتوحة، وقد طبق هذا القانون بشكل تمييزي ضد العرب والمسلمين المهاجرين بأميركا مما دفع المنظمات المسلمة والعربية الأميركية إلى بداية حملة طويلة على مدى السنوات الأربعة الماضية لإلغاء قانون الأدلة السرية، ومازالت الحملة مستمرة حتى يومنا هذا.

هذه المخاوف لا تساور المسلمين والعرب الأميركيين وحدهم وإنما تساور العديد من الجماعات العرقية والدينية الأميركية، فعلى سبيل المثال عقدت 35 منظمة حقوق قانونية ومدنية أميركية مؤتمرا يوم الأربعاء 19 سبتمبر/أيلول مؤتمرا صحفيا بساحة النصب التذكاري الذي بني بالعاصمة الأميركية واشنطن لتخليد ذكرى معاناة اليابانيين الأميركيين إبان الحرب العالمية الثانية.. وذلك لتذكير الحكومة الأميركية بما عاناه اليابانيون الأميركيون ومطالبتها بعدم تكرار تلك المعاناة خاصة بحق المسلمين والعرب الأميركيين.

وقد شارك في هذا الاجتماع العديد من المنظمات الأميركية الآسيوية والأفريقية والعربية والمسلمة.. هذا بالإضافة إلى التحالف الأكبر الذي يسعى اتحاد الحريات المدنية الأميركية (ACLU) إلى بنائه بين حوالي 80 من أكبر منظمات الحقوق المدنية الأميركية.. وقد عقد الاتحاد مؤتمرا صحفيا مشتركا مع مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) يوم الخميس 20 سبتمبر/أيلول لتجديد مطالبهم المشتركة "بالموازنة بين الأمن القومي والحريات الأميركية الأساسية".

التمييز العرقي عند تطبيق القانون

تخشى المنظمات المسلمة والعربية الأميركية من أن قانون الإرهاب لعام 1996 قد طبق بصفة تمييزية ضد العرب والمسلمين المقيمين في الولايات المتحدة، كما تخشى من أن تطبق أي قوانين مستقبلية بالأسلوب نفسه، والواضح أن مسألة التمييز عند تطبيق القانون هي أحد الانتقادات الأساسية الموجهة ضد المؤسسات الأمنية والقضائية الأميركية، فتاريخ تمييز تلك المؤسسات ضد الأفارقة الأميركيين مازال ماثلا في الأذهان بل إنه واقع فعلي حيث صوت معظم الأميركيين الأفارقة لآل غور في انتخابات الرئاسة الأميركية السابقة خوفا من أن يؤدي مجيء رئيس جمهوري للحكم إلى زيادة التمييز ضدهم، حيث إن محاربة التمييز العرقي لم تكن أحد أولويات الجمهوريين تاريخيا، لذلك أعلن بوش فور فوزه بالرئاسة وعند اختياره لجون آشكروفت لرئاسة وزارة العدل الأميركية بأنه سيجعل قضية محاربة التمييز العرقي من قبل المؤسسات الأمنية أحد أهم أولويات إدارته وأنه طالب آشكروفت بإجراء بحوث شاملة بشأن القضية.

والواضح أيضا أن قوائم المنظمات التي تمثل تهديدا إرهابيا للأمن الداخلي بالولايات المتحدة تضمن جماعات من خلفيات عرقية ودينية مختلفة، فهناك الجماعات اليمينية المتطرفة مثل جماعة الأمة الإيرانية، والجماعات اليسارية المتطرفة مثل حزب عمال العالم، وبعض الجماعات المتطرفة التي تركز وجودها على قضية معينة مثل الجماعات المعادية للإجهاض والتي تشن هجمات إرهابية كل حين وآخر على بعض العيادات والمراكز الطبية التي تخالف اعتقاداتها.

كشفت أزمة التفجيرات الإرهابية والاعتداءات التي تعرض لها المسلمون والعرب عن حاجتهم المتزايدة إلى ضرورة تفعيل دورهم الإعلامي والسياسي لاستئصال جذور العداء للإسلام والمسلمين من المجتمع الأميركي والقضاء على أي مخاوف مستقبلية من تعرض حقوقهم للخطـر

ورغم ذلك يعتبر قلق المسلمين والعرب في أميركا من تزايد تمييز السلطات الأمنية ضدهم مبررا لعدة أسباب، منها الإعلام الأميركي المنساق خلف اللوبي المعادي للمسلمين في الولايات المتحدة والذي يضم جماعات عرقية ودينية متشددة عديدة وينسقه اللوبي الإسرائيلي، ومنها أيضا علاقة الحكومة الأميركية الخارجية السلبية بالعديد من الجماعات والمنظمات العربية والمسلمة الأمر الذي يخلق بؤر توتر مستمرة في نظرة الرأي العام الأميركي للإسلام والمسلمين، وهناك حقيقة ثالثة تتعلق بطبيعة المجتمع المسلم والعربي الأميركي الذي يضم بين جناحيه العديد من المهاجرين الجدد بالولايات المتحدة، والواضح أن السلطات الأمنية الأميركية أكثر استهانة بحقوق المهاجرين إليها خاصة وأن العديد من الأميركيين العاديين لا يبالون بتلك الحقوق.. كل هذه الأسباب تجعل تمييز السلطات الأمنية الأميركية ضد المسلمين والعرب عند تطبيق القانون حقيقة متوقعة ومؤسفة.

وقبل أن ننهي هذا المقال يجب القول إن الأزمة الأخيرة كشفت عن بعض الإيجابيات الراسخة في علاقة المسلمين والعرب الأميركيين بمجتمعهم الأميركي ظهرت في مظاهر عديدة مثل رسائل التأييد والتشجيع التي تلقتها المنظمات المسلمة والعربية من قبل السياسيين الأميركيين وباقات الزهور التي سارع المواطنون الأميركيون بوضعها أمام المساجد بمختلف أنحاء أميركا، وبعض التغطية الإعلامية الإيجابية لجهود المسلمين والعرب الأميركيين في مساعدة بلدهم أميركا على الخروج من أزمتها رغم ما يتعرضون له من موجة عداء مضاد مدانة، وأهم من ذلك نشاط المسلمين والعرب الأميركيين غير المسبوق بمختلف الولايات الأميركية في تقديم قضيتهم العادلة للإعلاميين والسياسيين الأميركيين أثناء الأزمة الراهنة والتفافهم حول منظماتهم المحلية والوطنية وإحساسهم المتزايد بضرورة تفعيل دورهم الإعلامي والسياسي في أميركا لاستئصال جذور العداء للإسلام والمسلمين من المجتمع الأميركي والقضاء على أي مخاوف مستقبلية من تعرض حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا للخطر.

مدير الشؤون العربية - مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير).