|
مؤسسة راند للأبحاث التابعة للكونغرس
الاميركي تضع في سبتمبر 2002 تقريرا" في منتهى الخطورة. إذ يشير
التقرير الى دور سعودي رسمي داعم للإرهاب مما يخرج المملكة من
دائرة أصدقاء أميركا. بل مما يضعها في دائرة الأعداء المرشحين
لمنصب العدو المحتمل.
ثم تسربت لاحقا" معلومات تفيد عن نصح التقرير بضرورة اتخاذ تدابير
فعلية ضد السعودية ومن بعدها ايران بوصفها المدرجة في قائمة رعاة
الإرهاب.
بعيدا" عن تفاصيل التقرير فإن منطلقاته وخلفياته الاستراتيجية هي
الأهم. فكيف تأتى لباحثين موثوقين الإيحاء بتخريب علاقة اميركا
بدولة مشاركة في حماية المصالح الاميركية عبر عقود؟. وهو سؤال
يستتبع قائمة طويلة من الأسئلة. وأهمها التالية:
1. هل يقدم التقرير ايحاء باحتمال تكرار سيناريو مصالحة نيكسون-
الصين لتجنب الصدام مع الدول الأقوى والأخطر. فيتحول الايحاء الى
مصادمة محدودة ولكن قاصمة للسعوديةز في مقابل اعادة محاولة احتواء
العراق وايران بأسلوب جديد. يقوم على التهديد المباشر وتشديد
الحصار.
2. هل لوجود هنري كيسينجر بين باحثي راند أثر في دفع التقرير
باتجاه احداث فوضى جيوبوليتيكية عربية انطلاقا" من تقسيم السعودية
المحدود ( دولة وهابية ودولة شيعية) أو تفتيتها الى ولايات بعدد
الأمراء السعوديين؟. وهو حلم قديم لكيسينجر.
3. هل وصل تقاسم الأدوار لدرجة تهديد دولة مثل السعودية من قبل
الكونغرس ومؤسسة تابعة له مقابل رفض الادارة لهذا التقرير. ضمن
تمثيلية تصلح لمسرح أطفال وليس للمسرح السياسي.
4. هل وصل نفوذ اللوبي اليهودي الاميركي حدود تهديد كل العرب دون
روادع؟.
5. هل يريد الصقور الفاشيون في الادارة الاميركية تحويل شائعات
نهاية التاريخ وصدام الحضارات والاسلاموفوبيا وغيرها الى ذرائع
لتبرير حملة استعمارية للمنطقة العربية؟ وهل لاستعجال بوش باستخدام
مصطلح " الحرب الصليبية" علاقة بهذه التبريرات؟.
ولو نحن حاولنا قراءة هذا التقرير على ضوء
التجاذبات الأميركية المرافقة له أمكننا القول بأن فئة الصقور تريد
استخدام القوة العسكرية الأميركية بأقصى سرعة ممكنة. فهي تعتقد أن
زمن إحتواء النفوذ (منع الدول الصغيرة من امتلاك اسلحة دمار شامل)
في طريفه لنهاية قريبة. وبالتالي فانه لم يعد هنالك متسع من الوقت
لممارسة التفوق العسكري الأميركي. وهذا السلوك على تنويعاته ( ضرب
العراق أو السعودية أو العراق أو غيرها) هو سلوك أحمق من الوجهة
السيكولوجية. لأنه لايأخذ في الحسبان إكتشاف الأعداء لنقطة الضعف
الأميركية ( كاحل أخيل وشعر شمشوم). وهي النقطة التي كشفتها حوادث
منهاتن (11 سبتمبر) التي بينت أن نقطة الضعف كامنة في الداخل
الأميركي وليس في المصالحح الاميركية في الخارج. كما بينت أن سرعة
العطب الأميركية كامنة في الاقتصاد الاميركي الهش. وأيضا" هي بينت
أن النصر لم يعد للأقوى وانما للأقدر على التسبب بأذى أكبر.
وعليه فان السلوك الذي يدعو اليه هذا التقرير ومعه سلوك صقور ووكر
بوش هما مسالك تعجل النهاية الأميركية. ومن أسباب هذا التعجيل عجز
هؤلاء المتطرفون عن تأمين حماية وتغطية لنقطة الضعف الأميركية ،
التي باتت مكشوفة، وتهربهم من هذه المسؤولية بالهروب الى الأمام.
وفي هذا الهروب سلوك مقامرة لم يعد متاحا" في أجواء فقدان اميركا
لكل اصدقائها بسبب استعلاء صقور يعيدون اسطوانة النازية المشروخة
وهم يعلمون بعجزهم عن تقدييم التضحيات التي تستلزمها الفاشية. |