|
|
| كتاب المحكمة الجنائية الدولية | محاكمة ميلوسوقيتش | مجد - المحكمة الجنائية الدولية |
|
|
في العام 1998 استخدم الرئيس كلينتون كامل مرونته وقدرته على المناورة لتعديل بعض بنود الاتفاقية الاولية للمحكمة الجنائية الدولية. ولم يوافق على نصها المبدئي إلا بعد ضمانه لثغرات كافية لإنقاذ الأميركيين وأصدقائهم. فهو عانى في حينه من أزمة مطالبة اسبانيا بالجنرال التشيلي بينوشيه. الذي مارس اجرامه بتوجيه وإشراف أميركيين. حتى أن محاكمته كانت سوف تستتبع محاكمة هنري كيسينجر ومسؤولين أميركيين آخرين. ورغم هذا الوعي الكلينتوني لإحتمالات الضرر الأميركي وإلتفافه عليها فإن خليفته بوش الإبن رفض توقيعها. ذلك أن بوش وفريقه يصرون على تحصيل مطالبهم بالقوة وليس بالطلب. أما وقد تم توقيع المعاهدة بدون توقيع الولايات المتحدة فإن الإدارة الأميركية تقوم بحملة تواقيع ( ينتظر أن تصل الى 130 دولة توقع على عدم إختصاص هذه المحكمة بمحاكمة الأميركيين وأصدقاءهم. والتواقيع تجمع تحت ضغوطات الحرمان من المساعدات الأميركية. مما يجعل بعض الدول الهامة توقع عليها تجنبا" للغضب الأميركي. الكتابات العربية حول الموضوع متفرقة مشتتة. ومن هنا أهمية كتاب يعطي فكرة متكاملة عن الموضوع. ولقد اخترنا كتابا" يحمل العنوان للدكتور محمود شريف بسيوني. في المقدمة يشير المؤلف إلى أن فضل ظهور هذا الكتاب يرجع إلى نادي القضاء المصري الذي تكفل بنشره ,وإلى عدد من القضاة الذبن قاموا بترجمة أعمال للمؤلف نشرت في دوريات أجنبية وبذلك إكتملت مادة الكتاب وفق تقسيم تسلسلي إلى ثلاثلة أبواب: الأول : يتعقب تاريخ لجان التحقيق الدولية و المحاكمات منذ صلح فرساي وحتى إنشاء محكمة الجنايات الدولية. الثاني: يعرض بالتفصيل لتاريخ وسير المفاوضات الخاصة بإنشاء محكمة الجنايات الدولية الثالث: مخصص لشرح النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. يقع الكتاب في حوالي 500 صغحة من القطع الكبير متضمنا نص النظام الأساسي للمحكمة .يعرض في الباب الأول للمحاولات السياسية لإنشاء محكمة عدل دولية ,ففي الفترة من العام 1919 حتى 1994 نشأت خمس لجان للتحقيق طغى عليها الجانب السياسي على الأقل في مرحلة تنفيذ الأحكام والتوصيات وهي لجنة 1919 لتحديد مسؤوليات الذين شنوا الحرب العالمية الأولى :ثم إعلان سان جيمس 1943 ثم لجنة الشرق الأقصى( 1946),ثم لجنة الخبراء المشكلة بموجب قرار مجلس الأمن 780 للتحقيق في جرائم وإنتهاكات القانون الدولي الإنساني في يوغوسلافيا السابقة (1992) ,ولجنة الخبراء المشكلة للتحقيق في الجرائم المرتكبة في رواندا 1994, وكلتا اللجنتين إنتهت أعمالهما بإنشاء المحكمتين بقرارات من مجلس الأمن إحداهما مقرها لاهاي ,والأخرى مقرها أورشا في تنزانيا, أما اللجنة الحقيقية التي نشأت بموجب إتفاقية السلام بين حكومة السلفادور وجبهة فاربوندو ماريتي للتحرر الوطني ,فلم يدرجها المؤلف ضمن اللجان السابقة لعدم وضوح الموقف لديه بشأنها .وفي الفترة من العام 1945 إلى 1994 تشكلت أربع محاكم دولية خاصة هي-إلى جانب محكمتي يوغوسلافيا ورواندا محكمتي نورمبرج (المحكمة العسكرية الدولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب على الساحة الأوروبية 1945)ومحكمة طوكيو(المحكمة العسكرية الدولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب في الشرق الأقصى 1946) كما جرت ثلاث محاكمات دولية كبرى .هي المحاكمات التي قامت بها المحكمة العليا الألمانية.(21/1923). بناء على الكلبات المقدمة من الدول المتحالفة.,إستنادا إلى معاهدة فرساي (محاكمة لايبزج)والمحاكمات التي أجراها الحلفاء الأربعة الكبار على الساحة الأوروبية (46-1955)بموجب قانون مجلس رقابة الحلفاء رقم 10.ولاحظ المؤلف في تحليله لأولى محاولات إجراء محاكمات بناء على معاهدة فرساي أن الحلفاء لم يكونوا مستعدين لإرساء سابقة لمحاكمة رئيس دولة بسبب جريمة دولية. وكان ذلك واضحا من صياغة المادة 227 من المعاهدة التي طالبت بأن يمثل ‘إمبراطور ألمانيا ويليام الثاني "لارتكابه جريمة عظمى لمبادئ الأخلاق العالمية وقدسية المعاهدات". ولن يشر المصدر إلى جريمة دولية محددة ومعروفة ولكنه وصف مفهوم جريمة العدوان بأنها جريمة سياسية مما قدم للحكومة الهولندية ذريعة قانونية لرفض تسليم القيصر ...وفي هذا الصدد أكد المؤلف-بحق-عن إعتبار العدوان جريمة لم يرد في أي معاهدة دولية سابقة على نظام المحكمة الجنائية الدولية ,منذ صدور قرار تعريف العدوان من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم3314,عام 1974 وهذا التعريف وضع عقبات كثيرة أمام اللجنة التحضيرية الخاصة بإنشاء المحكمة (ص30 هامش 96).ويثبت المؤلف في هذا الصدد أن الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى كانت تعتبر العدوان جريمة و تقع تحت طائلة القانون الدولي ,ولكنها عدلت موقفها خلال الحرب الباردة حينما لم يعد هذا الموقف ملائما سياسيا وقد إتضح ذلك جليا في موقفها عام 1986 أمام محكمة العدل الدولية في قضية العمليات العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراجوا وضدها. وفي دراسته المقارنة لمحكمتي نورمبرج وطوكيو ,أوضح المولف أن ميثاق الأخيرة أشار في فقرته الثالثة من المادة الخامسة إلى إعتبار الإضطهاد القائم على أسس سياسية أو عنصرية من الجرائم ضد الإنسانية ,بينما تضمنت الفقرة الثالثة من المادة السابعة من ميثاق محكمة نورمبرج الجرائم المبنية على أسس دينية أيضا ,ويرى أن تلك إضافة مهمة بسبب جرائم إبادة اليهود في الهولوكست. وفي دراسته للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ومحكمة رواندا والعلاقة بينها والمقارنة بين نظامها ,وعلاقة إنشاء المحكمتين بإنشاء محكمة الجناية الدائمة ,سجل المؤلف عددا من الملاحظات القيمة منها أي محكمة يوغوسلافيا,على خلاف نورمبرج وطوكيو-لم تقصر الإتهام على بعض المجرمين فيما عرف بعدالة المنتصرين ,ولكن إمتد إختصاصها لكل من ينتهك القانون الإنساني الدولي بغض النظر عن إنتمائه لأي من أطراف النزاع ,ومنها أيضا المادة 16 من نظام محكمة يوغوسلافيا أكدت إستقلالية الإدعاء في هذه المحكمة على الرغم من كونه معينا من مجلس الأمن ,ولكن التبعية الإدارية لأمانة الأمم المتحدة والإعتماد المالي على الجمعية العامة قد أعاق عمل المحكمتين ,فضلا عن نقده لوجود غرفة إستأناف ومدع عام واحد لكليهما رغم إختلاف مهامهما وبعدهما الجغرافي. وكشف المؤلف على أن يوغوسلافيا قد عارضت إنشاء محكمة جناية خاصة بها ,بينما طالبت بذلك رواندا وأصرت-دون جدوى-على أن يكون مقرها في كيجالي كما أوضح ان فكرة إنشاء محكمة يوغوسلافيا لم يؤدها كل أعضاء مجلس الأمن الدائمين (روسيا طبعا)فقد رآها البعض تعرقل التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع, بينما طالب البعض الآخر أن نتشئها الجمعية العامة وليس المجلس ,أو أن تنشأ بموجب إتفاقية دولية ,وطالب البعض الثالث بإنشاء محكمة جناية دولية دائمة ,ولذلك يرى الكاتب أن الإسراع في إنشاء المحكمة الدائمة كان حلا موفقا يرضي المعارضين لإنشاء المحاكم المؤقتة ,ويتفادى فشل هذه المحاكم بحيث يحال للمحكمة الدائمة في هذا الإفتراض إختصاص المحكمتين. وقد قدم المؤلف شرحا وافيا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة سيظل دليلا لا غنى عنه لأي باحث أو ممارس أو متصل بعمل هذه المحكمة مستفيدا من خبرته العلمية ومشاركته المباشرة في الأعمال التحضيرية.ويضيق المقام عن تسجيل اللفتات الذكية والهامة التي أوردها المؤلف ,ولكن يكفي أن نشير إلى أن أنواع الجرائم التي ينعقد إختصاص المحكمة بنظرها والواردة في النظام الأساسي ليست على سبيل الحصر , فقد أتاحت المادة 121 إضافة جرائم أخرى مثل الإتجار بالمخدرات و الإرهاب.وإن هذه الجرائم قد نوقشت فعلا وإتخذ قرار لتأكيد ذلك في المستقبل (ص11)كما نوقشت جرائد جديدة قابلة للتطبيق بعد عام من إيداع مستندات التصديق بقبول الدول الأطراف. ولا شك أن صدور المتاب في هذا الظرف الذي تقوم به إسرائيل بإبادة الشعب الفلسطيني ,وصدور قرارات القمتين العربيتين في القاهرة وعمان 2001,2000 بتعقب المجرمين الأسرائيليين أمام قضاء دولي ,يبعث عن التساؤل عن كيفية الإستفادة من من إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي توشك على ممارسة عملها في تقديم المسئولين الأسرائيليين للمحاكمة أمامها. يبدو لنا بالنظام الأساسي للمحكمة ثغرات عدة سوف يفلت منها الأسرائيليون أولاها أن المحكمة تختص إختصاصا بديلا أو إحتياطيا وأن الأصل للقضاء الوطني, وأنه لا يجوز أن يحاكم شخص عن نفس العمل مرتين ,وأنها تختص بجرائم الأفراد وليس الدول أو المنظمات ,فضلا عن ضرورة توافر خصائص معينة في إثبات جريمة إبادة الجنس أو الإبادة الجماعية ,وأخيرا تختص المحكمة بالجرائم التي ترتكب فقط بعد إنضمام الدولة إلى نظامها ,كما أن تشديد المحكمة على تبني معيار أقليمية الجريمة ,يقلل فرص تقديم دولة ثالثة للمجرمين الإسرائيليين للمحاكمة أمام المحكمة الدائمة حتى لو لم تكن إسرائيل أو الدولة الثالثة طرفا في النظام الأساسي. |