الأمير ( كتاب ماكيافيللي )
يعتبر كتاب " الامير " لماكيافيلي مدخلا الى علم السياسة الحديث . فقد طرح ماكيافيلي اشكالية السلطة باسلوب تميز بالواقعية الصارمة و بتحديد فظ و صارخ للحاجات . لكن ذلك لا ينفي تأثر هذا المؤلف بالارسطوطاليسية التي وضعت السياسة في قمة هرم العلوم التطبيقية لتدرج الاقتصاد و السلوك الشخصي ( علم النفس و التربية ) كتوابع لها ادنى منها اهمية . فقد اهتم ارسطو بالبحث عن مواصفات الحكومة الصالحة التي تؤمن الحياة الصالحة للمواطنين . في حين تمرد ماكيافيلي على هذه الاولوية و ابدلها بهدف اعتبره في قمة الاولويات و هو : " تأمين الحكم القوي و الفعال لايطاليا موحدة و غير كهنوتية " من هنا تركيزه على " الامير " فهو الشخص الذي يجب التعرف الى اغواره و العمل على تثقيفه و توسيع مداركه لتدعيم سلطته . بعد ذلك يمكن للسياسة ان تكون فن اضفاء السعادة على الاتباع اكثر مما هي مجرد الحصول على طاعتهم . لكن السلطة قد لا تجد دوما القدرة على كسب الطاعة عبر اعطاء السعادة و ذلك لتعلق الامر بالناس و باهوائهم و بالعوامل المؤثرة فيهم ايحائيا . و عندها فان الامير يلجأ للقوة . و لا يخفي المؤلف تعلق مسألة استخدام القوة بشخصية الامير ... و هكذا فان ماكيافيلي يقدم لنا في هذا الكتاب تأسيسا لعلم السياسة الحديث و يضمنه جرعة كبيرة من العلوم النفسية و التربوية . بل انه يدعو لاستخدامها في دعم الامير الطاغية . الذي يستبيح طغيانه في سبيل هدف اسمى هو جمع شتات ايطاليا المنقسمة الى دول – مدن مستقلة في مواجهة موجة من الحكومات الملكية العظيمة و في مقدمتها فرنسا . من هنا رأى ماكيافيلي حاجة ايطاليا الى نبي مسلح ( الامير ) كي يوحدها في مواجهة الممالك الكبرى المحيطة بها و المهددة لها . و هو رأى ان للجمهور ( الشعب ) طبيعة متقبلة بحيث يسهل اقناعه ببعض الامور لكن استمرارية هذه القناعة صعبة بسبب عدم ثبات ميول الجمهور . و الامير الجيد عليه ان يحفظ هذه القناعة خصوصا ان هو اراد الاصلاح و ذلك لا يتأتى له اذا لم يكن مسلكا و قادرا على استخدام و قادرا على استخدام القوة عند الحاجة و هكذا كان كل من موسى و قورش و تيزيس و رومالاوس – يقول ماكيافيلي .
لكن كتاب الامير كان مختصرا و يعرض لافكاره بسرعة دون ان يؤثر هذا الايجاز في العمق الفكري للكتاب . الا ان ظهور العلوم المتفرعة عن علم السياسة التقليدي من اقتصاد و اجتماع و علم نفس و تربية و احصاء و معلومات ... الخ و تطور هذه العلوم كان من شأنه ان يحول هذا " الكتيب " الى كتاب وصفات سحرية للامراء المعاصرين لهذا التطور . بل ان بعض الامراء المعاصرين لا يحصرون اهتمامهم بتوحيد بلادهم تحت سلطتهم ، مستبدلين التسلط و الطغيان السياسي – الاستعماري بالتسلط الاقتصادي و الثقافي و الفكري على الصعيد العالمي . حتى بلغ طموح الامير المعاصر درجة " النظام العالمي " بما يتضمنه هذا الطموح من آحادية و من تحديات للفردية . هذه الفردية التي لم تعد متأثرة بمكبوتات السلطة الالهية للملك او لرجال الدين مما اتاح لها فرصة ادعاء الامارة الخفية . و من هؤلاء الامراء المستترين نذكر اباطرة المخدرات و مضاربي البورصات و رؤوس الجريمة المنظمة و المسيطرين على الشركات العملاقة و الرساميل الضخمة و غيرها من اشكال الفردية التي تهدد العولمة ( الامارة الماكيافيلية العالمية ) بصورة جدية ( انظر سيكولوجية البورصة ).
و على اية حال فان مفاهيم علم السياسة لم تقف عند حدود الامير بل هي تخطته عبر وقائع تاريخية و جغرافية حيث خارطة العالم في تغيير مستمر يستتبع معه تبدلات تطال كافة الصعد الانسانية و المعيشية . فهل لنا ان نقدم بعد كل ذلك تعريفا للسياسة ؟ ( أنظر علم السياسة).