المافيا والشركة العملاقة وجهان لعملة واحدة

 

يرتبط مصطلح "المافيا" في ذهن الجمهور بالجريمة المنظمة وبالخروج على القانون بأشد صور هذا الخروج خطورة. فإذا عدنا للأصول اللغوية (الإيطالية) للمصطلح ودلالاته لوجدنا أنه يعني الجسارة وتقدير الذات لغاية الاعتداد بها وصولاً إلى النزق. ولو عدنا إلى الجذور التاريخية للمافيا لوجدنا أنها حركة فلاحية غير منظمة تعود إلى القرن السادس عشر. وهي لم تعرف التنظيم إلاّ مطلع القرن التاسع عشر بدعم من الرأسمالية الوطنية الصقلية. أو بالأحرى بدعم من الإقطاع الصقلي الذي تحول إلى ما يشبه الرأسمالية الوطنية عندما حاول وعمل جدياً على مقاومة العولمة-الفرنسية (على وزن الأمركة المعاصرة) التي حاول نابليون فرضها، والتي انعكست على صقلية بتعيين نابليون لملك فرنسي على نابولي. وإصدار هذا الملك في العام 1812 مراسيم تحد من سلطة إقطاعيي وأمراء صقلية. وهي خطوة استعمارية تقليدية تهدف إلى تدجين من يمكن تدجينه وإبعاد غير القابلين للتدجين. لكن الرأسمالية الصقلية لم تكن مستعدة لانتظار هذا الفرز فقامت بتمويل وتنظيم حركة  الفلاحين، محولة إياها إلى جمعيات سرية على رأس كل منها عراب ( God Father) لضبطها. ومن حينه أطلقت تسمية "المافيا" على هذه الجمعيات. فإذا ما وحد غاريبالدي إيطاليا، بعد سقوط نابليون، واحتل صقلية، رفض الصقليون هذا الاتحاد باعتباره استعماراً لشمال إيطاليا. وهكذا تحولت المافيا في العام 1865 إلى حركة تحرر وطني، وازدهرت المنظمة حتى وصل أتباعها في العام 1893 إلى مئة ألف عضو. وكان من الطبيعي أن يتعرض هؤلاء المناضلون للاضطهاد والقمع إضافة إلى فقرهم الأساسي. فكانت هذه الأسباب دافعة لبعضهم للهجرة إلى الولايات المتحدة. لتتعاظم أعداد المهاجرين الصقليين بعد ورود أنباء الرخاء الأميركي وزيادة الفقر الصقلي.

وهكذا فقد كانت هجرة الصقليين إلى أميركا هجرة منظمة وإن كانت على موجات متلاحقة. ومن هنا فإن هؤلاء المهاجرين لم يستفردوا (كما استفرد مهاجرون آخرون) ليجبروا على قبول نظام القيم الأميركي وقانون الدولة المضيفة ودستورها (الإنجيل الجديد). فهؤلاء الكاثوليك السمر الوجوه لم يرق لهم الخضوع لنظام برتستانتي-أنغلوساكسوني. يمارس عليهم أشكال التمييز العنصري. وبهذا تحولت المافيا إلى إطار منظم للدفاع الذاتي عن المهاجرين الصقليين. حتى يمكن القول بأن النظام الأميركي المتحيز هو الذي حول المافيا إلى منظمة خارجة على القانون (أي إجرامية). لكن السلطة غالباً ما تتواطأ مع مثل هذه المنظمات فتستغلها مستندة الى قدرتها على تصفيتها بحكم القانون، إذا ما تجاوزت هذه المنظمات الخطوط الحمر التي ترسمها لها السلطة.

هذا السيناريو تقدمه لنا الدراسات السيكولوجية للجماعة. كما تقدم لنا عشرات السيناريوات المطابقة له عبر الزمان والمكان (أي في أماكن متفرقة وتواريخ مختلفة).

والواقع أن الجمهور اطلع، عبر السينما والروايات وحتى الشائعات، على نشاطات المافيا ومصادر ثرواتها ونقاط تصادمها مع القوانين الأميركية وغير الأميركية. لكن حشرية الجمهور وفضوله لم يجدا بعد الرضى حول مسألة تواطؤ المافيا مع السلطة الأميركية تحديداً. فالأمر لا يتعدى الشائعات التي تنتشر بسرعة ويأتي الشك ليجعلها تخبو بسرعة. ولعل هذه النقطة هي الجاذب الأكبر الدافع للجمهور للإقبال على الأفلام والروايات والكتب التي تتحدث عن المافيا.

ولعل أحدث هذه الإصدارات كتاب للمؤلف السويسري، جان زيغلر تحت عنوان: "أرباب الجريمة-المافيات الجديدة ضد الديمقراطية" وهو صادر عن دار سووي ( Seuil) الفرنسية في 302 صفحة. فهل يحتوي الكتاب على أجوبة لأسئلة الجمهور؟ وهل هو يستجيب لفضولهم؟.

1-              تهويم غير مبرر

من المفاجئ والعبثي أن يبدأ المؤلف مثل هذا الكتاب بتهويم هو عبارة عن طرح لا سند له. ومع مثل هذه الطروحات يفقد المؤلف ثقة قارئه من دون أي فائدة أو مبرر. ويتجلى تهويم المؤلف باعتباره مصطلح المافيا مشتقاً من اللغة العربية من دون أن يشرح أو يقدم ما يدعم هذا الرأي أو ينقضه. ولاكتفاء بذكر هذا الربط هو موقف بحد ذاته. والقارئ بحاجة لما يدعم أو ينقض هذا الزعم!

وهذا التغافل المقصود من قبل المؤلف يدفعنا إلى توضيح خلفية هذا الربط، وقوامها تهمة موجهة للعرب على أنهم مخترعو الإرهاب منذ عهد الحشاشين. وهي تهم مردودة وإن لم يكن المجال متسعاً في هذا السياق لتفنيدها. ومع ذلك نسأل هل يهدف هذا الربط إلى اعتبار العنف الصقلي منتقلاً بالعدوى عن طريق العرب؟ وهل يعني ذلك تجاهل الحفريات التي أشارت إلى أن الأوروبيين كانوا ولقرون قليلة مضت آكلة لحوم بشر؟ وهذا ما أثبته الرحالة العربي ابن فضلان في وصفه لرحلته إلى أوروبا الشمالية!

مهما يكن، فإن العودة إلى الكتاب أجدى ولنبحث معاً في محتوياته فنجده يقدم تأريخاً سطحياً لنشأتها وتطورها، وعرضاً مكرراً لميادين نشاطها الإجرامي، وتقديراً ساذجاً لحجم ممتلكاتها. إلاّ أنه يبدأ بعد ذلك بطرق باب الأسرار. أسرار التواطؤ الأميركي مع المافيا. حيث يذكر.

2-              التواطؤ الأميركي مع المافيا خلال الحرب العالمية الثانية

حيث يشير المؤلف إلى المرحلة التي بلغ فيها هذا التواطؤ حد التعاون الفعلي (متجاهلاً المراحل السابقة حيث التغاضي الأميركي أتاح للمافيا تكوين نواة ثروتها عن طريق تجارة الكحول الممنوعة في أميركا آنذاك) ذاكراً اتفاق مكتب الخدمات الاستراتيجية الأميركي (وكالة المخابرات المركزية لاحقاً) مع العراب لوكي لوشيانو، ومع عرابين آخرين، من أجل تكوين طابور خامس يمهد لاحتلال الأميركيين لصقلية. ويكون دليلاً للمارينز عند نزولهم إلى الجزيرة.لكن تسمية الطابور الخامس لا تتفق مع واقع الحال. فالصقليون لم يخونوا بلدهم فهم لم يكونوا أصلاً من دعاة الوحدة الإيطالية، ولا يهمهم أن تتبع بلادهم لشمال إيطاليا سواء برئاسة موسوليني أو غيره.

3-              التواطؤ الأميركي مع المافيا إبان الحرب الباردة.

بعد سقوط الفاشية تولى الحكم في إيطاليا الحزب الديمقراطي المسيحي مما أتاح للشيوعيين الإيطاليين هيمنة ذات وزن في زمن الحرب الباردة. وبذلك تعاون الأميركيين مع المافيا (المعادية للشيوعية بحكم نموها في أجواء الثروة الأميركية- وربما لأن الشماليين كانوا ميالين للشيوعية) ليؤمنوا بعض النفوذ في جنوب إيطاليا وصقلية. ويكتفي المؤلف بإثارة هاتين المحطتين ليستنتج من خلالهما أن هذا التواطؤ قد أعطى للمافيا نوعاً من المشروعية السياسية. وليؤكد على دور التدخلات التواطئية في مساعدة المافيا للحفاظ على حيويتها واستمراريتها على الرغم من مخالفاتها، متعددة الصعد، للقوانين الأميركية.

ولكن ماذا عن الشائعات المتعلقة بهذا التواطؤ؟ وقد بلغ بعضها حدود القول بدور مؤثر للمافيا داخل الإدارة الأميركية!؟ وبتحديد أدق ماذا عن علاقة فرانك سيناترا بالرئيس ريغان؟ وماذا عن تنفيذ المافيا للعمليات السوداء (قتل واغتيال وخطفالخ) لحساب المخابرات الأميركية طوال عقود؟ بل واستمرارية هذا الالتزام وإن بصورة أكثر تستراً بعد ذلك؟ وأيضاً ماذا عن دور المافيا في اغتيال جون كيندي؟ ولحساب من؟ وتطول قائمة الأسئلة التي لا يقدم الكتاب جديداً بشأنها، حتى أنك تخرج من هذا القسم من كتاب زيغلر بانطباع أن مشاهدة فيلم عادي عن المافيا كان أجدى من هذه القراءة!.

لكن المؤلف يقودنا بعد ذلك إلى منعطف فكري فيناقش البنية الفكرية-التنظيمية للمافيا فيجدها رأسمالية بحتة. لذلك فهو يدخلنا في مقارنة بين منظمة المافيا (بصفتها الربحية-النفعية وبامتداداتها العالمية) وبين الشركات العملاقة. وعبر هذه المقارنة يحاول المؤلف أن يبين لقرائه وجوه الشبه والاختلاف بين الشركتين، فيجد وجوه الشبه بينهما في كونهما منظمة اقتصادية رأسمالية النمط وعاملة على أساس الضبط العمودي للأسواق ودفع الانتاجية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح في أقصر مدّة زمنية ممكنة. ثم يأتي زيغلر إلى عرض نقاط الاختلاف بين شركة المافيا والشركة العملاقة فيعدد الوجوه التالية لهذا الاختلاف، (وهي نقاط لا نوافق المؤلف عليها كما سنبين ذلك لاحقاً):

i-                اعتماد المافيا على تراتبية هرمية محددة (على الطريقة العسكرية).

ii-             عدم خضوع المافيا دائماً لعقلانية التراكم الرأسمالي.

iii-    البنية الاثنية-العرقية للمافيا مقابل تعدد جنسيات الشركة العملاقة! لكن القارئ يتساءل عن واقع السلطة وحركتها داخل الشركات العملاقة، فهل من  الحقيقي ومن المصدق أن هذه الشركات تطلق حرية المبادرة الشخصية ضمن بنى ومفاهيم مرنة لجميع أعضائها؟ بما يتعاكس مع قساوة المفاهيم العسكرية للمافيا؟

في الظاهر ومن الخارج يبدو ذلك صحيحاً، إلاّ أن المطلع على حقيقة الأمور وخلفياتها، يجد أن هذه المرونة ظاهرية فقط، إذ أن الشركات العملاقة تخضع لسلطة أقسى من سلطة العرابين، وأكثر بطشاً منها. وهي سلطة ما يسمى بمؤسسات التقويم المالي (على غرار مودي وستاندرد أند بورز). حيث يمكن لهذه المؤسسة أن تفلس شركة عملاقة ما. وأن تدعم أخرى منهارة، بل إنها قادرة على خلق الزلازل في بورصات بعض الدول المتعولمة حديثاً أو إنقاذها إن هي أرادت.

وبهذا تسقط حجة المؤلف في تسلط العراب المافيوي. أما عن مسألة عدم خضوع المافيا دائماً لعقلانية التراكم الرأسمالي فتقابلها لدى الشركات العملاقة لا عقلانية الانسياق وراء مؤشرات السوق وهي مؤشرات غير موضوعية. وحسبنا أن نحصي خسائر بعض الشركات العملاقة في أزمات البرازيل والمكسيك وروسيا والنمور الآسيويةالخ. ونأتي إلى النقطة-الفارق الثالث (بحسب المؤلف) بين المافيا التي يراها محصورة عرقياً، وبين الشركة العملاقة المتعددة الجنسيات. وهذا الفارق يثير الكثير من السخرية لدى المطلعين. بل أنه يظهر المؤلف بموقف السذاجة. وذلك لجملة أسباب أهمها:

1-     إن عرقية المافيا (ونظام العائلات فيها) يقتصران على قمة الهرم. وما عدا ذلك فإن هذه المنظمة المالية (المافيا) تطالب بحصتها في جميع نشاطات  الجريمة المنظمة حول العالم. فهي منظمة رأسمالية عابرة للقارات، وقادرة على الدفاع عن مصالحها وفرضها إذا لزم الأمر. وعليه فإنه من السذاجة الفصل بينها وبين منظمات الجريمة في أنحاء العالم.

2-     إن المافيا لا تكتفي بوضع الشركة التي تعمل في الممنوعات، بل أنها تؤكد حضورها في الأسواق المالية بمختلف فروعها بما فيها العقارات والبورصات والشركات العملاقة وحتى البورصات السياسية!

3-     إن تعددية الجنسيات في الشركة العملاقة يجب ألاّ تجلب أنظارنا بعيداً عن تمركز الثروات في دول معينة ومجموعات معينة وأشخاص معينين.

وبهذا تسقط الفوارق التي وضعها المؤلف بين المافيا والشركة العملاقة لتبقى دهشته حول قدرة المافيا على الاستمرار. فمبرراته لا تزيل دهشة القارئ ولا ترضيها، بل أن القارئ يتابع الأسئلة بقائمة طويلة متسلسلة من دون أن ينتظر الردود عليها (لأنها لن تأتي):

1-     ماذا يحدث لو سحبت  الجريمة المنظمة أموالها واستثماراتها من السوق الأميركي؟ وهل الإدارة الأميركية غافلة عن هذا الخطر؟

2-     تقيم الولايات المتحدة مكتباً لمكافحة الإرهاب داخلها "برئاسة يوسف بودنسكي-مؤلف كتاب بن لادن" وترصد له مبلغ ستة مليارات دولار سنوياً. فهل للمافيا حصة في هذا المبلغ؟ وهل يعتبرها المكتب مساعدة له أم عدوّة؟

3-     وصفت إحدى الصحف الأميركية سلوك الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية بأنه سلوك مافيوي. فهل يعني ذلك التقاء بين العمليات النظيفة (الرسمية) والعمليات السوداء (غير رسمية+مافيا)؟

وبمعنى آخر: هل الإثنان وجهان لعملة واحدة (أبيض وأسود)؟

4-     هل كان للمافيا حصة من ارتفاع أسعار النفط بسبب وقف تدفق البترول الخليجي في أثناء حروب الخليج (الثانية خصوصاً)؟ وهل كان للمافيا شركات من الطاقم السياسي الأميركي العامل في ميدان النفط؟

5-     ما هي حصة المافيا في العمليات السوداء في روسيا وفي دول قزوين وهي عمليات ممهدة لتحقيق المصالح المستقبلية الأميركية؟

6-              لماذا لم يحصل الصدام حتى اليوم بين الطرفين؟

7-              لماذا تراجعت الولايات المتحدة عن حرب المخدرات الكولومبية وأبدلتها بسياسة التصفية (عمليات سوداء).

8-     بالإضافة إلى نورييغا (شريك المخابرات الأميركية في تجارة المخدرات)، الذي فضحته ظروف خاصة، هل يوجد أعوان آخرون لهذه المخابرات علة المستوى نفسه؟

على أية حال فإن زيغلر لا يتدخل في هذه المتاهات، بل هو ينهي كتابه بإيراد إحصاءات عن المافيات الكولومبية والأفغانية والشيشانية والروسية، مظهراً حجم تجارتها ومخدراتها وجرائمها ويصفها جميعها بأنها مؤسسات رأسمالية قاتلة (رأسمالية قتلة). معتبراً إياها رأسمالية ساذجة، وهو اعتبار لا نقبله بعد كل ما تقدّم.

Home