|
المركز العربي للدراسات المستقبلية |
لو نحن أهملنا الفكر الإستراتيجي الأميركي السائد لتبدى لنا السلوك السياسي الأميركي عشوائيا" وفاقدا" للترابط. بمعنى عدم ملكية هذا السلوك لمنطلقات نظرية كافية. بما يدفعه للتعامل مع كل حالة بمفردها ( (Case by Case. وهو شعور يتعزز لدى بعض المراقبين بعد حوادث الثلاثاء. حتى ذهب بعضهم للقول بوقوع بوش وإدارته في حضن المسيحية الصهيونية.
لإختراق هذه الضبابية علينا أن ندرك رفض البراغملتية الأميركية للقواعد الثابتة. وهذا ما يتبدى واضحا" في القانون الأميركي المعتمد على مبدأ السابقة. فالمحامي أو المجموعة أو حتى الدولة تكسب قضيتها في القضاء الأميركي عندما تجد لها سابقة لمصلحتها. وهذا ييسر لنا فهم كيفية حصول إسرائيل على صك البراءة الأميركي. إذ وجدت إسرائيل في التاريخ الأميركي جرائم مثيلة لجرائمها ( إبادة الهنود الحمر ، عدم الاعتراف بوجود سكان أصليين، تذويبهم بالقوة في المجتمع الجديد...الخ).
وفقدان الثوابت القانونية وبالتالي الفكرية والاجتماعية يفقد الولايات المتحدة قدرة التوجه و يجبرها على إتخاذ موقع التناقض مع الآخر ومخالفته. مع خطر تفكك هذه المجتمعات إن هي فقدت العدو.
وبتطبيق مبدأ السابقة على الوضع العراقي الراهن. نعود الى القرن التاسع عشر لنقع على سابقة تدخل أميركية لإزاحة رئيس كوبا واستبداله بأحد رجالها. وإلى هذه السابقة إستندت لاحقا" العمليات السوداء الأميركية من إنقلابات دموية ( تسيلي/ بينوشيه مثلا") وحتى إعتقال رئيس دولة وجلبه الى محكمة أميركية . وهي حالة نورييغا حيث نزلت قوات أميركية بمروحيات على سطح القصر الرئاسي وإعتقلت الرئيس بعد سقوط ألفي ضحية في العملية. ( لاتعترف بهم الولايات المتحدة). وسابقة نورييغا بررت السلوك الأميركي في يوغسلافيا وإقتياد ميلوسوفيتش لمحكمة لاهاي ( مع التذكير بالرفض الأميركي القاطع للتوقيع على إنشاء محكمة الجرائم الدولية). كما بررت مجمل هذه السوابق التدخل الأميركي في أفغانستان والمجيء بقرضاي رئيسا" بديلا".
هذا العرض لمسلسل السوابق الأميركية كان ضروريا" للتمهيد عن السؤال حول الموقف الأميركي الراهن من العرلق؟. فهل هو سيناريو نورييغا؟. أم سيناريو قرضاي؟ حيث تحقن المعارضة بحقن مضخمة تجعلها تبدو قادرة على طرد الحاكم وتأتي بصاحب مطعم إلى قصر الرئاسة!. أم تراها تفضل العودة إلى سياسة الإنقلابات؟.
إن الولايات المتحدة تدرك بدقة عقبات وصعوبات تنفيذ هذه السيناريوهات في الحالة العراقية. لذلك فهي بصدد البحث عن بدائل. خصوصا" بعد القرار الإستراتيجي للحزب الجمهوري ( أعلن في سياق معارضة الجمهوريين لتورط كلينتون ،الزائد برأيهم، في سلام الشرق الأوسط) بإهمال الشرق الأوسط وعدم التدخل فيه بعد تأمين نفطه والإطمئنان عليه. مما يدفعنا لمراجعة بدائل/ سوابق أميركية أخرى. لنقع على الصداقة المفاجئة التي عقدها نيكسون مع ماو تسي تونغ ( للمناسبة فإن شخصية بوش الإبن تكاد تتطابق مع شخصية نيكسون). حيث الخوف من الإسلام ( ومن إيران تحديدا") يوازي الخوف من الإتحاد السوفياتي في حينه.
ومع كثرة هذه السيناريوهات ،وكلها مطروحة علنا" من قبل الولايات المتحدة، فإننا نميل للإعتقاد بإختيار بوش لسيناريو/ سابقة مختلف هو سيناريو كوبا- كاسترو. الذي يثبت إمكانية إبقاء بلد محاصر طيلة عقود دون تدخلات أو مشاكل. إضافة الى كون هذا السيناريو مدعوم بالتقليد الاستراتيجي الأميركي القاضي بعدم خوض حربين في آن معا". فحرب أفغانستان ليست مرشحة لنهاية قريبة. حتى لة إختارت الولايات المتحدة الهروب منها على غرار هروبها من كوريا وفيتنام ومحاولتها الراهنة للهروب من كوسوفو.
ولعلنا بحاجة للعودة إلى بعض النقاط المفصلية في المواقف الأميركية من العراق. لذلك نورد تحليلين مستقبليين تستوجب فراءتهما العودة الى تاريخ نشرهما. حيث تتناول المفالة الأولى السياسة الأميركية في تقسيط الحروب تجنبا" لدفع أي ثمن استراتيجي للعدوان ولسياسة القوة الكامنين في السلوك العسكري الأميركي ما بعد انهيار جدار برلين. لكن ذريعة الهيجان الأميركي بسبب حوادث 11 سبتمبر قد تكون كافية لادارة بوش كي تزيد الأقساط بحجة كونها مهددة. وهذه المقالة منشورة بتاريخ 9 فبراير 1999.
أما المقالة الثانية فتعرض لردة فعل الشارع العربي أمام التهديدات الأميركي بضرب العراق. خلال نوفومبر/ تشرين الثاني 1998 ( في حينه تذرع الصقور بتفجير السفارتين الأميركيتين كتبرير لضربة تحسن مستوى السيطرة الأميركية النفطية بإلحاق النفط العراقي بها. وهي ذريعة مطابقة لتوظيف حوادث 11 سبتمبر من أجل الضربة المطروحة راهنا" للعراق والبقية تأتي... وهذه المقالة منشورة بتاريخ
المصالح الأميركية وتقسيط الحرب في ثعلب الصحراء
عندما أعلنت الولايات المتحدة عن عقد أول مؤتمر فلسفي أميركي قهقه الأكاديميون الألمان ضحكاً، لاعتبارهم الخبر فكاهة ظريفة. فالمتفلسفون الأوروبيون لم يكونوا قادرين على تخيل إمكانية إنتاج فكر فلسفي من قبل المهاجرين الأوروبيين إلى أميركا، الذين أضيف إليهم لاحقاً المهاجرون اليهود الهاربون من أوروبا وبعضهم كان من أكاديميي الدرجة الأولى. ومع ذلك فإن الأمر لا يزال يبدو وكأنه نكتة. فقد اضطر الأميركيون لإعلان نهاية الأيديولوجيات قبل أن يعمدوا إلى تسويق أفكارهم، التي لم يتمكنوا من الرقي بها إلى مصاف الأيديولوجية. وذلك لجملة أسباب يأتي في طليعتها عدم قابلية هذه الأفكار للتعميم. فهي مع تطبيقاتها تتغير بتغير المصالح وميادين التطبيق. ولعلنا بحاجة هنا إلى إعطاء بعض الأسئلة المعيوشة على ذلك. ونختارها من حدث طازج هو "ثعلب الصحراء". تلك العملية التي تستدعي جملة أسئلة يمكن لإثارتها ولأجوبتها المتوقعة، أن تعطي لمحة معبرة عن نمط التفكير الأميركي. من هذه الأسئلة:
1- الحرب بالتقسيط: كانت تكنولوجيا الحرب الأميركية قادرة على تحقيق النتائج التي حصلت عليها من خلال ساعة واحدة من القصف المركز. فلماذا توزيع الضربة على أربع ليال؟ ثم لماذا كانت هذه الحرب ليلية؟ وهذه الأسئلة تستدعي أخرى حيث كانت كل مراحل الحرب العراقية مقسطة. وكانت كل مرحلة تنتهي على وعد الاستئناف لاحقاً. وهذا يستتبع السؤال عن الهدف من تقسيط هذه الحرب.
2- ضحايا "ثعلب الصحراء": في تشرين الثاني _ (نوفمبر) سوقت الإدارة الأميركية ذريعة التراجع عن الضربة العسكرية بأنها ستوقع عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين. ثم قامت بعد ذلك بشهرين بالعملية فماذا حدث؟ هل باتت الولايات المتحدة أقل اهتماماً بعدد الضحايا؟ أم أنها باتت أقل إنسانية؟ أم أنها وجدت صيغة سحرية للإقلال من عدد الضحايا؟ في المقابل هل كان للإعلان عن احتمال وقوع عشرات الآلاف من الضحايا صلة ما (مباشرة أو غير مباشرة) بتحرك الشارع العربي؟ وهل كانت هذه الصلة مدروسة أم أنها لا إرادية-غبية؟ وبالنتيجة تحصل الضربة ولا توقع سوى عدد محدود من الضحايا بما يطرح السؤال عن السبب الحقيقي لتأجيل الضربة من تشرين الثاني (نوفمبر) إلى كانون الأول (ديسمبر)؟ والذي اضطر الولايات المتحدة لاختراع هذه الكذبة! وأيضاً لماذا علقت الضربة مع وعد متابعتها في قسط آخر لاحق؟
3- "ثعلب الصحراء": إن المطّلع على السيكولوجية الأميركية يدرك مدى تطير هذه الشخصية. ففي الولايات المتحدة يبلغ التطير من الرقم 13 حدود إلغاء الطابق الثالث عشر في مبانيها: وهو يصل إلى حدود لجوء العديد من المسؤولين الأميركيين لاستشارة المنجمين. فهل يتفق هذا التطيّر مع اعتماد تسمية "ثعلب الصحراء" وهو لقب رومل القائد الألماني، الذي خسر معركة العلمين. وهنا يطرح السؤال عما إذا كان لهذا العنوان صلة ما بين"ثعلب الصحراء" والثعلب نوري السعيد وبحلف بغداد؟ وبالتالي عن علاقته بالمعارضة العراقية الخاضعة للمعايير الأميركية؟. وهذا يستدعي السؤال عن حصة هذه المعارضة في "ثعلب الصحراء"، وعن أسباب عجزها عن القيام بدورها، وهل لهذا العجز علاقة بتقسيط الضربة على أربع ليال؟ وبإنهاء العملية على وعد متابعتها؟
4- الشارع العربي: شكل سقوط جدار برلين ضربة قاصمة للتيارات القومية العربية، التي اعتمدت الأيديولوجيا الاشتراكية. حتى اعتبر بعضهم أن سقوط الاتحاد السوفياتي رديف لسقوط القومية. ووصل الأمر ببعضهم إلى حدود إعلان وفاة هذه القومية! وانعكست هذه الأحداث على الشارع العربي بظاهرة الرهاب الأميركي. إذ أن مجمل التصرفات والمواقف الأميركية كانت تصب في خانة دعم إسرائيل والعداء للعرب. وهو عداء لم تخف وطأته إلاّ في حالات التمهيد لتغلغل إسرائيلي في المنطقة سواء عن طريق سياسة الأحلاف أو عن طريق المشروعات السلمية. وأمام الهيمنة المطلقة عالمياً للولايات المتحدة وجدنا الشارع العربي ينكص إلى الدين كبديل وحيد متاح للاشتراكية المتبخّرة. وفجأة يبعث الشارع العربي بمناسبة "ثعلب الصحراء" فهل كان هذا الانبعاث مفاجئاً حقاً؟ أم هو كان مدروساً بدقة؟ هل كان للإيحاء باحتمال وقوع عشرات الآلاف من الضحايا العراقيين علاقة بهذا الانبعاث؟
5- سقوط الأنظمة العربية: تتحدث المخابرات الأميركية عن سقوط الأنظمة العربية وكأنها وكأنها تتحدث عن مناقلات في واحدة من المؤسسات الأميركية!. فقد سربت هذه المخابرات شائعة مفادها أنها اضطرت للإيعاز بوقف "ثعلب الصحراء" بسبب حركة الشارع العربي التي كادت أن تطيح ببعض الأنظمة العربية! وهي تتحدث بحرية عن رغبتها في إزالة النظام العراقي، وتحدد رغبتها في خلافة هذا الزعيم العربي أو ذاك.
ويأتي بعد ذلك تحليل ردود فعل الشارع العربي ومدى استجابته لمختلف هذه الإيحاءات. حيث يبدو هذا التحليل مناقضاً للحسابات الأميركية. لكن عجز الجامعة العربية عن حشج التأييد لعقد قمة عربية يصب في هذه الحسابات. والسؤال هنا هو هل تقبل الجماهير والأنظمة العربية تغيير هذا النظام أو ذاك على أيد أميركية؟ حتى إذا كان بعضها يعتبر ذلك ضرورة؟ وإذا كان من الطبيعي أن لكل نظام معارضيه، ولكن هل يقبل المعارضون بقبول الدعم الأميركي الكامل من أجل إزاحة النظام؟ وما هو موقف الشارع من هؤلاء في حال قبولهم لهذا الدعم؟
إن مجمل الأجوبة والمواقف المتعلقة بهذا الموضوع، لا يمكنها أن تكون دقيقة ما لم ننظر إليها على ضوء الضغوط الاقتصادية، التي تمارسها الولايات المتحدة على مختلف الأقطار العربية. فمن إنزال سعر النفط إلى ثمانية دولارات (والتهديد بالنزول به إلى الخمسة دولارات) إلى التهديد بحجب المعونات، وصولاً إلى الحصار الاقتصادي متعدد الدرجات.
إنها سياسة إفقار العرب بغض النظر عن اتجاهاتهم وأنظمة حكمهم. بل إن الإفقار بات يتخطى الحكومات إلى الأفراد حيث تتم الاستعدادات للحجز على الحسابات المصرفية للمتمولين العرب بحجة دعمهم لحركات إرهابية!
6- رؤية مستقبلية: الأميركيون يؤمنون أشد الإيمان بعلم مستجد يدعى بالمستقبليات، لذلك فإن تقديم رؤية مستقبلية قد يكون مقدمة لأي حوار جدي معهم. ولكي تكون هذه الرؤية أكثر إقناعاً فإننا نشدد فيها على نظرية الاستقراء التاريخي ونبدأ بـ :
i- انبعاث القوميات: لم يتمكن الحكم الشيوعي السوفياتي من دفن القوميات التي ضمها اتحاده على الرغم من استخدامه الوسائل كافة والحيل المتوافرة. من منع الدين إلى الفوضى الديموغرافية وفرض لغة بديلة حتى أمكن الإعلان عن وفاة هذه القوميات. لكن هذا الإعلان لم يكن أكثر من كذبة عابرة لأن هذه عادت للانبعاث فور نهاية وسائل كبتها.
ii- ثورات الفقراء: منذ عهد الرومان ولغاية وقتنا الراهن والأمثلة تتوالى على ثورات الفقراء. ولعل الولايات المتحدة لا تزال تذكر مواصفات المهاجرين الأوائل إلى أميركا وصفاتهم وأسباب هجرتهم. ولعلها تذكر أيضاً أن الأحداث التي هزت اقتصادها كانت أحداثاً داخلية من صنع مواطنين أميركيين فقراء. ولعل آخرها كانت حوادث لوس انجلوس التي تهدد باندلاع ثورة أميركية للفقراء. وإن كانت حركة الفقراء البيض أكثر هؤلاء وهي التي تجلت بانفجار أوكلاهوما.
iii- صدام الحضارات: عندما يطرح المنظرون الأميركيون الإسلام كعدو حضاري لبلادهم، فإنهم يعطون الصدارة فيه للإسلام العربي، لأنه إسلام لم يهادنون قط. ففي مراحل مختلفة تمكنت الولايات المتحدة من مهادنة الإسلام الطوراني والفارسي والآسيوي، وتعاونت معهم. أما الإسلام العربي فقد اختارت له الولايات المتحدة موقع العداء الدائم. وكان انفجار مركز نيويورك التجاري أحد أقوى ترجمات هذا العداء. وهو كرس الإسلام العربي في واجهة العداء الإسلامي للغرب.
iv-
صدمات حديثة العهد: إن الذاكرة الأميركية تحتفظ بالعديد
من الذكريات الصدمية في المنطقة العربية. ومنها الهجوم على مقر المارينز
في بيروت (أعقبه انسحاب أميركي من لبنان) والهجوم على القاعدة الأميركية
في الرياض. والهجوم على القوات الأميركية في الصومال. بالإضافة إلى تفجير
السفارات وعمليات الخطف وغيرها من الضربات التي وجهت إلى المصالح
الأميركية.
ولو أننا راجعنا فاعلية الضربات لوجدنا أنها ضئيلة الأثر
إذ أن مجمل خسائرها(مادية وبشرية)
لا تتخطى خسائر حوادث السير في أسبوع عادي من حياة الولايات المتحدة. لكن
هذه الصدمات استطاعت توليد رعب أميركي، هو الخوف من الإرهاب والذي يصل
إلى حدود تخيل تعرض المواطن الأميركي لهجمات بالأسلحة الجرثومية. مما
يؤدي إلى إنفاق المليارات على دراسات الإرهاب وسبل مقاومته. في المقابل
نجد أن المسؤولين يحافظون على رباطة جأشهم وموضوعيتهم، فيركزون خوفهم على
إرهاب الميليشيات الأميركية المتطرفة، في حين يخصصون مبالغ ضئيلة للإرهاب
المتورد (مثال ذلك أن جائزة من يقدم معلومات عن بن لادن لا تتجاوز الخمسة
ملايين دولار، ومخصصات المعارضة العراقية لا تتجاوز المائة مليون دولار.
في حين تنفق المليارات على برنامج حماية الشهود في قضايا الإرهاب عامة).
v- الفحص الموضوعي لحالة فقدان الوعي العربية: إن الجسد العربي لا يزال يحتفظ بقدرته على الإحساس وعلى إعطاء ارتكاسات مطابقة ومضبوطة، مثل ارتكاسات التعاطف مع جارودي وتشومسكي وهيكل، والأفلام التي تحكي قصص عبد الناصر والحروب العدوانية الإسرائيلية، ورفض التطبيع، وإقامة العلاقات مع إسرائيل وغيرها من الارتكاسات، التي تعكس سلامة الجهاز العصبي لهذا الجسد. لكنه يعاني في المقابل عمى الحواس ( Agnosie) مما يفقده القدرة على تنظيم هذه الارتكاسات في ردة فعل معقدة من شأنها أن تكامل مجموعة مؤلفة من ارتكاسات عدة. بما يعني عجز هذا الجسد عن إظهار تبديات انفعالية متكاملة (يعادل عجز الشارع عن تنظيم ردود فعل متكاملة). ولكن هل يمكن اعتبار ردة فعل الشارع العربي تجاه عملية "ثعلب الصحراء" إيذاناً بنهاية عمى الحواس هذا؟
انطلاقاً من هذه المعطيات تتشكل الرؤية المستقبلية التي تجزم باستحالة القضاء على الطابع الجمعي للعقل العربي (بغض النظر عن توجهاته الأيديولوجية) مما يجعل احتمالات تطويره لردود فعل منظمة جيداً احتمالات أكيدة. وهذا التأكيد يجعل من مصلحة الولايات المتحدة أن تخفف من عدائها لهذا العقل ولجسده. فها هي الأقليات بدأت تمردها على نظام السخرة الأميركية. أما المعتدلون العرب (وفق التسمية الأميركية) فإنهم يتلقون الخيبات المتتالية. وها هم المهادنون العرب وقد بدأ صبرهم ينفذ. أما أغنياؤهم فقد بدأوا يشهدون عملية امتصاص أموالهم بأساليب دراكولا. ونصل إلى العرب الخائفين الذين لم تعد الولايات المتحدة قادرة على بيعهم مشاعر الأمان، كل ذلك في مقابل الإسلام العربي، الذي بدأ ينظر للولايات المتحدة على أنها عدوة الدين، بعد أن رأى فيها حليفة له في الحرب الأفغانية. فهل تدرك الولايات المتحدة أن مصالحها في المنطقة تسير نحو بداية النهاية. إنه فصل مهم من فصول "تآكل المصالح الأميركية" التي لفت هنتنغتون الأنظار إليها.
ثعلب الصحراء بين الوعظ والمكر
5/1/1999
التهديد بالفناء حالة يعرفها الطب النفسي على أنها إحساس عازم . وغير ممكن تجنبه، باقتراب الموت. ولقد عمّم الطب النفسي الاجتماعي هذه الحالة. ونقلها من إحساس فردي بتهديد الموت، إلى شعور الجماعات والأمم باحتمالات تعرضها للإبادة وللفناء.
الطب النفسي من جهته يعتبر كل تجربة تهديد من هذا النوع صدمة أو جرحاً نفسياً غائراً، له آثاره الفورية والقصيرة الأمد، وأيضاً المتوسطة وطويلة الأمد. ولسنا هنا في مجال سرد أو تعداد أو دراسة مثل هذه الجروح في الذات العربية، لأن حديثنا يتركز على إحدى هذه الصدمات. وفي الآثار الفورية للصدمة يلاحظ الطب النفسي حالة من تضخم الذاكرة ( Hypermnesie) تتجلى بالتذكر السريع والمكلف (على شكل ومضات فكرية) لمجمل الأحداث المعيشة. وتختلف هذه العملية عن التذكر العادي بأنها تبدأ من الأقدم إلى الأحدث، عوضاً من الرجوع التدريجي من الأقل قدماً إلى الأكثر قدماً. وفي حالات الصدمة الجمعية تختلط الذكريات الشخصية مع المعلومات والمعطيات التاريخية حتى تتشابك في ما بينها بحيث يصعب فصلها. والذكريات القديمة تكون عادةً شخصيةً (بسبب حداثة سن المتذكر في حينه).
قد يكون هذا المدخل مثقلاً بالاختصاص إلاّ أنه ضروري لمن يريد أن يراجع ردود فعله الوجدانية أمام جرح "ثعلب الصحراء". وخصوصاً إذا كان ينتمي إلى جيلي نفسه. حيث كانت أولى الذكريات الصدمية (تحتاج إلى تفكير لربطها بالحدث) عبارة عن مطلع قصيدة كنا ندرسها في الصفوف الابتدائية وهو يقول:
خرج الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا
ومشى في الأرض يهدي ويسب الماكرينا
مع هذه القصيدة تذكرت حماستي وزملائي للتبرع بمصروفنا (وكان عبارة عن فرنكات قليلة) من أجل منكوبي زلزال أغادير. وأقسم أن أحداً منا لم يكن يعرف أين تقع هذه الأغادير. إلاّ أننا كنا نعلم أن هذه الكارثة الطبيعية قد شرّدت ويتّمت أطفالاً مثلنا، ورأينا أنهم أحق منا بهذه الفرنكات، لأنهم عرب مثلنا. لقد كنا عزيزي القارئ طلاب مدرسة رسمية لم تصلها حضارة الاهتمام بالإنسان شر ط ألاّ يكون عربياً، وإلاّ اتهمنا بالعصبية وبالفاشية وحديثاً بالتطرف والإرهاب. لقد كانت لهذه الفرنكات القليلة قيمة تفوق قيمة المليارات العربية المودعة في المصارف الأجنبية، وذلك لأننا كنا نملك حرب التبرع بها لمن نشاء. يومها لم نكن نعرف عزيزي القارئ من هو رئيس أغادير، وما إذا كان جيداً أم سيئاً. ولكن الأهم من كل ذلك أن فرنكاتنا لم تتعرض للإحباط ولتهمة العجز والضآلة واللافعالية. بل أتيح لنا، وسمح لنا، أن نشعر بالقدرة على الفعل، وعلى المساعدة، ولم يدفعنا أحد للإنكفاء خلف قناعات العجز واللامعقولية.
انطلاقاً من هذه المشاعر اعتقدنا أننا شركاء فعليون في صنع أحداث ذلك الزمان (حلوها ومرها) حتى اعتبرنا أنفسنا مسؤولين عن نكبة 1967 ورفضنا تحميل مسؤوليتها لعبد الناصر وحده، فأجبرناه على العودة عن تنحيه! وخضنا يومها عملية نكوص أعمق من العملية التي نعرض لها في هذا المقال. فقد رأينا مثلاً أنه كان من الغباء إخراج "ابن سينا" من حضارتنا العربية الإسلامية بسبب مذهبه. فهل رأيت يوماً اليهود يتخلون عن يهودي عادي، مهما بلغت حدة خلافهم معه؟ لكن إثارة هذه النقطة جاءت متأخرة وبعد فوات الأوان، فلم تكفنا شرذمة سايكس بيكو وملحقاتها لنا بل دخلنا في شرذمات من صنعنا الشخصي وبتشجيع من أصحاب مصالح قتلوا خلافاتنا وتناقضاتنا درساً وبحثاً وتجارب تفجير. فكان التراجع السهل عن الوحدة المصرية-السورية، وكانت شيزوفرانيا اليمن، التي لم تشف لغاية اليوم. حتى وجد أصحاب المصالح أن بإمكانهم توليد هذه الشيزوفرانيا بصورة اصطناعية ( مخبرية) فكانت إغراءات وتشجيعات وإيحاءات ابتلاع الأبطال العربية القوية للأقطار الأضعف. ثم تفجير المشكلات الحدودية (حقول ألغام زرعها الاستعمار عمداً) وأخيراً طرح مشكلات الأقليات في الوطن العربي.
لقد عالجت ألمانيا إصابتها الشيزوفرانية بعلاج فعال هو الاقتصاد. فقد قدمت ألمانيا الغنية (الغربية) تضحيات اقتصادية لترفع مستوى معيشة الألمان الفقراء، ولهذا نجحت الوحدة. ولو أن عراق 1990 كان غنياً وقادراً على رفع المستوى المعيشي للكويتيين، لما كان بحاجة لاجتياحها بالعدوان. فالقوة ليست علاجاً لشيزوفرانيا الشعوب. من هنا القول بأن العراق قد أخطأ، وغرر به واستدرج لخلق شيزوفرانيا جديدة في منطقة الخليج المملوءة بالشيزوفرانيات (لا تحتاج إلى تعداد)، لكن هذا لا يمنع السؤال عن فرنكات أطفالنا في كل قطر عربي، كي تتجمع بمساعدة أطفال العراق المنكوبين بنقص الغذاء والدواء وبأخطار السرطان التي سيهددهم بها اليورانيوم الخامد المستخدم من القوات الحليفة العام 1991، والذي تبقى إشعاعاته فاعلة على مدى ثلاثة آلاف سنة؟ نحن لم نعد نظن أو نتوهم القدرة على الفعل جلّ ما في الأمر، إننا نتساءل عن فرنكات الأطفال العرب التي قد تنقذ بضعة أطفال عراقيين.
في أزمة تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 السابقة ل"ثعلب الصحراء" أجرت معي إحدى الإذاعات العربية لقاءً استطلاعياً حول إمكانية توجيه ضربة عسكرية أميركية للعراق.
في حينه لم أكن أصدق بأن الضربة قابلة للتأجيل (لم يؤجلها سوى الإحراج) وذلك لجملة أسباب في طليعتها تهديد إسرائيل لأميركا بإرسال فريق كوماندوس لاغتيال الرئيس العراقي (على غرار حملتها على الديراني في البقاع اللبناني !!) الأميركيون من طرفهم أكدوا استحالة تنفيذ هذه العملية، خصوصاً بعد حماقات الموساد المتكررة، وإن كان هذا السبب غير رئيسي فإن للضربة جملة أسباب موجبة لا تجعلها ضرورية فقط بل تفرض تقسيطها. فبعد حوالي الثماني سنين من المراقبة والحصار والإفقار فإن البلد لم يعد يحتمل ضربة حاسمة (لذلك فهي واجبة التقسيط). خصوصاً أن العراق لم يعد يشكل تلك الفزاعة الكافية لجلب تأييد الرأي العام الأميركي ولابتزاز الدول النفطية. وهكذا فإن ضربة محدودة مقسطة يمكنها أن تعيد لهذه الفزاعة بعضاً من هيبتها. وربما هي تساعد على بروز إرهاصات أولية لملامح عدو جديد تستغيث الولايات المتحدة لإيجاده (ولو صورياً أو مؤجلاً بضع سنوات من دون فوائد!) من هنا رأيت أن الضربة الأميركية لن تتجاوز الساعة الواحدة (ولا أزال أتساءل عن أسباب توزيعها على أربعة ليال فلا أجد مبرراً سوى تقسيط التقسيط). كما رأيت أنها ستنزل قوة كوماندوس لقطع الطريق على الاقتراح الإسرائيلي ولتشجيع المعارضة العراقية وللتشديد على واقعة استحالة اختراق حماية القيادة العراقية.
ولما تأجلت الضربة وجرت محاولات تبريرها بالخوف على أرواح آلاف العراقيين بدا الأمر نكتة تفوح منها رائحة فستان مونيكا النتن. فهل يسب الثعلب (الذي زرع الأرض باليورانيوم المنضب ) الماكرين؟! ويخاف على الأرواح؟
لقد بدت المسألة بأنها هروب إلى الأمام، فإذا كان بوش قد أعلن عن قيام نظام عالمي بزعامة أميركية، فإن كلينتون يريد الهروب من فضيحة مونيكا بالإعلان عن زعامة عالمية أميركية لا مبالية بالعالم وبأممه المتحدة. وهذا ينسجم مع تحليلنا لشخصية كلينتون (المنشور في الكفاح العربي وفي كتابنا"النفس المقهورة – سيكولوجية السياسة العربية ". ولعلنا نجد تأكيد ذلك في العبارة المكتوبة على صاروخ أميركي ألقي على بغداد وتقول:"هدية إلى المسلمين بمناسبة شهر رمضان".
وهذه الهدية تليق بالحضارة العدوة التي طرحتها فرضية صدام الحضارات. بل قل أنها مجرد عينة من هدايا علينا انتظارها. خصوصاً بعد أن تأكدنا أن العراق لم يعد عمقاً عربياً استراتيجياً، بل هو تحول إلى منطقة منكوبة بإشعاعات اليورانيوم، وبالتفكك إلى دويلات وهو إذاً غير مقصود بمثل هذه الهدايا بل يقصد بها دول المنطقة التي تتعرض الإفقار عن طريق خفض أسعار النفط لغاية النهب، ودفعها للتسابق على التسلح، وتفجير تناقضاتها الداخلية، وفيما بينها. وإذا كان تهديد إسرائيل بإنزال كوماندوس يهودي في بغداد دفع بالولايات المتحدة لخوض "ثعلب الصحراء"، فإن تهديد إسرائيل بضرب المفاعل النووي الإيراني، قد يدفع بالولايات المتحدة لخوض سلسلة جديدة من الثعالب حتى تجرؤ على إعلان صريح عن الدول المستهدفة فعلياً من هذه العمليات.
المستقبليون الأميركيون أعلنوا بوضوح تام عن إمكانية التحكم بمصائر الدول عن طريق تبني أقليات معينة وإغنائها بالمعلومات. وهذا ما يطبق اليوم في الأقطار العربية كافة من دون استثناء. وهنا استنتج رأياً اعترف بغرابته، وهو أن الثورة العالمية ستنطلق من داخل الولايات المتحدة نفسها، وليس من أي قوة خارجية، فقد تمكنت العاقلة مونيكا من تشكيك المواطن الأميركي بتوراته الجديدة (الدستور الأميركي) وتمكنت السيدة باولا جونز من مقارعة رأس النظام العالمي الجديد ومحاكمته…الخ.
ويبقى لنا بعد كل ذلك أن نعلم أطفالنا حسن استخدام الفرنكات والشعور بقدرتهم على الفعل والمساهمة في التغيير، وأن ندربهم على الصبر بانتظار ظهور عدو جديد يحل أزمة الولايات المتحدة، الباحثة بلهفة عن عدو يخلصها من ثوراتها الداخلية. علنا ننجو من سياسة الحصار والإفقار الممارسة على شعوبنا ودولنا.
للمزيد انظر: بغداد المحطة التالية