تقرير التنميةالإنسانية العربية للعام ‏2002

 

تناولت تقارير التنمية البشرية كموضوعات لها على مدى أكثر من 12 عاما سلسلة من القضايا الرئيسية. وتتراوح الموضوعات بين الإنفاق العام على التنمية الإنسانية والمشاركة وعلاقة النمو الإقتصادي والتنمية الإنسانية في عالم متعولم ,وحقوق الإنسان والتنمية الإنسانية والتكنولوجيا من أجل التنمية الإنسانية.

    وقد كان لهذه التقارير وتحليلاتها وبياتاتها ومناقشات السياسات تأثيرات هامة على فكر التنمية وتطبيقاته.فقد جرت نقاشات وحوارات على المستوى الوطني ودفعت صانعي القرار إلى وضع إستراتيجيات جديدة لسياساتهم,وشجعت على تجزئة مؤشرات التنمية الإنسانية المتنوعة على أساس نوع الجنس والمناطق والمجموعات العرقية.

    وقد وضحت البيانات أوجه التفاوت والتباين داخل البلد الواحد وأعانت الحكومات على توجيه المواد الضرورية لصياغة السياسات المطلوبة.وإستخدم المطالبون بالتنمية والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني هذه التقارير وثائق لدعم مطالبهم.وجرى الإطلاع بأبحاث جامعية هامة لتوسيع حدود التنمية الإنسانية من حيث الأطر التحليلية والمؤشرات الإحصائية والعمل والتوصيات الخاصة بالسياسات,وإستخدمت تقارير التنمية البشرية مراجع في الجامعات والمعاهد العلمية.

    وقد ترتب على نشر تقارير التنمية البشرية العالمية إصدار أكثر من 260 تقريرا وطنيا للتنمية البشرية من أكثر من 120بلدا ,وقد أصدرت بعض هذه البلدان التقارير لأكثر من خمس سنوات, وأصبحت هذه التقارير محفزات هامة للإستراتيجيات والسياسات الوطنية ,كما أصبحت مستودعات للبيانات المبتكرة وأدوات لمناصرة قضايا التنمية.

   وضمن إطار هذه التقارير بدأ هذا العام إصدار التقرير الأول للتنمية الإنسانية العربية ,وكان لإصدار التقرير أثر كبير في المحافل التنموية والسياسية والإعلامية والسياسية فقد طرح التقرير بجرأة وصراحة مجموعة مهمة وجديدة من الأفكار حول التحديات الحقيقية التي تعوق التنمية والتقدم في الوطن العربي,ومنها الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأراض عربية أخرى ,وقصور الحريات وضعفها والنزاعات والإضطرابات السياسية,ونقص المعرفة وعدم مشاركة المرظاة بفعالية وإقتدار,والفساد الإداري والمالي المستشري.

 

تحديات التنمية

 

يواجه الناس فب البلدان العربية مجموعتين من التحديات لتحقيق السلام والتنمية ,الأولى هي التحديات التي يجابهها السعي للتحرر من الخوف و الثانية هي التحرر من الفقر.

 

الإحتلال *

يمثل الإحتلال الإسرائيلي غير المشروع للأراضي العربية أحد أكبر العقبات الممهدة للأمن والتقدم في المنطقة ,فما من شيئ يقضي على الرؤية النبيلة للتنمية أكثر من إخضاع الناس لإحتلال أجنبي.فلا يمكنهم في حالة كهذه أداء الممارسة الجوهرية للتنمية ,وهي توسيع خياراتهم والتأثير في العمليات والقرارات التي تشكل حباتهم والتمتع الكامل بحقوق الإنسان.

 وبالنسبة للفلسطينيين فإنه تصادر أراضيهم ويقيد وصولهم إلى مياهههم ومواردهم الطبيعية,ويواجهون عقبات من المحتل تحبط حريتهم وتضعف إرادتهم الذاتية للإقتصاد ,ويعيش معظمهم لاجئين خارج أوطانهم.

  وبالنسبة  للدول العربية الأخرى فقد إحتلت أجزاء أخرى منها أيضا ,وإستضافت اللاجئين الفلسطينيين مما زاد في المعاناة والضغط على الموارد والفرص,وزاد الإنفاق العسكري والتوتر الأمني,وإستخدم الإحتلال ذريعة لعدم الإستجابة لمطالب الحرية والتعددية السياسية .وأدت الحروب والنزاعات إلى إنخفاض الإنتاج وعدم الإستقرار في الأسواق ودمار البنى التحتية,كما أعاقت التقدم نحو التحرير و الديموقراطية.

 

* الحريات:

تبدو المناطق الأخرى في العالم أكثر تقدما نحو الديموقراطية والمشاركة السياسية من المنطقة العربية ,فموجة الديموقراطية التي طورت الحكم في أميركا اللاتينيةوآسيا لم تصل إلى البلدان العربية,وهذا القصور في الحرية يضعف التنمية الإنسانية ويشكل أحد أكثر مظاهر التنمية السياسية إيلاما.

 

*المعرفة:

يبلغ عدد الأميين البالغين من العرب 65 مليونا ولا يتوقع أن يزول هذا التحدي سريعا.فما زال حوالي عشرة ملايين طفل في سن التعليم غير ملتحقين بالمدارس. وتوجد فجوة كبيرة بين مخرجات النظم التعليمية وإحتياجات سوق العمل.ويزيد هذه الفجوة التغيير السريع في إحتياجات سوق العمل الناجم عن العولمة ومتطلبات التقنية سريعة التطور .ولا يزال الإستثمار في البحث و التطوير عن 0.5%من الناتج القومي الإجمالي أي أقل من ربع المتوسط العالمي.

 

 

إدارة التنمية

 

يبلغ متوسط نسبة البطالة في البلدان العربية 105%وهي من أعلى النسب في العالم ,ويشكل النفط 70%من الصادرات ,وكان نمو الصادرات بنسبة 105% وهي أقل كثبرا من المعدل العالمي (6%)وبقيت الصادرات المصنعة راكدة ,ويقل داخل 20%من السكان عن دولارين يوميا.

 

*مجتمع المعرفة:

 يتطلب  السعي لإقامة مجتمع يقوم على المعرفة وضع إستراتيجيات فوق قطاعية التحقق الكامل بين إستيعاب المعرفة وإكتسابها ونشرها ومن ذلك إيجاد حلقات وصل بين نظم التعليم ونظم التدريب وطلب سوق العمل في القطاعين العام والخاص ,وإيجاد صلات تربط بين المبدعين والباحثين ومحللي السياسة مع المنتجين وصانعي القرار.

 

* إستيعاب المعرفة:

تفوقت البلدان العربية في أدائها التعليمي على جميع المناطق النامية بإستثناء أميركا اللاتينية,وتتفق البلدان العربية مجتمعة على التعليم نسبة من الناتج المحلي الإجمالي هي أعلى مما تنفقه أي منطقة أخرى في العالم النامي.ولكن ما زال الكثير مما يمكن عمله مثل أولويات التعليم وتقويته وبخاصة في العلوم والهندسة,وتوفير فرص التعليم مدى الحياة, وثمة مجالات للتقنية ذات أهمية خاصة للمنطقة مثل المعلومات الإتصالات والطاقة الشمسية وتحلية المياه.

  وتتطلب الإستراتجيات الفعالة لإكتساب المعرفة تغييرا في المواقف والقيم والحوافز المجتمعية لضمان إحترام العلم و المعرفة وتشجيع الإبداع و الإبتكار,وقد تكون تكاليف تحسين النظم التعليمية ضخمة,إلا أن كلفة إستمرار الجهل لا حدود لها.

 

*نشر المعرفة:

يتيح تلاقي الإتصالات مع الحاسوب نشر المعرفة والتعليم بتكلفة قليلة,ويجب هنا تخفيض تكلفة الوصول إلى الأنترنت لتكون متاحة للجميع.

 

 

*ثقافة التنمية...جودة وإنفتاح:

 

الثقافة و القيم هما روح التنمية,فهي للناس ومن أجلهم وهم يشاركون بها.والثقافة تحدد أهداف الناس وتلهم أحلامهم .وتؤدي القيم دورا هاما في الإنجازات الإجتماعية التي لا تحركها القوى الإقتصادية المحضة من الإنجازات البسيطة,كالنظافة العامة إلى الإنجازات المعقدة كدعم المحرومين والتضامن مع الفئات المحتاجة على إختلافها وتعدد إحتياجاتها.

    ولتعزيز  التنمية الإنسانية يجب الإهتمام بمجموعة من القيم التي تدفع التنمية ,مثل التسامح وإحترام حقوق وإحتياجات المرأة و الشاب والأطفال,وحماية البيئة ودعم شبكات الأمن الإجتماعي لحماية الضعفاء,وتقدير المعرفة.

 

*المشاركة:

        يعتمد نجاح البرامج والمشروعات على مشاركة الناس في إتخاذ القرارات و التخطيط,ويشمل              هذا أيضا المشاركة السياسية والإفتصادية والإجتماعية.

        لقد كونت المشاركة الضعيفة حالة من الإحباط و اللامبالاة ,ومع تراجع دور الدولة التنموي فإن الإعتماد على الناس في التنمية وتحقيق الإحتياجات الأساسية يزيد من أهمية المشاركة السياسية والعامة والحريات والتعددية,ومن جوانب القصور في التنمية الإنسانية العربية,ضعف مشاركةالمرأة فهي لا تزال مهمشة في النظم السياسية العربية ,ومن أشكال التمييز المتبعة وضعف المشاركة أيضا التمييز على أساس العمر ,فما زال الشباب غير قادرين على ممارسة دورهم المفترض والمتفق مع حجم تمثيلهم في المجتمع في التخطيط والحياة السياسية والعامة وإتخاذ القرارات.

  ورغم الصغر النسبي لقوة العمل العربية فإن عدد العاطلين عن العمل يبلغ عشرين مليون شخص,ولم يكن النمو الإقتصادي بالضرورة متفقا طرديا مع نمو فرص العمل ,وفي التجارب الناجحة في التشغيل فإن هذا التجاح كان بسبب إستراتيجية مدروسة للربط بين النمو وزيادة فرص العمل ,وينبغي أن يتم التدخل الحكومي في أسواق العمل على نحو يساعد الناس على التكييف مع إحتياجاتهم.

    وإلى جانب العمل يمكن أن يشارك الناس في المشروعات الصغيرة,والأزمة في هذه البرامج ليست نقص الأموال ولكنها عدم وجود قدرة محلية لتقديم خدمات التمويل الجزئي بكفاءة,ويلزم توفير قدرات ومؤسسات إنسانية لتوسيع إنتسار التمويل الصغير لأكبر عدد من الأسر الفقيرة ,ويمكن تقديم قروض لحوالي أربعة ملايين أسرة في الدول العربية قيمتها حوالي بليون دولار.وهذا المبلغ يساوي أقل من1% من مجموع القروض التي يقدمها القطاع المحلي المنظم.

 

مستقبل للجميع

 

إذا توافرت الإرادة السياسية فإن البلدان العربية يتوافر لها الموارد اللازمة للقضاء على الفقر المطلق في غضون جيل واحد, فالإلتزام السياسي هو القيد المانع لتقدم وليس الموارد المالية .وتحتاج محاربة الفقر إلى إدارة الإقتصاد الكلي ونمط النمو وكفاءة سوق العمل ,وكذلك توفير شبكات الأمان الإجتماعي وزيادة برامج الدعم المالي للفقراء ليرتفع من مستواه الحالي(0.2%)إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي,وينبغي تنسيق هذه البرامج لتجنب الهدر والتداخل وتقليل تسرب المنافع إلى غير الفقراء وخفض التكاليف الإدارية.

وكان للتكامل الإقليمي في أسواق العمل أثر إيجابي على محاربة الفقر ,فقد أفادت الهجرة للعمل الفقراء على نحو مباشر من خلال التحويلات المالية التي تصل من ذويهم.

     وتتجاوز إستراتيجيات محاربة الفقر إلى الممارسة والتحقق من تطبيقها ,وهذا يتطلب تعزيز      المشاركة السياسية والمساءلة والصحافة الحرة ,وضمان دور قوي للمجموعات الأهلية والمنظمات الغير الحكومية في وضع السياسات وإتخاذ القرارات التشريعية.

   وقد أظهر تقرير التنمية البشرية لعام 1996 أن كل بلد نجح في المحافظة على تنمية إنسانيتة سريعة ونموى إقتصادي سريع ,إنما تم له ذلك بعد أن سرع التقدم في التنمية الإنسانية أولا أو سعى لتحقيق الهدفين في آن واحد ,فالتنمية الإنسانية ضرورية لتحقيق النمو الإقتصادي المستدام ومحاربة الفقر,كما أن تكوين المستقبل يسهم في بنائه جميع الناس هو حتمية أخلاقية ,ولا بد أن يكون هدفا إستراتيجيا  لجميع البلدان العربية وهي تلج القرن الحادي و العشرين.

Home