علماء لكن جواسيس

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     كشفت مسؤؤلة المخابرات الاميركية فرانسيس ستونورساوندرز النقاب عن مسؤولية هذه المخابرات في تأسيس منظمة الثقافة الحرة. وربما أتى هذا الكشف منسجما" مع مبدأ اخراج الوثائق التي يمر عليها 30 عاما" توضع بعدها في تناول الجمهور. وجاء هذا الكشف عير كتاب لساوندرز حمل عنوان " المخابرات في سوق الثقافة - من يدفع للمزمرين ؟ للمزيد اضغط هنا
في هذا الكتاب تكشف المؤلفة دور المخابرات الاميركية في اختراق الاوساط الثقافية العالمية وتجنيدها لخدمة هذه المخابرات بصورة مواربة وغير مباشرة. وهي تورد قائمة طويلة من الأسماء المعروفة في عالم الثقافة في انحاء العالم بمن فيهم المثقفون العرب الذين تعاملوا مع هذه المنظمة. التي راحت تنشيء الفروع ومن ثم فروع الفروع. حتى أمكن الإستغناء عن المنظمة الأم والاعتماد على تفرعاتها السرطانية. وهذه المؤسسات تجد تربة خصبة في الدول الفقيرة التي لا تخصص ميزانيات كافية للثقافة وللبحوث العلمية والدراسات. الأمر الذي يسهل تغلغها في أوساط مثقفي وباحثي تلك الدول. لكن الحصول على تمويل هذه المؤسسات يشترط خضوع النشاط لواحد من الشروط التالية:
1. أن يعتمد كليا" على المعايير والمقاييس المستوردة من الخارج. وهذا الاعتماد كفيل بتحويل هذه الدراسات الى مجموعة تهم معلبة وجاهزة ومسبقة النتائج ضد الدول الفقيرة التي تجري فيها الدراسات.
2. فئة البحوث التي تسرب معلومات يفترض حظر تداولها باعتبارها من الاسرار المؤجلة الاعلان. بحيث يتم تسريب هذه المعلومات الى المؤسسات الاجنبية في غفلة من الدوائر الرسمية عن أهمية هذه المعلومات.
3. أن تصب هذه الدراسات والنشاطات في دعم الحملات التي تقودها هذه المؤسسات بصورة مباشرة. مثال ذلك أن تدس هذه المؤسسات أنفها في مواضيع ذات طابع ثقافي - اجتماعي يعتبر من أسرار المخدع. التي لايجوز لغريب الاطلاع عليها.
ضمن هذه الفئات تنشط شخصيات ثقافية وعلمية وهيئات عربية لتتفنن في لي عنق الحقيقة لتلائم نتائجها مع النتائج الموضوعة لها مسبقا". ولعله من الملفت أن أيا" من الدراسات المشبوهة التمويل لاتخالف هذه النتائج المعلبة. في حين تخالفها غالبية غير الممولة من الدراسات. وهذا ما يغذي الشكوك ببراءة هذه المؤسسات والعاملين معها. خاصة وأننا لانزال نشهد بروزا" مفاجئا" لشخصيات تتحول الى الشهرة بسحر ساحر بما يعيد طرح السؤال: "من يدفع للمزمرين؟" ومن يسوق هؤلاء ويزمر لهم؟.
غالبية هؤلاء أصبحوا مدركين للعبة واعين لأخطارها لكنهم يستمرون فيها لمكاسب فردية. في حين تقول ساوندرز أن برتراند راسل استقال من رئاسة المنظمة عندما تأكد من خلفيتها المشبوهة.
في المقابل برزت على الساحة الثقافية فئة من المثقفين الرافضين لهذا النوع من الجاسوسية. وطرح هؤلاء شعار يصف المتعاونين مع المؤسسات المشيوهة بانهم " عملاء لكن جواسيس!".
والواقع أن مجمل هؤلاء مرشح للإنضمام الى قائمة عرب يكرهون انفسهم. للمزيد اضغط هنا

ووصل تبني هذه الشخصيات المشبوهة الى حدود التبني الرسمي. على غرار ما حصل من ضغوط اميركية على مصر وتهديدها بوقف المعونات الاميركية عنها ان هي اصرت على تنفيذ الحكم بالمتعاون سعد الدين ابراهيم. الذي لم تبق لديه بقية من حياء كي يرفض معاقبة نصف العرب بسببه.
لقد أثيرت مسألة هذه المؤسسات المشبوهة من قبل كتاب عرب عديدين. وفي مايلي عرض لمختلف المواقف المؤيدة والمعارضة للتمويل الاجنبي للبحوث العربية. حيث يجدها البعض مساعدات عادية في حين يصر البعض الآخر على إعتبارها مقدمة للتطبيع والاختراق. وهذا العرض منشور بتاريخ: 2/6/1997 وهذا نصه:


البحوث العلمية التي تمولها جهات خارجية.

هل هي فخ لتحويل العلماء إلى جواسيس ؟

     تراجعت طموحات الفلسفة مع تطور المعارف الذي أتاح معرفة أوثق بالجهل واستمر هذا  التراجع تدريجيا حتى وصلت الفلسفة إلى عصر أطلقت عليه تسمية عصر سقوط الإيديولوجيات واقترنت هذه االتسميه  بمصطلح أخر هو النظام العالمي الجديد.

هذه المصطلحات والتسميات وتفرعاتها على علاقة مباشرة بسقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، لكن معاني هذه المصطلحات تشبه مصطلح الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي لم تكن لا إمبراطورية ولا رومانية ولا مقدسة، ولكنها على أية حال ساهمت على إطلاق أفكار تصعب اعتبارها فلسفية بالمفهوم التقليدي للفلسفة وكان من الطبيعي أن تتأثر العلاقات الدولية بهذه  التغييرات الطارئة على الفكر الانتمائي ومن ضمنها العلاقة التجسسية التي علما جرى تسخيره لدعم الإيديولوجيات واستنفرت من أجله العلوم والمعارف المتوافرة كافة. فماذا حصل بعد انحصار الإيديولوجيات لقد تحولت طموحات الفلسفة من الكون إلى الإنسان ومنه إلى الفرد فكانت أهمية قصوى وليدة العلوم الإنسانية التي تبدو اليوم وكأنها الرديف المعاصر للفلسفة، وكما باتت هذه العلوم أداة من أدوات التجسس فانتقلت الجاسوسية بذلك من علم الجاسوسية إلى جاسوسية العلم.

الوطن العربي من جهته فشل في تطوير مناهج إنسانية صالحة للثقافة كما فشل في تحديد الموضوعات ذات الفعالية الإجرائية بالنسبة له، حتى بات ينظر للعلوم الإنسانية نظرة سيكولوجية وسوسيولوجية  وأنتربولوجية ، نظرات شك تمتزج بالخوف من هذه العلوم كأداة اختراق تفاقم  وبقي السؤال المحير مطروحا، هل تستخدم هذه العلوم كحصان طروادة للاختراق الثقافي، ثم صار السؤال ذاته أكثر إرهابا مع تطور وسائل الاتصال من إنترنت وقنوات فضائية ألخ.

في عودة إلى الواقع العلمي وفي محاولة لاستشفاف الأجوبة تجد بعض الظواهر الملفتة والمتعددة حيث تكرار هذه الظواهر ينفي عنها بعد الصدفة أعني بهذه الظواهر تلك الجمعيات والدراسات ومراكز البحث المهتمة بالإنسانيات في الوطن العربي والتي شهدت طفرة لا يمكن ردها إلى الصدفة خصوصا أن معظمها يعتمد في تمويله على جهات أجنبية وهذه الجهات هي مفتاح اللغز حول الاختراق الثقافي.

بادئ ذي بدء أو تسجيل انخفاض الطموحات من الاختراق الثقافي إلى الحصول على معطيات حول حركة المجتمع العربي تتيح لمحلليها استشفاف مستقبليات حركة هذا المجتمع خلال العشرين سنة المقبلة، وربما مع محاولة التأثير على هذه الحركة وتوجيهها باتجاهات عكس أيديولوجية ولعله من المهم إعطاء بعض عناوين الإنسانيات التي تشجعها وتؤسسها وتحركها الجهات الأجنبية لكنني قبل أن أعرض لهذه العناوين أود التذكير بأن الشك والخوف من الإنسانيات يجب ألا يمتد إلى الجميع وإلا فقدنا إمكانيات الإفادة العلمية من العلوم الإنسانية .

إن غالبية هذه الجميعات تحمل عناوين حقوق الإنسان ورعاية الضحايا  والمقعدين وحل الصراعات ومناهضة الاستبداد والتعصب والديكتاتورية وحقوق الأٌقليات إلخ. 

 هذا ويتحول الخوف إلى رهاب عندما تعلم حجم المعونات الأجنبية المقدمة إلى هذه المراكز  فقد ارتفع الاتفاق على دراسات حقوق الإنسان لوحدها من 80 مليون دولار في عقد الثمانينات إلى 8 مليارات دولار خلال أوائل التسعينات . ولقد دخلت مساهمة في هذه المعونات دول لم يكن لها اهتمام بوطننا العربي مثل ألمانيا وخصوصا الدول السكندينافية والسويد على الوجه الأخص.

عند هذا الحد لا بد  من التساؤل عن مواقف المثقفين العرب من هذه الظواهر وتفسيرهم لها وقناعتهم بآثارها الجانبية المحتملة على المدى القريب والبعيد هذه المواقف تتوزع  عل النحو التالي.

1-      الموقف المتعاون يرى عدد لا يستهان به من الاختصاصيين العرب بالإنسانيات أن هذه الظواهر طبيعية وإنها تتيح لهم تمويلا يفتقدونه محليا لإجراء دراسات وأبحاث يعتبرونها ضرورية واجتماعية وتنموية. وهم يردون ارتياحهم للتعاون مع هذه الجهات الأجنبية إلا أن الدول العربية نفسها تتعاون مع هذه الجهات على صعيد حكومي رسمي. حتى أن المراكز الحكومية تستقطب  ما بين 50 و 90 % من المنح والمعونات البحثية الأجنبية.

2-      الموقف المعادي ويرى : أصحابه أ، هذه الهبات المادية لا بد من أن تكون موظفة لغاية بعيدة عن المصلحة الوطنية الصرفة، أقله أنها ترمي إلى جعلنا تبتلع مبدأ  النظر غير المتساوي أي أن تخضع حقوق الإنسان والإنسانيات عموما لتسمية  المصالح السياسية الممولة. وربما هي القناع الجديد للمخبرات لتحويل العلماء إلى جواسيس.

3-      الموقف الوسطي: ويرى أصحابه أن الخوف من هذه التمويلات هو خوف غير منطقي إذا كان مرادفا للاتفاق العلمي والثقافي  لكنهم يرونه منطقيا إذا كان فيه ما يتعارض ولو من بعيد مع المصلحة الوطنية، وهؤلاء يعلنون عن استعدادهم لقبول المساعدات الأجنبية  ولكن بشروط منها القناعة بالموضوع المطروح للبحث وشروط العقود يجب أن تكون محترمة وغير متجاوزة وضرورة مراجعة دورية للبحوث الممولة أجنبيا من قبل لجان علمية وطنية.

4-      الموقف الساخر: وهو إن كان موقف قلة من المتخصصين العرب لكنه يحظى بقبول  أوسع من بقية المواقف، ويرى هؤلاء أن هذه الجهات الأجنبية تقع ضحية محترفي فبركة أبحاث وبأن مراجعة بسيطة لتاريخ المتعاونين مع هذه الجهات تبين اهتمامهم بالشهرة وبالمال  والسياسة أ:ثر من اهتمامهم بالعلم. حتى أن أحد الزملاء المصريين من أصحاب هذا الموقف أجابني بالنص، ياويل هذه الجهات الأجنبية إذا كانت تعتمد فعلا على معلومات هؤلاء النصابيين.

ربما جاز لي بعد استعراض هذه المواقف الإدلاء برأي شخصي بهذا الموضوع فأنا اعتبر أن المعلومات التي تنتجها هذه الأبحاث يمكن للجهات الأجنبية الحصول عليها بأساليب متعددة وغير قنوات مختلفة وبالتالي فإنها مصدر محدود للمعلومات كما أنني استبعد احتال الفبركة وتزوير نتائج من قبل البعض، ولي في ذلك تجربة شخصية مع أفراد غير متخصصين  كانوا يدعون إجراء الإحصاءات التي تأتي نتائجها مضخمة عشر مرات على الأقل مقارنة مع الواقع. مع ذلك فإن الموضوع الرئيسي في رأي يبقى مسألة مناهج وسأحاول تدعيم رأي هذا ببعض الأسئلة.

1-      جرت دراسة عالمية عن مستوى البؤس في العالم وكانت نتيجتها  أن الدول الفقيرة بائسة وأن الدول الفنية راغدة العيش . لكن هذه الدراسة اعتمدت مؤشرات مثل كمية المياه المتوافرة للغرب وأهملت مؤشرات الانتحار والإدمان والأمراض المتنقلة جنسيا والشذوذ الخ.

2-      أن إهمال الدراسات  المتعلقة بالأشخاص المحتاجين إلى دور إيواء العامل إصرار  الأسرة العربية على رعاية  من يحتاج من أعضائها يجعل هذه الدراسات تقدر حاجة مجتمعنا إلى مثل  هذا الدور بضعة أضعاف الحاجة الفعلية بل أن هذه تخرج بنتيجة مؤادها  أن النقص في دور الإيواء هو علامة من علامات البؤس في هذه الدول.

3-      إن ما يجري  تحديثه من الأنظمة الضريبية يتجاهل واجب رعاية الوالدين وغيرها من الأعباء المترتبة على دافع الضرائب انطلاقا من قواعد القيم في مجتمعنا.

4-      إن دراسات الأجنبية كافة تتعامل مع المجتمع العربي من خلال مبدأ النظر غير المتساوي فهي تنسى أن  لكل مجتمع قيمة الخاصة وتتجاهل في تحليلها للنتائج عوامل ومؤشرات حيوية فتصل بذلك إلى تشخيص خاطر الأزمات هذا المجتمع وحاجاته المر الذي يستتبع اقتراحات حلول تكون نتائجها كارثية في حال تطبيقها.

خلاصة : القول أن الفلسفة تحولت للاهتمام بالإنسان وأننا إذا أردنا الاهتمام بالإنسان العربي كان من واجبنا تطويع مناهج العلوم الإنسانية بما يتلاءم  مع واقع هذا الإنسان  وبيئته الاقتصادية والحضارية فخوف الإنسان من هذه العلوم لا يعالج من خلال تكرار ببغائي عشوائي  لمناهج غير صالحة للاستعمال في حالة هذا الإنسان. وهذا أمر يقتضي أول ما يقتضي تخطيط السياسيات الجامعية والبحثية في الدول العربية باتجاه تحويل هذه العلوم الفعالية الإجرائية في خدمة  المجتمع والإنسان العربيين.
منشورة في 2/6/1997

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

Home