المواقف الدفاعية للعرب الأميركيين بعد 11 ايلول
الثلاثاء الأميركي يحاصر عرب أميركا

     نستعيد اليوم ذكريات ردود الفعل المعادية للعرب والمسلمين عقب انفجار أوكلاهوما. حين تحول المجتمع الليبيرالي الأميركي الى معاداة عرب أميركا على أساس اللون والعرق واللغة والدين. في مواقف عنصرية مركبة لا تتسامح مع أي من هذه العلائم. لكن العرب يومها خرجوا أبرياء من مسؤولية الانفجار. مع ذلك فان عرب اميركا يروون الحكايات عن المضايقات التي تعرضوا لها آنذاك. وهي مضايقات استمرت حتى بعد إعلان البراءة الشرق أوسطية. هذه الذكريات تدفعنا اليوم إلى التساؤل عن أوضاع العرب الذين يعيشون في "أميركا ما بعد الثلاثاء" دون أن يكون لهم لوبي أو جماعة ضغط وبدون جمعية مكافحة تشهير (مثل اليهود) وحتى دون أن تكون لهم مرجعيات قادرة على إحصائهم وتقديم معطيات عن نوعية الحياة الأميركية التي يعيشوها. كيف يعيش هؤلاء اليوم على الأراضي الأميركية في ظل تحالف دولي معلن ضد أصولهم وفي ظل اعتبارهم مجموعات إرهابية خطيرة في الداخل الأميركي؟.

        نعود الى أجواء الانتخابات الأميركية الأخيرة بوصفها مناسبة لتعويض نقص التنظيم والمعلومات في أوساط العرب والمسلمين الأميركيين. فالتنافس الشديد في تلك الانتخابات أعطى لهذه الفئة من المهاجرين الأميركيين أهميـة غير مسبوقة فتنافس المرشحان على أصوات هذه الجالية. وبمراجعة تلك الفترة نستخلص بعض المعلومات والمعطيات الهامة عن أوضاع هذه الجالية. وأهم هذه المعلومات التالية:

1.    أنها تميل نحو الديمقراطيين شأنها شأن سائر الأقليات الأميركية. بحيث لم يؤثر ترشيح يهودي ديمقراطي نائبا" للرئيس على هذا الميل ( مما يعكس وهن الانتماء العربي للجالية).

2.    أن انتماءات أفراد الجالية لا علاقة لها بالأصول العرقية. ولها في الغالب طابع براغماتي نفعي. مع محاولات دائبة للانخراط التام في المجتمع الأميركي.

3.    أن المرشح اللبناني الأصل رالف نادر يجسد هذه المحاولات وصولا" إلى الترشيح لمنصب الرئاسة. وهو استقطب هذه الفئة من العرب الأميركيين على حساب الديمقراطيين. فحرمهم من أصوات هذه الفئة ليصب ذلك في مصلحة الجمهوريين ومرشحهم بوش.

4.         عدم وجود منظمات حقوق لهذه الجالية مما يجعلها فاقدة للتماسك.

5.    تجسيد هذه الجالية لكامل الصراعات العربية العربية والعربية الداخلية ( هنا لابد من التذكير باستعداد بعض العرب الأميركيين للإساءة إلى أقطارهم بوحي من الاستخبارات الأميركية).

6.    الظهور المتأخر للعنصر الديني كعنصر يجمع أفراد هذه الجالية. في حين شكل المحور الديني أساس التواجد اليهودي في أميركا منذ القرن السابع عشر. وفي حين تستند كل المنظمات اليهودية الأميركية إلى العنصر الديني.

7.    التناقضات والتناحر بين المجموعات المختلفة المكونة لهذه الجالية. والتي ظهرت على السطح بمناسبة الانتخابات لتعلن عن الصعوبات المعترضة لتكوين جماعة ضغط عربية.

8.    أن الإسلام الأميركي ( جماعة فرقان والبهائيون الجدد وغيرهم ) لا علاقة له بالإسلام الشرق أوسطي. لذلك يختصر الأميركي العادي مصطلح الشرق أوسطي بوصفه عربيا"-مسلما" ( بينت الدراسات أن الأميركي العادي يعتقد أن ايران وباكستان وأفغانستان هي دول عربية وأنه يجهل وجود مسيحيين ويهود عرب).

من خلال هذه المعطيات يتضح لنا عدم وجود منظمات حقوق عربية قادرة على حماية عرب أميركا من ردود الفعل العنصرية ضدهم. التي تبدت بارتفاع معدل البطالة بينهم وفقدانهم لأماكن عملهم. مع تعرضهم لاعتداءات متكررة جعلتهم يعيشون شبح التهديد المستمر. الأمر الذي يستتبع السؤال عن الانعكاسات النفسية لهذا الشعور مضافا" إليه مظاهر التمييز والعداء السابقة للثلاثاء وردود الفعل العنصرية التالية له؟. والجواب على هذا السؤال يقتضي مناقشة النقاط التالية:

      1.         الكارثة المعنوية

يمكننا تعريفها اختصارا" على أنها حدث صدمي يتسبب بخسائر معنوية مؤثرة على تقدير الذات وتكاملها. فإذا كانت هذه الكارثة فردية فانها تكون كافية لتبرير أفكار الانتحار أو حتى تنفيذ هذه الأفكار. أما إذا كانت جماعية فإنها تدفع بالجماعة الى توظيف قدراتها باتجاه تعويض آثار الكارثة. حتى لو كان هذا التعويض متعارضا" مع مصالح الجماعة. فلو نظرنا لهذه التوظيفات من الوجهة البراغماتية السائدة في أميركا أمكننا وصفها بالهيستيريا الجماعية. وذلك على عكس تقبل وتفهم الوجهة الإيديولوجية لهذه التوظيفات. وهنا يمكننا القول أن كارثة الثلاثاء كانت معنوية بالنسبة للأميركيين وإدارتهم. لكنهم لم يلحظوا أن ردود فعلهم تجاهها أتت غير براغماتية. بل هي إيديولوجية صافية. بحيث يمكن التأكيد على أن الثلاثاء الأميركي وضع النهاية لادعاء نقض الإيديولوجيات الأميركي.

في المقابل كان ذلك الثلاثاء كارثة معنوية بالنسبة لعرب أميركا أيضا". فهم مواطنون أميركيون يرتبط مستقبلهم بمستقبل البلد ويعانون معاناة باقي المواطنين. لكنهم يقعون في ثنائية عواطف بين الانتماء الأصلي وذلك المستحدث. وتتضاعف كارثتهم المعنوية بتحولهم الى الاستهداف وممارسة التمييز ضدهم بسبب انتمائهم العرقي (قتل قبطي مصري في أعقاب الثلاثاء) وتوابعه من لون ولغة ودين وغيرها.

      2.        الاستعداد للكارثة

الكارثة المتوقعة تكون أقل وطأة من تلك الفجائية. كون التوقع يعطي الفرص للاستعداد لمواجهة الكارثة. وغني عن القول أن الكارثة الأميركية لم تكن متوقعة بحال. أما كارثة العرب الأميركيين فكانت متوقعة بوصفها ردة فعل على أحداث الثلاثاء. ولقد جاءت خطوة الرئيس بوش بزيارة المسجد ،ودعوته الأميركيين إلى عدم مضايقة مواطنيهم العرب، من ضمن خطوات الاستعداد والوقاية من الكارثة.

      3.        مصادر التهديد

تبين الدراسات السيكولوجية الأميركية عجز الأميركيين البيض عن القبول الكامل للملونين. فهم يؤيدون منحهم كافة الحقوق لكنهم يتجنبون الاحتكاك المباشر معهم (منها دراسة معروضة في مؤتمر الجمعية النفسية الأميركية). وهكذا فان غالبية البيض الأميركيين هم عنصريون نائمون ( بمعنى أنهم لا يمارسون عنصريتهم مباشرة) تحركوا بعد الثلاثاء دون أن يشكلوا مصدر تهديد حقيقي. اذ أن مصادر التهديد الحقيقية تتمثل بالنازيين الجدد ( الميليشيات الأميركية البيضاء المسؤولة عن انفجار أوكلاهوما) وباليهود (الذين لايفوتون مثل هذه الفرصة الذهبية لتشويه صورة العربي والتحريض ضده) وأيضا" بأجهزة الأمن الأميركية التي تريد تعويض تقصيرها في ذلك الثلاثاء. فإذا ما راجعنا سلوك هذه الأجهزة ضد السود في حوادث سينسيناتي الأخيرة (أبريل 2001) نجد أن وصف هذه الأجهزة بمصدر تهديد للعرب ليس وصفا" مبالغا". فقد تصرفت هذه الأجهزة في سينسيناتي ، وبأوامر من قيادتها، بصورة مخجلة لما تدعيه الولايات المتحدة من ليبيرالية وحقوق إنسان وغيرها.

وهكذا يمكننا اختصار مصادر التهديد باليهود والعنصريين والأمنيين مع إضافة العنصرية الأميركية العامة الممارسة على صورة النبذ (أي عنصرية سلبية).

4. نوعية التهديدات

        تتنوع التهديدات التي يتعرض لها عرب أميركا لتطال كافة الصعد الحياتية فهي تطال:

-    الأمن الشخصي (الاعتداءات المتكررة على الأفراد وصولا" إلى القتل العمد. بالإضافة الى الأضرار المادية الشخصية التي تؤثر على مستوى معيشة الفرد وعلى مكانته الاجتماعية والإنسانية عموما").

-    الأمن الجماعي ( صدرت فتاوى بالسماح للمسلمات بنزع الحجاب تجنبا" لتعرضهن للاعتداءات بما يعكس الإحساس بالفقدان الكلي لأمن الجماعة).

-    الأمن الاجتماعي ( من مظاهره فقدان مكان العمل والتحول الى البطالة لفترة قادمة. مضافا" اليها تحول الجماعة الى متهمة جاهزة ودائمة في ظل صلاحيات أوسع للأجهزة الأمنية الأميركية بعد الثلاثاء).

5. تكرار الصدمة 

تشكل الهجرة بحد ذاتها مؤشرا" على تعرض المهاجر لجملة صدمات سابقة للهجرة. هذه الصدمات التي تصنف تحت تسمية دوافع الهجرة. ولو نحن حاولنا مراجعة دوافع هجرة العرب الأميركيين لوجدنا أن الفقر يأتي في طليعة هذه الأسباب تليه الأسباب السياسية والاجتماعية ويدعمه إدمان نمط الحياة الأميركية. هذا النمط الذي يريح الذات من وطأة الخضوع لعناصر الأنا الأعلى وضغوطاتها ( التقاليد والضوابط الاجتماعية) التي تضع الفرد تحت مجهر اجتماعي فتربط تقديره لذاته بآراء الآخرين. حتى يحس بأنه مجبر على السعي لجلب قبولهم مع ما يقتضيه ذلك من تضحيات. في حين يقدم نمط الحياة الأميركي حرية التصرف بمعزل عن أحكام الآخرين. فإذا ما أدمن شخص ما هذا النمط فانه يجد صعوبة في العودة الى مجتمعه الأصلي. ومن هنا تأتي قدرة التذويب الهائلة للمجتمع الأميركي. لكن حوادث من نوع سينسيناتي ولوس آنجلوس وليتل روك وما بعد الثلاثاء من شأنها أن تحرم هذا المجتمع من قدراته التذويبية. وهو حرمان ينعكس بشكل كارثي على مستقبل الولايات المتحدة. وردود الفعل على هذا الحرمان بدأت بالظهور واضحة. إذ أصبحت الأقليات العرقية تطالب بالحفاظ على هويتها وخصوصيتها بعد أن بقيت لغاية أواخر الثمانينيات تطالب بدعمها لتكامل (الذوبان) في المجتمع الأميركي. ولعل أولى المظاهر المؤذية لهذا الحرمان هو تهديد اللغة الإسبانية للغة الإنجليزية. حيث تنامي أعداد المهاجرين من أميركا اللاتينية وتكاثرهم سيجعل من الأسبانية اللغة الطاغية في الولايات المتحدة.

وفي عودة الى العرب الأميركيين يمكن القول أن هذه الصدمات/ التهديدات التي يتعرضون لها هي صدمات إضافية إلى صدماتهم السابقة. وهي ستخلف لديهم مشاعر قلق من الدرجة الأولى تضاف إلى تحسبهم لوقوع كوارث لاحقة. بحيث يمكن القول أن هذه التهديدات سوف تشكل أسبابا" ودوافع طاردة تلغي مفعول التذويب الأميركي. وتجبر عرب أميركا على السعي لنيل "الاعتراف". وهو لا يتحقق دون إرساء تجمعات عربية فاعلة. فهل تكون هذه التهديدات مقدمة لإرساء جماعات الضغط العربية؟.

6. معايشة الجماعة للصدمة

كيف يعايش عرب أميركا صدمة تحولهم إلى مستهدفين من قبل السلطات كما من قبل العنصريين الأميركيين واليهود؟. حيث من المألوف عدم انتظام ردود الفعل المباشرة وحاجتها إلى التنظيم والتقنين لاتصافها بالعشوائية. خصوصا" مع غياب الجمعيات العربية القادرة على هذا التقنين وعلى تنسيق ردود الفعل بالصورة المناسبة. وعبر هذه العشوائية يمكننا تقسيم أساليب معايشة الصدمة لدى العرب الأميركيين على النحو التالي:

-   الإنسلاخ الكلي: المتجلي بالعداء السافر للعرب وللمسلمين مع تقديم القرائن على هذا الانسلاخ كمقدمة للذوبان الكلي وللتجنيد في قوائم خيانة الأصول.

-    التوحد الكلي: تبني المواقف الأصولية ومحاولة التوحد مع رموزها ،بوصفها خشبة الخلاص الوحيدة في وجه التهديدات العارمة، في رغبة جادة للخروج من حالة الذوبان.

-    الإصرار على الليبيرالية: الذي يجهد لابراز خروج ردود الفعل الأميركية على مباديء الليبيرالية وتحولها الى الإيديولوجية التي تنسف نمط الحياة الأميركية.

-          اللامبالاة: وهو موقف المذوبين كليا". وينطبق خصوصا" على الموجات القديمة للهجرات العربية إلى أميركا.

7. المعايشة الفردية للتهديدات

من غير الممكن استقرار الأشخاص في مجتمع لايؤمن لهم الحماية الشخصية. ففي غياب هذه الحماية يتخلى الشخص عن موطنه ويهاجر للحصول على هذه الحماية. لذلك لا يمكن تجاهل حوادث الاعتداء الشخصية التي أعقبت الثلاثاء الأميركي. ولقد نقلت الفضائيات مشاعر التهديد والاستنفار التي يعيشها الأشخاص الذين يعتبرون مستهدفين لهذه الاعتداءات. ولا شك أن هؤلاء قد اتخذوا ما يتوافر لديهم من سبل الحماية الفردية. وهم يعيشون حالة القلق التي يسميها الدليل الأميركي للاضطرابات النفسية ب: "اضطراب الشدة عقب الصدمية". ويحدد الدليل لهذا الاضطراب المعاناة من الأعراض التالية:

-          تكرار معايشة التهديدات على شكل توقعات أو أفكار أو كوابيس.

-          استمرارية السلوك التجنبي/ أي تجنب الأماكن والوضعيات المعرضة للخطر.

-    العلائم المرضية المصاحبة لحالات القلق العارم. مثل اضطرابات النوم والحساسية النفسية أمام المثيرات (المحتملة التهديد) وسرعة الاستثارة النفسية إضافة إلى مظاهر فيزيولوجية من نوع تسارع نبض القلب والدوار وضيق التنفس والصداع ونوبات الأمراض السيكوسوماتية (الربو والقرحة وغيرها).

هذه المعايشات الصدمية الفردية تكاد تمر بدون ملاحظة بسبب غياب التنظيمات العربية والاسلامية. ولنتصور أن مثل هذه التهديدات قد مورست ضد اليهود (وهو تصور يهدف الى تبيان الخطوات التكميلية الواجبة في مواجهة الكارثة الفردية والجمعية). في هذه الحالة كان سيتم رصد عدد وحالات الأشخاص المتوفين بسبب الاعتداءات مع عرض إعلامي مفصل لكل حالة على حدة. ثم يتم حصر إعداد المتوفين بسبب الإرهاق المصاحب للتهديدات (نوبات قلبية ودماغية وغيرها). وبعدها يتم عرض معاناة الأفراد من مظاهر الاضطراب عقب الصدمي. وتجرى دراسات علمية وبحوث حول هذه الحالات كي يتم نشرها في مجلات متخصصة والدعاية لها في الإعلام العادي. بما يشكل أرضية تنطلق منها " عصبة مكافحة التشهير اليهودية " لتوجه لعناتها إلى كافة من تفترضهم مسؤولين عن هذه الحوادث. بمن في ذلك أي شخص تفوه بكلمة إدانة بحق اليهودالخ من مظاهر الاستغلال اليهودي الهيستيري الذي يبرر استباحة الآخر والانتقام المبالغ منه. وهو ما تقابله استكانة عربية باتت مؤذية. لذا فإنه من الطبيعي أن تدعم مظاهر العدوانية الممارسة ضد العرب الدعوة لإنشاء لوبي عربي ضاغط. والأهم منه إنشاء حركة مكافحة التشهير ضد العرب. فوجود مثل هذه الحركة يمكنه أن يدفع بالعدوانيين الى كبت عدوانيتهم والتحكم فيها.

Home