بغداد... المحطة التالية

العراق والحرب ضد الإرهاب

المركز العربي للدراسات المستقبلية

مقالة مترجمة عن مجلة شؤون خارجية الأميركية / عدد ابريل-نيسان 2002

       بعد أن خفتت حدة الحرب في أفغانستان ضد الإرهاب وتنظيم القاعدة ,برزت قضية العراق مرة اخرى على الأجندة السياسية الخارجية الأمريكية.ويوجد ، بالنسبة للموضوع العراقي، تياران داخل الإدارة الأمريكية :الأول يعرف بالصقور والثاني يعرف بالحمائم .

  بعد حوالي السنة على نشر هذا المقال وتحديدا" في 20 / 3 / 2003 بدأ بوش الإبن حربه على العراق التي إنتهت نظريا" بسقوط بغدد في اليوم 21 للحرب. لكن سقوط النظام أعاد إلقاء مسؤولية البلد على عاتق شعبه بعيدا" عن الخوف وعن تاريخ الأحقاد المتخلفة عن النظام. وتشير خبرة البريطانيين في التعامل مع العقلية العراقية الى أنها لا تحتمل الخضوع للإحتلال. في حين بدت القناعة الاميركية مخالفة للخبرة البريطانية. فالأميركيون يؤمنون بأن المشاعر الدينية والوطنية هي مجرد مظاهر هيستيرية يمكن التحكم بها عن طريق صفعة قوة... فهل تنجح الصفعة الاميركية مع مقاومة العراقيين للإحتلال؟.

التيار الأول: متشدد ضد العراق وتحديدا ضد نظام صدام حسين,لذلك يساند هذا التيار إستراتيجية تتبنى التخلص من كل بؤر الإرهاب,وبعد الإنتهاء من أفغانستان تأتي العراق في المرتبة التالية لأنها من الدول التي تهدد أمن المنطقة والمصالح القومية للولايات المتحدة .فالعراق تحت قيادة صدام حسين تتوسع في إنتاج الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل .

 التيار الثاني: فإنه لا يساند الهجوم المباشر على العراق لأن هذه المهمة سوف تكون صعبة التنفيذ ولعدم وجود دليل دامغ على تورط العراق في أحداث 11 سبتمبر. ويطرح هذا الفريق عودة لجنة التفتيش الدولية التابعة للأمم المتحدة وإلزام النظام العراقي بالخضوع لهذه اللجنة.ولا يزال الجدل مستمرا بين هذين التيارين.

   بالنسبة للتيار الأول :فهو مخطئ في تصوره أن النظام العراقي يعتبر مشكلة ملحة يجب التصدي لها بالوسائل العسكرية,إلا أنهم محقون بشأن التخوف من وجود أسلحة الدمار الشامل وهي مشكلة لا بد من إيجاد حل لها حتى لا تحدث كارثة تهدد المنطقة.

     بالنسبة للتيار الثاني,فهو مخطئ أيضا في تصوره بأن الحل الأمثل للحد من أسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى العراق هو إرسال لجنة التفتيش الدولية ,وعذرهم في هذا التصور أن العراق لا ترتقي بعد إلى ما فوق مستوى الشبهات بأن تكون دولة إرهابية أو أنها تأوي الإرهابيين مثل أفغانستان .

   وقد تكون الإدارة الأمريكية قد وضعت خطتها للتخلص من الإرهاب بإسقاط النظام العراقي الحالي بعد أن كانت مهمتها في أفغانستان تنتهي.

مشاكل الإحتواء السياسي:

إن العلاقة المضطربة بين الولايات المتحدة والعراق لم تحتدم فجأة بعد أحداث 11سبتمبر الماضي,بل كان لها جذور بعيدة ترجع إلى العام 1991.

      إن الهدف الأساسي من سياسة الإحتواء الأمريكية التي بدأت في العقد الماضي هو منع صدام حسين من إستعادة قوته العسكرية وبناء منشأت عسكرية جديدة وإنتاج أسلحة الدمار الشامل حتى لا يعود إلى تهديد الدول المجاورة.لذلك وضعت الإدارة الأمريكية مجموعة من القيود الإقتصادية والعسكرية والديبلوماسية لكي تنفذ تحت إشراف الأمم المتحدة وفي نفس الوقت مساعدة الشعب العراقي للحصول على إحتياجاته الإنسانية لإستمرار للحياة.وبالرغم من الإنتقادات الكثيرة التي وجهت إلى هذه السياسة ,إلا أنها قد نجحت في الوصول إلى نتائج أبعد مما كان مستهدفا.

   مع مرور الوقت بدأت سياسة الإحتواء الأمريكية تضعف,فلم يعد هناك حملات تفتيش جادة مع برامج أسلحة الدمار الشامل التي تنتجها العراق. كما بدأت دول كثيرة تتنصل من تأييدها لسياسة الإحتواء فلم يعد هناك جدوى من مقاومة نظام صدام حسين حتى ينهار وبفتح الطريق لنظام آخر.ومن الجانب العراقي صعدت القيادة العراقية حملات إعلامية ضد الولايات المتحدة الأمريكية وسياسة العقوبات الإقتصادية التي تفرضها حتى أودت بأرواح آلاف العراقيين حتى وصل عدد الضحايا إلى أكثر من مليون عراقي منذ العام 1991.هذه الحملات الإعلامية العراقيةالمناهضة لسياسة الإحتواء والعقوبات الأمريكية كسبت تعاطف كثير من دول العالم التي بدأت بالفعل تستعيد خطوط طيرانها مع العراق غير عابئ بالحظر الجوي المفروض على العراق داخلبا وخارجيا.والذي كان معمولا به منذ سنوات قليلة.كما إستطاعت الحكومة العراقية بعد فترة وجيزة من الحظر المفروض عليها تهريب بترولها إلى الخارج عن طريق الأردن وسوريا وتركيا ودول الخليج وتبيعه بسعر ضعف ما كان عليه عام1998,ثم بعد ذلك إستطاعت العراق أن تحصل على كل السلع المحظورة منقطع غيار للدبابات والطائرات إلى جانب جمع المعدات اللازمة لتصنيع الأسلحة. والأمر الذي يثير الدهشة أن الصين نجحت في إنشاء شبكة إتصالات لدعم نظام صدام حسين بعد أن دمرت القوات الأمريكية هذه الشبكة أثناء غاراتها على العراق في يناير2002 . وهكذا وصل الحال بسياسة الحظر المفروضة على العراق حتى أن الصين مستعدة لبيع تكنولوجيا متقدمة إليها, وقد يتبع ذلك توريد أسلحة وصواريخ ومعدات حربية من دول أخرى.

ربما لكل هذه الأسباب الذي جعل سياسة الحظر على العراق مجرد معاهدة على الورق لم تعد ملزمة لكثير من دول المجتمع الدولي.وتحاول الإدارة الأمريكية أن تستعيد هذه السياسة وتقويتها حتى تجعلها ملزمة لجميع الدول من أجل القضاء على صدام حسين.

إلا أنه من خلال التجربة السابقة لسياسة الإحتواء ثبت أن سياسة عملية إقناع الدول الأخرى بالتزام بهذا الأمر أمر يصعب تحقيقه على المدى الطويل.

لذلك إقترحت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جورج بوش الأبن أن ترفع العقوبات الأمريكية بالكامل في مقابل التفتيش المستمر على المنشئات والأسلحة الإقتصادية التي يمتلكها صدام حسين ومراقبة ما يدخل العراق وما يخرج منها.وحاليا فإن الأمم المتحدة تقوم تقوم بهذا الدور الأخير من خلال مراجعة كل عقود التصدير والتوريد.ومع ذلك فإن هذه المراقبة الدولية لم تمنع عمليات التهريب التي تقوم بها العراق من بترول مقابل معدات وقطع غيار لتصنيع أسلحتها.وتحاول الإدارة الأمريكية الحالية أن توكل دور المراقبة إلى الدول المجاورة إلى العراق بدلا من الأمم المتحدة .لذلك تعمل الإدارة على كسب تعاون كل من الأردن وسوريا وتركيا وإيران والدول الأعضاء لمجلس التعاون الخليجي: البحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية ودول الإمارات العربية المتحدة.لكن هناك عائقا يتمثل في أن هذه الدول تستفيد من عمليات التهريب التي تقوم بها العراق. كما أن شعوب هذه الدول ترفض الحظر الإقتصادي المفروض على شعب العراق.

   إذا ما أرادت الولايات المتحدة أن تستعيد فاعلية سياسة الإحتواء حتى يظل مستمرا,يجب عليها أن تعيد ترتيبها بحيث يكون الحظر محكما على المعدات العسكرية والتمويلية التي تأتي إلى العراق من الخارج على أن يرفع الحظر الإقتصادي بالكامل.وبذلك يمكن فرض عقوبات صارمة على الدول التي تخترق هذه السياسة.إلا أن هذا التصور ليس عمليا أو حتى واقعيا ولن تلتزم به الدول التي تريد أن تساعد العراق.لذلك فإن فكرة تعديل سياسة الإحتواء هذه للضغط على النظام العراقي وسقوطه سوف تكون دائما محل نقد مهما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية أو إتخذت من إجراءات لتدعيم فاعلية هذه السياسة.وبما أن سياسة الإحتواء أو الإصلاح أصبحت في حد ذاتها مشكلة صعبة العلاج أو الإصلاح .فعلى الإدارة الأمريكية أن تركن إلى إستراتيجية الردع أو إلى هذا النوع من سياسة الإحتواء التي كانت تمارسها الولايات المتحدة ضد الإتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة,وهذا يعني عدم الإعتماد على أي من الدول المجاورة حتى يصبح التدخل الأمريكي لهدم نظام صدام حسين تهديدا مباشرا.ويمكن لهذا الإتجاه أن يلقي ترحيبا من دول أخرى خارج الولايات المتحدة,إلا أنه محفوف بالمخاطر حيث أن القوة العسكرية التي لدى صدام لا يستهان بها ويمكنها أن تصمد لفترة طويلة كما أنه ليس بشخصية عشوائية ,فهو يعمل وفقا لحسابات المكسب والخسارة ,وهو يعلم أنه لا يستطيع إستخدام أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها ضد الدول المجاورة تحسبا لرد الفعل الأمريكي,كما أنه لا يستطيع إستخدام هذا النوع من الأسلحة ضد إسرائيل لأنه يخشى العواقب التي يمكن أن تعود عليه وعلى الشعب العراقي في رد فعل مماثل بالأسلحة النووية. لكن شخصية صدام حسين في الوقت نفسه تميل إلى المخاطرة والمقامرة ,فليس من السهل التنبؤ بردود أفعاله أو قراراته ,وهو بطبيعة شخصية لا يأخذ بإستشارات أو بنصائح مساعديه لأنه ينفرد بقراراته.هذا إلى جانب حجم المعلومات التي لديه من خلال جهاز مخابراته لا تمكنه من معرفة العالم معرفة جيدة.لأن جميع المعلومات التي يطلبها إنما هي المعلومات التي يريد سماعها والتي تعظم من قدراته وقوته على الآخرين.وربما تكون طبيعية شخصية هذه تجعله يخطئ كثيرا في حساباته كما حدث في حرب الخليج الأولى عام1980,والثانية عام1990 وتهديده للكويت في مرة تالية عام 1994.هكذا ,فإن الأمر ما زال غامضا من جانب كل من الولايات المتحدة والعراق حيث من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يحدث خاصة وأن صدام يمكن معاودة تهديداته إلى الكويت والسعودية وتل أبيب ويمكن أن يستخدم أسلحته المحظورة متحديا الولايات المتحدة بأنها يمكن أن ترد عليه بالمثل لأنه بهذا الرد سوف تدمر المنطقة بأكملها.

وفي المرحلة التالية:ما هو العمل وما هو الحل بعد أن ثبت فشل سياسة الإحتواء وسياسة الردع والقضاء على نظام صدام حسين .ربما تكون السياسة الجديدة هي مساندة المعارضة العراقية ماديا وعسكريا .في العراق تمكن المعارضة من العمل على ضرب النظام.

    لقد أثبتت القوات الجوية الأمريكية قدرتها على تنفيذ المهام المناهضة لنظام صدام حسين في العراق كان آخرها عملية ثعلب الصحراء في ديسمبرمن عام 1998والتي إستهدفت ضرب أبرز الجهات المساندة لنظام منها حزب البعث والحرس الجمهوري,حتى أن صدام حسين قد إهتز وإفتعل إجراءات أمنية مشددة فأعتقل وإغتال كثيرين من المعارضة ومن رجال الدين الشيعة. وقد كان من المفترض لهذه الحملة الجوية الأمريكية أن تجبر صدام حسين حتى يحترم سياسة الحظر المفروضة عليه من قبل الولايات المتحدة.

لكن التهديد بإسقاط نظام صدام حسين شيئ وإسقاطه بالفعل شيئ آخر.هذا لأن الإستراتيجية التي إستخدمتها العسكرية الأمريكية في أفغانستان لإسقاط نظام طالبان لا تصلح لإسقاط نظام صدام حسين في العراق.

ففي  حالة أفغانستان, فإن القوة العسكرية للمعارضة والقوة العسكرية لحكومة طالبان متساويتان,مما سهل مهمة القوات الأمريكية داخل أفغانستان.فقد كان المحاربون الموالون لأميركا من قوات تحالف الشمال الأفغانية وأكثر عددا وعتادا من قوات طالبان ,لذلك إستمر الصراع بينهما على مدى سبعة أعوام.وبالرغم من فوز طالبان على المعارضة في عدة جبهات و الإستيلاء على معظم المقاطعات الأفغانية-إلا أن قوات التحالف الشمالية كانت تشكل معارضة قوية ليس من الهل التغلب عليها.أما بالنسبة للعراق,فإن الأمر يختلف حيث أن هناك فرقا كبيرا بين قوة المعارضة وإمكانيات النظام.فقد إستطاعت قوات الحرس الجمهوري سحق المعارضة الداخلية والتي تمثلها الميليشيات الكردية.فإذا ما ساندت الولايات المتحدة الميليشيات الكردية بالمال والسلاح والتدريب ربما تستطيع الصمود أمام هجمات القوات العراقية لكنها لا يمكن أن ترتقي هذه الميليشيات إلى ضرب صدام حسين ونظامه.

في هذا السياق, لم يقتصر الأمر من جانب اٌلإدارة الأمريكية على مساندة المعارضة العراقية الداخلية من ميليشيات الأكراد بل أيضا ما يعرف بالكونغرس الوطني العراقي-وهذه المعارضة تشبه إلى حد كبير قوات التحالف الشمالي في أفغانستان.لكن صدام حسين

قدد سدد هجمات مكثفة ضد هذه المعارضة,كما أن الدول المجاورة لا تريد أن تأوي أو تساند هذه المعارضة ربما لأنها غير جديرة بأن تكون البديل لنظام صدام حسين.

   وتبقى الحقيقة,وهي أن قوة صدام حسين في العراق لا تقارن بحكومة طالبان فهي أقوى بكثير,كما أن جبهة المعارضة أضعف بكثير من معارضة قوات التحالف الشمال في أفغانستان.وبالرغم من الهزائم التي لحقت صدام حسين في حربي الخليج الأولى والثانية وزيادة المعارضة في الجنوب لكنها صغيرة جدا,وبالرغم من كراهية الشعب العراقي لصدام حسين,إلا أن خوفهم منه أقوى بكثير من كراهيتهم له.وأخيرا ليس أمام المجتمع الدولي سوى الإنتظار إلى ما سوف يكون عليه مستقبل العراق ونظام صدام حسين.

Home