المارد الصيني
الولايات المتحدة والخطر الاصفر وكوابيسه

        لا يمكن لشخص مثل جورج ووكر بوش ان يفسر حادثة الطائرة الصينية على انها مجرد نقلة من النقلات في رقعة الشطرنج الكبرى (تسمية بريجنسكي لمنطقة الحزام الاوراسي). في حين تمكن سلفه كلينتون من تسخير مرونته للاصرار على ان ضرب السفارة الصينية في بلغراد كان خطأ"!. وهذه المقارنة تلخص اتجاه التحول في السياسة الاميركية بين عهدين. فاذا ما تابعنا المقارنة وجدنا ان حادثة السفارة اكثر خطورة من حادثة الطائرة. اذ ادت الأولى لوقوع ضحايا بشرية وانتهكت اعرافا" دبلوماسية خلال حرب غير معلنة. حيث عدم الاعلان ينفي حجة الخطأ العسكري. كما شكلت حادثة السفارة مساسا" للكرامة الصينية وللمشاعر القومية. في حين حصلت حادثة الطائرة في الاجواء الدولية وبخسارة الطيار الصيني فقط ودون استفزازات معنوية. اما عن تهمة التجسس فهي مسكوت عنها. لأن الصين تعرف والعالم ان الاقمار الصناعية الاميركية تتجسس على الاعداء والاصدقاء معا".

هذه المقارنة توضح لنا ايضا" معنى خسارة بوش للحظة السيكولوجية. حيث للانطباع الأول  فرصة يتيمة. فقد بادر كلينتون يومها الى المسارعة بالاعتذار وبالتحرك كي لا يصل الامر الى حد فقدان الثقة بينه وبين الصين (ولا شك انه تحرك بسرعة ليعقد تفاهما" خفيا" مع الصينيين لاقفال ملف السفارة. حيث يرجح انه وعدهم بدعم دخولهم الى منظمة التجارة العالمية اضافة الى تنازلات اخرى في حدود الممكن ). اما في حادثة الطائرة فان فقدان الثقة قد حصل وهنا الخسارة التي تستوجب مراجعة الافكار الصينية المسبقة عن الحكم الاميركي الجديد. والتي ستركز الانظار على اي تنازل استراتيجي يقدمه بوش (مرت تنازلات كلينتون غير مرئية).  اما عن الافكار الصينية المسبقة فهي مرتبطة بالافكار التي اسسها سلوك الأب اثناء ولايته. حين عمد لاثارة مشكلة الطلاب الصينيين (عرفت بحادثة الميدان السماوي_ التي اعتبرتها الصين تدخلا" اميركيا" سافرا" في شؤونها الداخلية) وعبرها مسألة حقوق الانسان في الصين مما عكس احساسا" بالخطر وبمحاولة الاحتواء لدى المسؤولين الصينيين. لذلك كانت الصين داعمة لكلينتون في سباقه الانتخابي مع بوش الاب. وتمكنت عبر هذا الدعم من اقامة علاقة اسهل مع الولايات المتحدة. من هنا فانها كانت تتوقع عودة سلوك الأب تجاهها مع فوز ابنه. الذي لم يخيب هذا التوقع اذ بدأ عهده بتوجيه لائحة من التهم ضد الصين وسوقها في الاعلام الاميركي. حتى بدا واضحا" انه مصر على تعديل استراتيجية بلاده في المنطقة المتاخمة للصين (بعد اعتراف كلينتون بوجود مصالح صينية في المنطقة عن طريق عدم ذكر وجود مصالح اطلسية حيوية ،في تلك المنطقة، خلال تعديل استراتيجية حلف الاطلسي الأخيرة (1999). وان كان ذلك على حساب حضوره في الشرق الاوسط واماكن اخرى حساسة. وكان رد الصين حاسما" ومحذرا". اذ تناقلت وسائل الاعلام الاميركية انباء عن قيام طائرات صينية بالتحرش بطائرات التجسس الاميركية. لكن بوش تجاهل هذا التحذير وكثف من جهوده في المنطقة حتى تأكد للصين انه يسعى باصرار لاحتوائها. وعندها ازدادت الطلعات الصينية بازدياد طلعات التجسس الاميركية فكانت الحادثة.

وهكذا يتبدى لنا اننا امام استراتيجيتين مختلفتين في التعاطي مع الصين. فقد اجتمع كلينتون مع سابقه نيكسون وتركز حديثهما على السياسة الخارجية والصين تحديدا"(نقلته وسائل الاعلام الاميركية). فكان نهج كلينتون يعتمد على المعطيات التالية (استمرار لآراء نيكسون):

1.    ان استقراء تاريخ الصين يبين انها لاتهتم باعالي البحار (المناطق البعيدة عن تخومها).

2.  ان المشكلة الديموغرافية الصينية تجبر الصين على التساهل في علاقاتها الدولية شرط عدم المساس بكرامتها (يبين تاريخها حدة المشاعر القومية فيها).

3.  ان استقرار الثقة في العلاقات الصينية – الاميركية من شانها ان يجذب الصين الى التعاون شرط ضمان مصالحها. وما تعتبره حقوقها.

4.  من المستحيل الاستمرار في سياسة احتواء النفوذ (منع الاخرين من ملكية الاسلحة المدمرة) وخصوصا" في الحالة الصينية. حيث قطعت الصين اشواطا" طويلة في ملكية هذه الاسلحة. كما انها تمكنت من اخفاء حجم ونوعية هذه الاسلحة.

5.  اذا لم نفقد ثقة الصين فاننا قادرون على استيعابها عبر بعض المساعدات البسيطة. وعبر منحها افضلية الدولة الاولى بالرعاية ...الخ من التقديمات للاصدقاء.

فاذا ما انتقلنا الى سلوك عائلة بوش تجاه الصين لوجدناه معاكسا" تقريبا". بل انه مخالف تماما" لكل التحذيرات التي اطلقها نيكسون ونشرها في مذكراته حول الصين. بحيث يبدو هذا السلوك اكثر تطابقا" مع آراء زيغينو بريجنسكي (راجع كتابه رقعة الشطرنج الكبرى). بما في ذلك من تجاهل للخطر الاصفر (تعبير يرمز للصين).

        الآن وبعد حادثة الطائرة نجد ان سلوك بوش قد تجاوز الخطوط المتعارف عليها بحيث فقد ثقة الصين. وهذا الفقدان لايعني بحال ان المواجهة مع الصين باتت وشيكة. اذ يشير تاريخ الصين الى عدم استعجالها خوض المواجهات والى عدم امكانية انجرافها وراء الاستفزازات. وهذا ما عبر عنه نيكسون بالقول: "...اذا فقد الصينيون ثقتهم بالولايات المتحدة فليس ثمة مساعدة مالية او تجارية ،مهما بلغت قيمتها، من شانها الابقاء على العلاقة الصينية-الاميركية سارية المفعول. فاذ ذاك ستلجأ الصين الىنمطها التاريخي المعهود في احتواء اعدائها والانتظار آملة بامتصاصهم...". على ان تحذيرات نيكسون من اثارة غضب الصين تتكرر في مذكراته. وهو لايبالغ في هذا التكرار اذ شكلت الصين منافسا" مثيرا" للحذر منذ نهاية القرن الثامن عشر. واذا كانت قد تأخرت في البروز كمنافس على المسرح العالمي فان ذلك يعود الى طبيعتها غير المتعجلة. وحسبنا ان نعرض للتحذيرات المتكررة من المنافس الصيني. التي نبدأها ب:

1.    احذروا المارد الصيني اذا استفاق! (نابليون).

2.  ...هناك قوتان هائلتان سوف تتوزعان الكرة الارضية في القرن المقبل. وهما الصين في الشرق والولايات المتحدة في الغرب...(المفكر السياسي و الاقتصادي اوغسطين كورنو 1861).

3.  "الصين هي الخطر الاصفر" تعبير اطلقه الرئيس الاميركي روزفلت وردده من بعده عدة رؤساء وعدد كبير من الدبلوماسيين الاميركيين.

4.  تجنبا" للاشكالات المحتملة في العلاقة مع الصين اوفد الرئيس كارتر مستشاره للامن القومي زيغينو بريجنسكي الى الصين في ايار(مايو) 1978 . مما اسفر عن اعلان بيان مشترك في 15/12/78 اعلن عن تبادل علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين وكذلك تطبيع علاقاتهما مع قبول النقاط (الشروط) الصينية. بما يعتبر تبنيا" لموقف نيكسون بالعمل على ادخال الصين الى الساحة العالمية من الباب الاميركي.

5.  في موقف شبيه من موقف بوش الحالي عمد ريغان الى التشدد في العلاقات الدولية لتعويض ما اعتبره الجمهوريون ميوعة كارتر (يوازيها اليوم حديثهم عن ميوعة كلينتون). فقام وزير خارجيته الكسندر هيغ بجملة خطوات استعراضية للقوة. لذلك استبدل بجورج شولتز الذي توصل الى حل وسط مع الصين تعهدت فيه الولايات المتحدة بالاقلال من امداداتها العسكرية مستقبلا لتايوان مقابل اعلان بكين عن عدم وجود نيات عدوانية لديها ضد تايوان.

6.  اضطر بوش الأب لتقديم تنازل هام للصين عبر موفده برانت ستوكرفت الذي اوفده في 25/6/1989 في مهمة التخفيف من قساوة قرارات الكونغرس. حيث تمخض هذا اللقاء عن بيع الصين ثلاثة اقمار صناعية مع اعتراض بوش على قرار الكونغرس بوقف القروض للشركات الاميركية العاملة في الصين. وسلوك الاب هذا هو الذي يدفع بالمراقبين الى رصد المبعوث السري والتنازلات المحتمل تقديمها من قبل الابن. وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن مدى قدرة الابن على الافادة من تجارب ابيه. كما عن قدرة الاب على نقل هذه التجارب لأبنه؟.

خلاصة القول ان مشكلة الطائرة لم تنتهي بعد وان الصين مصرة على الاحتفاظ بها لاستكشاف كل ما يمكن من اسرارها. بما يحرج الرئيس الجديد ويدفعه للتنازل.كما ان الصين تقترب من وضعية عالمية مؤثرة وهي تعطي مثالا" لعدم امكانية الاستمرار الاميركي في سياسة احتواء النفوذ. واذا كان ووكر بوش لايحظى بفرصة لقاء نيكسون فان بامكانه ان يقرأ هذا المقطع من مذكراته: "ان لدى الصين اسرارا" لامتناهية. لذلك فاننا لن نعرف كل شيء عن الصين. بل ربما نستطيع ان نتعلم شيئا" منها " . لكن المقطع الأهم الذي يجب على بوش ان يقرأه هو قول نيكسون: " لايمكن لبلد بحجم الصين ان يبقى على عزلة تامة فاذا ما فقدنا ثقته فانه سيتجه للانفتاح على روسيا مهما كانت ظروف العلاقة بينهما"

للمزيد حول الموضوع أنظر:
الحزام الأوراسي في الإستراتيجية الأميركية
 

Home