إيــــران والعــــرب
 

  مــواضيع ذات صلــة  
مخاوف مجلس التعاون من إيـران  الأمن الخليجي الملف النووي الايراني
الشيعة في السعودية

الأمـــن الكويتــي

المسألـة العراقيـة

حرب أميركا على الإرهاب

الملف النووي الايراني BBC

الملف النووي الايراني- الجزيرة

 لقد أصبحت إيران دولة نووية!

إيران تستأنف أبحاثها النووية العرب ونوويــة إيران
التسلح النووي الإسرائيلي

لعبة البوكر والنووي الإيراني!

طموحــات إيران النووية
البرنامج النووي الإسرائيلي نووية إيران في مجلس الأمن فضيحة إيــران غيـت
واشنطن تهدد باحالة ايران الى مجلس الامن خطة الهجوم الاسرائيلي الامريكي على ايران

إيران تأمل تجنب إحالة ملفها النووي لمجلس الأمن

ضربة تكتيكية متوقعة للمفاعل النووي الإيراني
  الغارديان: إيران وإٍسرائيل ستحكمان غابة الشرق الأوسط 

                  

                                    الآثار الجيوبوليتيكية لحرب أفغانستان وإنعكاساتها على العلاقات العربية الإيرانية
د. محمد احمد النابلسي
منشورة في مجلة مركز الدراسات الستراتيجية / شؤون الأوسط - عدد شتاء 2003
 

إعتمدت السياسة الأميركية مبدأ التموقع بالنسبة للعدو منطلقاً إستراتيجياً. فكانت الولايات المتحدة منذ إستقلالها نقيضاً لانجلترة المستعمرة. ثم نقيضاً للمحافظة الأوروبية وبعدها للنازية وصولاً إلى الشيوعية. التي ولت دون أن تترك لأميركا عدواً بديلاً تتموقع بالنسبة إليه وتوجه مصالحها بعكس إتجاهه. ومن هنا أهمية الجملة التي همس بها مستشار غورباتشوف المدعو جورجي آباتوف في أذن أحد كبار المسؤولين الأميركيين إذ قال: " إننا نصيبكم بخطب جلل فنحن نفقدكم العدو".

ولعل مقالة صموئيل هنتنغتون المعنونة ب: " تآكل المصالح الأميركية " (1) هي بداية ظهور الإرباك الإستراتيجي الأميركي إلى العلن. حيث يؤكد الكاتب على إفتقاد السياسة الأميركية للمرونة في التعاطي مع متغيرات غياب الإتحاد السوفياتي. ومعه فقدان التوجيه الأميركي للمصالح. وصولا" إلى التأكيد على أن إنفجار أوكلاهوما لم يكن ليحدث لو إحتفظت الولايات المتحدة بعدو لها. وبذلك يكون الكاتب قد برر طرحه السابق ل: " صدام الحضارات " وفيه رشح الإسلام و الكونفوشية أعداء" لأميركا الباحثة عن عدو يمكنها من إعادة تنظيم وتوجيه مصالحها. وشاءت الظروف أن يهوي الإتحاد السوفياتي وبوش الأب رئيسا" ذي مواصفات خاصة. فهو رئيس سابق للمخابرات الأميركية ( وبالتالي فهو لا يبالي بآراء الأكاديمين وتنظيراتهم) وهو أيضا" نائب سابق للرئيس ريغان الجمهوري ( وبالتالي فهو مشارك في صنع نصر إزالة الإتحاد السوفياتي ومطلع على حيثيات سقوطه) كما أن سلوكه من نوع :       الفاعل الإيجابي ( نمط نفسي لسلوك الرؤساء الأميركيين يمتاز بالرغبة في الفعل وصنع المجد الشخصي). وعليه فإنه لايبالي بالفوضى التي تحدث عنها المنظرون الإستراتيجيون ويريد بإلحاح إستغلال فرصة غياب العدو لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب. وإنطلاقا" من هذه الرؤية كان من الضروري إصطناع الفوضى في منطقة الخليج لإستغلالها في تثبيت النفوذ الأميركي في تلك المنطقة. حيث تفيد تقارير تلك الفترة بترشيح بؤرتين أساسيتين لصناعة تلك الفوضى. وهما : الأطماع العراقية بالكويت ( المدعومة بإيحاءات أميركية سابقة ومتزامنة مع حرب الخليج الأولى ومتكررة مع إيحاءات السفيرة غلاسبي ) والخلافات المذهبية في البحرين. ولعلنا بحاجة إلى بعض الوقت كي نتبين أسباب إختيار بوش للعراق بدل البحرين. ثم جاءت إنتخابات فشل بوش وفوز كلينتون لتنبه الأول ، بعد فوات الأوان ، إلى واقعة أن الرخاء هو المحدد لخيارات الناخب الأميركي وكذلك المعادلة الداخلية وقوى الضغط الفاعلة فيها. فكان إنتصار كلينتون تحت شعار " أميركا أولا" " الجاذب لجمهور الرخاء الأميركي.

هكذا دخل كلينتون إلى البيت الأبيض مثقلا" بوعود إنتخابية سخية وبإساءة توظيف ثغرات القانون الإنتخابي الأميركي وبدعم قوى خارجية معارضة لسياسة بوش. وهذا الرئيس ينتمي إلى النمط " المنفعل الإيجابي " الذي يمتاز بمرونته الفائقة وقدرته على المناورة ويوظفهما للتهرب من المواجهات. هذا التهرب الذي طغى على فترتيه الرئاسيتين مما جعله يترك غالبية الأزمات الموروثة عن بوش بدون حلول كي تتحول إلى الإزمان والإنتان. ولو نحن راجعنا دخوله حرب كوسوفو لوجدنا أنه أطال المناورة حتى حمل مسؤوليتها كاملة للإتحاد الأوروبي. كما أنه تجنب إعلانها حربا" كي يتهرب من مواجهة الكونغرس ذي الأغلبية الجمهورية في حينه. وهكذا ناور كلينتون ونجح في التهرب من أية ورطة مكلفة في مقابل تحقيق مكاسب إقتصادية مباشرة وسريعة ( على الطريقة اليهودية المنسجمة مع سيطرة اليهود على إدارة كلينتون ). وهكذا نجا هذا الرئيس من جملة أزمات مفصلية ( إنفجار أوكلاهوما وحادثتي السفارات الأميركية وأزمات البلقان وغيرها ) عن طريق إعتماده سياسة تصدير الفوضى بديلة لسياسة إصطناعها. الأمر الذي دفعه للتصرف مع كل حالة بمفردها ( Case by Case ). مما أعتبر في حينه بمنزلة الفوضى الإستراتيجية وإستجلب إنتقادات الجمهوريين والإستراتيجيين لسياسة كلينتون. لكن هذه السياسة تمكنت من تحقيق أول فائض في الميزانية الأميركية منذ العام 1956 إذ كان هذا الفائض 115 مليار دولار في العام 1999. ومع ذلك تساءل الجمهوريون عن مدى إمكانية الإستمرار في هذه السياسة ؟.

هذه هي بإختصار شديد المقدمات التي أرست منطلقات الرئيس الجديد ووكر بوش لإعادة ترتيب أميركا والعالم معها. وجاءت أحداث الثلاثاء لتحدث زلزالا" أميركيا" غير مسبوق. أتبتعه إدارة بوش بجملة مفاجآت إستراتيجية مناقضة لسلوك إدارة كلينتون وللتوقعات التحليلية. مما برر طرح التساؤلات حول تصنيف تصرفات هذه الإدارة في خانتين رئيسيتين هما: التصرفات الرد فعلية للثلاثاء والتصرفات التي إستغلت الثلاثاء لتمرير تحركات معدة مسبقا". ولهذا التقسيم أهميته البالغة كونه يساعد على إستبصار مستقبل السلوك الأميركي في العالم وفي الشرق الأوسط تحديدا". حيث الوضعية الأميركية كقطب أوحد تفرض نفسها لدى أية مناقشة أو توقع مستقبلي يتعلق بمنطقتنا أو بغيرها من دول العالم.

1.    بوش يتسلم الرئاسة في الزمن الأميركي الصعب.

تسلم ووكر بوش الرئاسة من كلينتون في ظل ظروف شديدة الشبه بتسلم ريغان للرئاسة من كارتر. وكان فريق بوش واعيا" لهذا الشبه لدرجة إعلان بوش عن توحده بريغان وإعتباره مثالا" يحتذى. وهكذا سارت التعليقلت بإتجاه عقد المقارنات بين سلوك ريغان الرئاسي وبين السلوك المتوقع للرئيس الجديد. لكن هذه المقارنات تجاهلت عنصرا" أساسيا" يعرقه علماء نفس السياسة جيدا". وهو الفارق بين شخصية ريغان ( منفعل إيجابي يجيد المناورة وحسن التخلص) وبين شخصية بوش الإبن ( منفعل سلبي لايتحمل الإحباط ويتسرع في التورط وهو قالب سلوكي مشترك مع جونسون ونيكسون). وها هو تطور الأحداث يبين إتجاه قرارات بوش بعيدا" عن سلوك ونمط ريغان ( مع إحتفاظه بالعديد من رموز ريغان في إدارته) وألصق بقرارات جونسون في التورط بالحرب الفيتنامية. وهذه المفارقة خذلت كل التوقعات بخصوص الرد على الثلاثاء الأسود. وهو رد تضمن قائمة من الإنقلابات الإستراتيجية. منها إخراج باكستان من نادي الدول المارقة والصدام المستور مع السعودية. عداك عن التراجع عن بعض الثوابت الكلينتونية. مثل التعهد بعدم التدخل على تخوم الصين والتراجع عن جملة الوعود الهادفة لإقرار إستقرار الشرق الأوسط مع عدم التدخل في خارطته الجيوبوليتيكية مقابل ضمان المصالح النفطية الأميركية.

أما وقد تدخلت أميركا في هذه المنطقة ،مع توليها مهمة التدخل المباشر في خارطتها، فإن أية مناقشة لمستقبل المنطقة ولدينامية العلاقة بين دولها لا بد لها من أن تمر بمناقشة الموقف الأميركي التفصيلي من بنود هذه المناقشة. من هنا السؤال عن رؤية أميركا للمآزق الإستراتيجية المتخلفة عن حرب أفغانستان وإنعكاساتها على دول المنطقة.

2.    الشرق الأوسط بعد الثلاثاء الأميركي.

كان توجيه التهمة إلى الشرق الأوسط المسلم بعد ساعات من الحادث إيذانا" بتوسيع الشرق الأوسط. بحيث بات يضم إضافة إلى العالم العربي كلا" من إيران وباكستان وبنغلادش وجمهوريات القوقاز المسلمة. وهذا التوسيع هو رغبة أميركية دفينة إذ يجمع الدول النفطية ،وأبعادها الإستراتيجية في المنطقة، في إطار مفهومي واحد هو "الشرق المسلم" وهو ضمنا" وبعد حرب أفغانستان "الشرق الإرهابي". الذي يتوجب على دوله إستخراج براءات ذمة وشهادات حسن سلوك أميركية بالإستجابة لشروط لم تكن مطروحة قبل تلك الحرب. الأمر الذي شكل مفاجأة غير متوقعة لتلك الدول. دون أن يترك لها الوقت الكافي للتعامل مع هذه المتغيرات. حتى أمكن القول أن لكل دولة من دول المنطقة مأزقها الخاص ونبدأ ب:

أ‌.      المملكة العربية السعودية: بعد سنوات وجهود مضنية لمحاولات المملكة إعادة ترتيب البيت الخليجي والمسلم عامة ( حل الأزمات الحدودية والتوسط في الصراعات والإنفتاح على الجيران الخ) تأتي حرب أفغانستان لتفجر أزمة سعودية داخلية معقدة. فالجمهور السعودي في غالبه جمهور سلفي النزعة. وهو مشارك فاعل في الحركات الأصولية السلفية. ومنها حركة بن لادن الناشئة بمباركة وتشجيع أميركيين. والمتحولة بفعل ساحر إلى الشيطان الأكبر ،وريث الشيوعية، بالنسبة لأميركا. فكان من الطبيعي أن تتسبب هذه المفاجأة الأميركية بإضطراب الداخل السعودي ( تجلى ببعض الحوادث المتفرقة داخل السعودية). مع إعادة إحياء المطالبة بإخراج الأميركيين من الخليج. ويتضاعف إحراج المملكة بإنعدام مراعاة الإدارة الأميركية لهذه الوضعية الخاصة. لدرجة التدخل المباشر لمضاعفة هذا الإحراج التي تبطن الرغبة في تفجير التناقضات السعودية. وذلك بهدف الضغط على المملكة لإطلاق اليد الأميركية في نفط المنطقة.  

                                                           
 ب. العراق: تجاهلت أولى زيارات وزير الخارجية الأميركي ،كولن باول، للمنطقة كل الأوضاع المتفجرة فيها ،بما فيها الإنتفاضة، كي تركز على الرغبة في ضرب العراق.    لكن هذه الزيارة لم تكن مشجعة. فصحيح أن الإنتفاضة قد حولت إتجاه الرأي العام العربي من العراق بإتجاه فلسطين لكن مآسي الشعب العراقي لما تزل حاضرة في الأذهان. وها هي حرب أفغانستان تأتي لتضع الحدود لشكلية الإلتزام الأميركي بإتجاهات الرأي العام. وللحرج الأميركي بالتسبب في إحراج الحاكم أمام جمهوره. فقد إنطلقت تلك الحرب من مفهوم نيكسون القائل بأن الأميركيين يتحولون إلى حمقى إذا ما ضربت مصالحهم. وبناء على هذه الحماقة كان التورط الأميركي في تلك الحرب. التي إعتمدت فيها سياسة الثور الهائج. مما جعل سؤال :" هل يضرب العراق" مستبدلا" بسؤال آخر هو: " متى يضرب العراق ". وهذا يعيدنا إلى السيناريوهات التي طرحت عام 1998 لهذه الضربة. حيث تجنبها كلينتون بمرونته المميزة فإستبدلها بضربة محدودة هي ثعلب الصحراء. ومن هذه السيناريوهات إنزال كوماندوس أميركي لإغتيال الرئيس العراقي.   ج. سورية: تمكن الرئيس السوري الجديد من تخييب كل المراهنات التي عقدت على إحتمالات قصور أدائه وصعوبة ملْ الفراغ الذي خلفه والده الراحل. إذ تمكن من إجتياز الإختبارات والأزمات الصعبة المعدة له مسبقا". وبالرغم من الرغبة الإنفتاحية البارزة لدى القيادة الجديدة فإن أولى الهدايا الأميركية كانت التمديد لسورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب. لكن الإحراج الأكبر هو المطروح بعد الحرب الأفغانية والذي يدرج حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي كمنظمات إرهابية بما يشكل تهما" مباشرة لسورية. 

 
  د. ايران: كان التجديد لإيران على قائمة الدول راعية الإرهاب رسالة أميركية تضمنت عدم كفاية إدارة بوش من كافة إصلاحات التيار الإنفتاحي للسيد خاتمي. في حين كان كلينتون مشجعا" لهذه الإصلاحات ومتجاوبا" معها. ومثل هذا التغيير لايمكنه أن يمر بدون تحفظات وإستعدادات إيرانية. خصوصا" وأنه يتزامن مع حملة إسرائيلية شعواء حول ملكية إيران لأسلحة نووية وتطويرها لصواريخ باليستية. وبلغت هذه الحملة حدود الإعلان عن الرغبة الإسرائيلية في توجيه ضربة إلى أيران على غرار ضربتها للمفاعل النووي العراقي. و لا شك أن مثل هذا التزامن يذكر بجملة المحاولات المهددة للإستقرار الإيراني. بدءا" بإثارة المشاكل الداخلية ( بين التقليديين والإصلاحيين والمعارضة الخارجية وعرب الأهواز والأذربجانيين..الخ). بالإضافة إلى تلك الحدودية ( الجزر الثلاث والنزاع على التشاطوء على بحر قزوين خصوصا"). عداك عن أزمات العلاقات الخارجية الإيرانية المزمن منها والراهن. فإذا ما جاءت حرب أفغانستان وضعت جملة هذه الأزمات على نار ملتهبة. ومع ذلك فقد تحاشت القيادة الإيرانية المساهمة في إذكاء نار مشاكل جيرانها. فتصرفت بحذر بالغ متنازلة بذلك عن جملة مكاسب كانت ممكنة التحقيق لو هي إعتمدت المفهوم الضيق للمصالح. فإكتفت بالمكاسب التي تحققت بحكم ظروف تلك الحرب.            

هـ  باكستان: لم يكن سماح باكستان باستخدام أراضيها لشن الحرب على أفغانستان مفاجئا". فقد سبق لها السماح في العام 1999 لفرقة كوماندوس أميركية بالهبوط في مطار إسلام أباد إستعدادا" لشن هجمات على أفغانستان. حيث صرح كلينتون في أعقاب حرب أفغانستان أن إدارته كانت قد أصدرت الأوامر بإغتيال بن لادن لكنها تراجعت بسبب درع بشري من النساء المحطن به. ولهذه المرونة الباكستانية علاقة مباشرة بنمط حليفتها الإستراتيجية ( الصين). التي لم يصدر عنها أي إحتجاج لمخالفة بنود تعديلات حلف الناتو. التي تقر صراحة بعدم وجود مصالح للحلف على تخومها. بما يناقض مواقفها من حادثة الطائرة التجسسية الأميركية في فبراير 2001. لكن هذا الموقف الباكستاني وضع البلاد في حالة إحتجاجية تقودها قبائل الباشتون والقوى الإسلامية. بشكل يهدد إستقرار باكستان.      هذه هي بإختصار شديد الإنعكاسات المباشرة لحرب أفغانستان على أوضاع الشرق المسلم. فكيف تؤثر هذه الإنعكاسات على علاقات هذه الدول ببعضها البعض. وما هي بوصلة التوجهات الأميركية الضاغطة لتقنين هذه العلاقات. وقبل هذا وذاك هل تترك الولايات المتحدة جغرافية المنطقة على حالها أم تسعى لإجراء جراحات وحشية فيها. إعتمادا" على سياسة التفتيت العنقودي لدول المنطقة؟.         

3.  الموقف الأميركي بعد أفغانستان.

في البداية نذكر بشائعة تم نشرها العام 1999 عبر الأنترنت. وتقول هذه الشائعة أن حلفا" إسلاميا" ،يضم باكستان وإيران والسعودية، يسعى للقضاء على إسرائيل بإستخدام الأسلحة النووية. وهذه الشائعة على سذاجتها تنطوي على مدلولات هامة في سوق الشائعة السياسية. وبشكل كاريكاتوري بحت فإن أول هذه المدلولات هو الإشارة إلى خطورة أي تقارب بين الدول الفاعلة في المنطقة. هذه الخطورة التي تفسر الفيتو الأميركي المزمن على أي تقارب من هذا النوع. مع العمل المتواصل على تفجير التناقضات ،مختلفة الصعد، بين أطراف هذا التقارب المحتمل. ولعل التقارب العربي الإيراني هو أخطر أنواع التقارب المؤذية لحسابات المصالح الأميركية. حتى أمكن القول أن إصلاحات الرئيس خاتمي قد خسرت المكافآت الأميركية لإقترانها بالتقارب مع السعودية ولمراعاتها للحساسيات العربية إجمالا". هذه المراعاة التي بلغت أوجها خلال وعقب حرب أفغانستان. حيث تجنبت إيران عرض مكاسبها في أفغانستان بالرغم من خلافاتها القديمة مع طالبان. وتوج تقارب ما بعد تلك الحرب بزيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد كروبي إلى المملكة العربية السعودية في ديسمبر 2001 وتصريحاته في تلك الزيارة. مما يدفعنا لطرح السؤال عن ردة الفعل الأميركية المحتملة من هذا الإصرار على التقارب؟.

من الواضح أن الولايات المتحدة مصرة على إحراج السعودية لغاية التدخل في مناهج التعليم الديني. وهو تدخل لم تمارسه الدول الإستعمارية وهي في أوج سطوتها. كما أنها مصممة على المضي في إحتواء إيران عبر وسائل الإحتواء المتاحة. مضافا" إليها تحويل أوزبكستان إلى إسرائيل المنطقة ( عقد البلدان معاهدة أمنية وسماح بإنشاء قواعد أميركية بمباركة روسية). إذ يتوقع توظيفها لخدمة المصالح الأميركية في المنطقة كي تلعب دورا" مطابقا" لدور إسرائيل في المنطقة العربية. لكن الأخطر من هذه الضغوط المباشرة هي تلك الضغوط المتوقعة التي من شأنها أن تعيق وتعرقل رغبات التقارب وتحول دون ترجمتها العملية. هذه الضغوط التي تتمثل بتوزيع التهديدات الأميركية في جميع الإتجاهات. وهي تهديدات كثيفة تجعل التوقعات ضربا" من ضروب اللامعقول. ولكنها لا معقولية قد تكون ضرورية لمواجهة الفوضى الإستراتيجية الأميركية. التي بدأت أواخر حكم كلينتون وأينعت مع بدايات حكم ووكر بوش. حيث ركود وخسائر الإقتصاد الأميركي غير قابلة للعلاج بالوسائل التقليدية. وحيث أول شروط العلاج هو السيطرة الأميركية المطلقة على نفط الشرق المسلم. إذ تتيح هذه السيطرة لأميركا تحويل كارثتها الإقتصادية المقبلة للتقاسم بين مستهلكي هذا النفط وهما: الإتحاد الأوروبي واليابان. وإتمام هذه السيطرة يقتضي حظر التقارب بين الدول النفطية مع تهديد كل منها بإثارة نعراته وأزماته المزمنة. بما يضعف أنظمة الحكم في تلك الدول ويربك أية تطلعات مستقبلية وتغييرات إستراتيجية فيها.

 للمزيد أنظر موقع العلاقات العربية الأيرانية

 

Home