|
|
أعمدة
الحكمة في البيت الأبيض
الصراع بين الجنرالات وتجار الرقيق الجدد
أبلغ ووكر بوش بحوادث 11 ايلول في ما كان يتلقى دورة تدريبية حول القراءة السريعة. إذ أن مسؤولياته الرئاسية لم تعد تسمح له بالبقاء خارج إطار الثقافة العامة. خاصة بعد أن فضحته المقابلات المتلفزة وأظهرت ضآلة محصلته الثقافية. فكانت سببا" في خسارته للأصوات الضامنة لتفوقه في الانتخابات. ويذهب البعض الى أن هذه الضآلة هي المسؤولة عن تدني نسبة التأييد والإحترام للرئيس الجديد.
الصحافة الاميركية بدورها لم تقصر في ابرازها نقاط ضعف المرشح بوش وكذلك الرئيس. فقالت في ما قالته أن ووكر بوش لا يشتهر بالذكاء و أنه غبي وضحل الثقافة. كما أثارت الصحافة ادمانه للكحول ، ولمحت لتعاطيه الكوكايين ، إضافة لفشله في ادارة شركة من الدرجة الثانية واساءة استغلاله لنفوذ أبيه الرئيس يومذاك لتعويض خسارته. وبعد فضائح افلاس الشركات تبينت مسؤولية بوش وضلوعه في هذه الفضائح. ولولا الخوف الأميركي من عقابيل 11 ايلول لكان قسم كبير من صقور الرئيس موضع محاكمة. وهي محاكمات تورط الرئيس نفسه ( أنظر فضائح بوش على هذا الموقع ). حتى قيل أن الرئيس وفريقه هم الأكثر انتفاعا" من فوضى ما بعد 11 أيلول.
أما عن أسلوب آل بوش في اختيار معاوني ووكر بوش فتصفه الصحافة الأميركية على النحو التالي: انهم ينقسمون الى فئتين: الأولى من كبار الأثرياء وممثليهم ممن يستطيعون دعم الحملة الانتخابية ومشاريع الرئيس عبر لعبة المصالح المشتركة. أما الفئة الثانية فهي من الخبراء والمتخصصين الذين يحسنون تبسيط الأمور المعقدة.
هكذا كان بوش ملزما" بالعمل على تطوير نفسه مما جعله يتعب نفسه ويتبع دورات تأهيلية مكثفة لتعويض هذه الثغرات في شخصيته. وينقل العارفون بيوميات الرئيس أنه يرهق نفسه بهذه التدريبات.
أما وقد تعلم بوش القراءة فإن الفضول يطرح السؤال عما يقرأه هذا الرئيس؟.
كتاب " القيادة العليا – الجيش ورجال الدولة و الزعامة في زمن الحرب " هو آخر الكتب التي قرأها الرئيس. ومعلوم أن القرءات الأولى تشكل نمط التفكير بما يعطي للإطلاع على محتويات الكتاب أهمية مميزة فماذا يطرح الكتاب ؟.
الموضوع الرئيس للكتاب هو التنظير للزعامة في زمن الحرب. هل هي للجنرالات أصحاب الإختصاص أم أنها للسياسيين الذين يحسبون ارباحها في مقابل تكاليفها. والمربك هو أن حروب الولايات المتحدة ليست حروبا" تقليدية ( أنظر قرن من التدخلات الأميركية على هذا الموقع ) وبالتالي فهي لا تخضع لتجارب هذه الحروب. ذلك أن حروب اميركا هي من نوع التدخلات العسكرية السريعة التي تحدث تغييرات محددة تضمن مصالحها ثم تنسحب بأقصى ما يمكن من السرعة. وعندما تجبرها الظروف على البقاء لمدة لأطول فهي تخسر الحرب. ومن هنا إصرار الجنرالات على عدم خوض الحروب غير المحدودة زمانيا" واستراتيجيا". وهذه النقطة تحديدا" هي موضوع خلاف جنرالات بوش مع صقوره. فما هو موقف مؤلف الكتاب وهو اليهودي المدعو أليوت كوهين؟.
ينطلق أليوت كوهين من موقعة الأكاديمي كرئيس لبرنامج الدراسات الاستراتيجية في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز، ليخوض معارك السياسة الأميركية الداخلي منها والخارجي. مساهمته الأبرز في السجالات السياسية الراهنة هي كتابه "القيادة العليا : الجنود ورجال الدولة والزعامة في زمن الحرب"، والذي حظي بشهرة واسعة بعدما قرأه الرئيس جورج بوش في إجازته الصيفية الأخيرة.
تفسيرات عدة أعطيت لانتقاء بوش (أو مساعديه) لهذا الكتاب بالذات. منها اعتبار هذه المطالعة الصيفية للرئيس الأميركي دليلاً على نفوذ التيار المتشدد في إدارته الذي جذب "ذوق" بوش إلى قراءة كتاب يؤرخ لتدخل المدنيين في التفاصيل الدقيقة للحرب. وتشهد المرحلة تنافساً بين من يوصفون بـ "الصقور – الدجاج" في الإدارة وهم مجموعة المدنيين المتصلبين الذي لم يعرف عن أي منهم مشاركة تذكر في العمل العسكري، كنائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد (الذي ربما يشكل الاستثناء الوحيد في هذه المجموعة كونه خدم في الجيش كضابط) ونائبه بول ولفوفيتز ومساعده دوغلاس فايث ورئيس مجلس سياسات الدفاع في البنتاغون رتشارد بيرل وغيرهم، وبين الجنرالات الأكثر اعتدالاً أو تحفظا" كوزير الخارجية كولن باول ومساعده ريتشارد ارميتاج (الذي غلبت أدواره الدبلوماسية اللاحقة على جذوره العسكرية) وعدد من أعضاء هيئة الأركان المشتركة.
طغى الاستخدام السياسي لكتاب كوهين في الصراع بين أجنحة الإدارة، على محتواه الذي يتناول تجربة أربعة سياسيين مدنيين هم الرئيس الأميركي إبراهام لنكولن ورئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ورئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون، في قيادتهم للحروب التي دارت أثناء فترات حكمهم.
أحد أهداف الكتاب هو إخراج قيادة الحرب من أيدي العسكريين بعد تكريس أبعادهم عن آلية القرار بشنها. فدروس حرب فيتنام التي يعاني باول وارميتاج (أحد المسؤولين عن عملية إخلاء سايغون) من عقدها ورواسبها، وفقاً لمنتقديهما، أرست أسس إدارتها، فيما يعيد كوهين سبب الفشل في الهند الصينية إلى تردد كبار الضباط وخصوصاً الجنرال وستمورلاند الذي كانت يده مطلقة في التصرف، خصوصاً في فيتنام الجنوبية، وعجزهم عن اتخاذ القرارات الصحيحة على المستويين التكنيكي والاستراتيجي.
ويرى كوهين أن هناك ثلاث مشكلات في إرجاع سبب الفشل في فيتنام إلى تدخل المدنيين: إنها خاطئة من ناحية الوقائع، وتعمي عن استخلاص دروس التاريخ، وتعيق قدرة أميركا على القتال حتى اليوم.
ومن النقاط التي تسجل على الكتاب إغفاله لنموذجين يتناقضان تماماً مع ما حاول إثباته الرئيسان ودروو ويلسون وفرانكلين روزفلت اللّذان اختارا قائدين عسكريين رفيعي المستوى هما الجنرالان جون بيرشنغ وجورج مارشال وسلماهما زمام القيادة في الحربين العالميتين الأولى والثانية. بل أن حالة الجنرال مارشال تشكل دحضا" أساسيا" لكل طروحات كوهين وكتابه. فقد أثبت مارشال قدرة الجنرالات على التفوق في السياسة عبر مشروعه التاريخي لإعادة إعمار أوروبا كما عبر نصيحته التاريخية لهاري ترومان بعد الاعتراف بإسرائيل لكونها كيانا" سيخلق حروبا" مستقبلية شديدة الضرر بالمصالح الأميركية في المنطقة.
أما اختيار كوهين لأبطاله السياسيين المدنيين كقادة لامعين في ميادين القتال فهو شديد الإنتقائية والآحادية خصوصا" لناحية تجاهل المؤلف للأخطاء الجسمية التي ارتكبوها. والتي امتنع كوهين عن مناقشتها على غرار مسؤولية لنكولن عن قسم كبير من خسائر القوات الشمالية بسبب إلحاحه على جنرالاته بشن هجمات انتهى أكثرها بكوارث، كما بسبب سوء اختياره لكبار الضباط.
ويخصص الكتاب حيّزاً واسعاً لتشرشل وتجربته في الحرب العالمية الثانية. لكنه، وعلى غرار أسلوبه في تحليل أعمال لنكولن، يتجنب التطرق إلى حالات الفشل الذريع التي دفع فيها رئيس الوزراء البريطاني جنرالاته إلى ارتكابها. وهو يتحمل، من بين أمور أخرى، مسؤولية غرق البارجة "برنس أوف ويلز" والطراد "ريبولس" في الشرق الأقصى والحملة الفاشلة في المتوسط والانتكاسات في شمالي أفريقيا.
ويمكن المتابعة على ذات المنوال في رصد نواقص وثغرات التحليل الذي يقدمه كوهين، وصولاً إلى السؤال الذي يصرحه د. شبلي ملاط في مقالته عن الكتاب ("ديلي ستار" 21/9/2002) : هل كانت هذه الحروب تستحق أن تخاض ؟ وتجدر الإشارة إلى النقد الذي قدمه ملاط للأجزاء المخصصة لبن غورين في الكتاب.
ولا يخفي كوهين إسقاطاته الأيديولوجية والسياسية على الواقع المعاصر. وعنده أن حرب الخليج الأولى لم تشهد تخلي المدنيين عن التدخل في الشؤون العسكرية وحسب بل أيضاً سمحت القيادة المدنية للعسكريين بالقيام باستنتاجات سياسية حيث أدى رئيس الأركان الجنرال كولن باول دوراً أساسياً في الدعوة إلى وقف الحرب البرية بعد مئة ساعة من اندلاعها ومنع توسيع أهدافها من طرد العراقيين من الكويت إلى الإطاحة بحكم صدام حسين. ويقول أن الرئيس بوش الأب قد أيّد بصورة كارثية الوهم القائل أن الحرب هي مجرد إدارة لساحة المعركة، ما أدى إلى شعور خاطئ بالنصر لدى مغادرة آخر جندي عراقي الكويت فيما لم تكن الولايات المتحدة قد انتصرت بعد. لهذا السبب يجد بوش الابن اليوم نفسه مضطراً لخوض الحرب التي لم يكلمها والده. وهنا لا بد من سؤال المؤلف عما اذا كان يعتبر أن الصقور – الدجاج قد حققوا النصر في افغانستان رغم غباء تلك الحرب ودمويتها وجرائم الحرب المرافقة لها. لقد كان على كوهين أن يتخذ من حرب أفغانستان نموذجا" لتدخل الدجاج في الحرب. وعندها كان لكتابه قيمة استراتيجية فائقة لأنه كان سيحيم الجدل ويستنتج بديهة مفادها " أبعدوا المدنيين الذين ارتكبوا حماقة الحرب الأفغانية عن القرار العسكري". فقد تكون هذه الحرب علاجاط طارئا" لهستيريا الجمهور الأميركي وأيضا" للإقتصاد بعد 11 أيلول. لكن الآثار الجانبية لهذا العلاح تورط الإدارة بعلاجات متابعة لها. واذا كانت أضرار حرب أفغانستان محدودة فإن اضرار علاجها بحروب أخرى ستجعل الولايات المتحدة كالأفعى المحاصرة في وكرها. وهذا ما ستبينه حروب الدجاج المقبلة.
ويشدد كوهين على ضرورة وضع نظرية جديدة للحرب لتحل مكان مقولة كلاوزفيتز الشهيرة عن أن "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى" وتقوم أفكاره في الواقع على تطوير مقولة كلاوزفيتز من خلال وضع الجزء الكبير من العمل العسكري تحت رقابة السياسيين المدنيين. ويلفت الانتباه هنا اتهام كوهين لصدام حسين في شهادة أدلى بها أمام لجنة الخدمات العسكرية في مجلس النواب الأميركي (2/10/2002)، بأن الرئيس العراقي يقلب مقولة كلاوزفيتز ليتبنى مقولة "أن السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى"، في إشارة إلى ما يعتبره محاولة من العراق للتملص من موجبات القرارات الدولية التي أنهت الحرب في العام 1991، قائلاً في الشهادة ذاتها أن "الجيش العراقي يبذل يومياً جهداً كبيراً لقتل الطيارين الأميركيين والبريطانيين الذين يشرفون على منطقتي الحظر الجوي في الشمال والجنوب واللتين فرضتا بدعم من الأمم المتحدة". يستنتج كوهين هنا أن العراق يقوم بعمل عسكري عدائي ضد الطائرات الأميركية والبريطانيين على الرغم من إدراكه للفارق الكبير بين "دعم" الأمم المتحدة لمنطقتي الحظر الجوي وبين تبني المنظمة الدولية لهاتين المنطقتين بقرار من هيئاتها. وهو ما لم يحصل.
الأهم أن كوهين يرى في صدام رجلاً ما " بدون سياسة" بحطه السياسة إلى مستوى الحرب الدائمة وإن بوسائل متعددة. وعليه، فالحرب مستمرة ما استمر العراق في شنه الحرب على الولايات المتحدة ممثلة بطائراتها وطياريها.
وإلى جانب كتاب "القيادة الأعلى"، يمكن رسم صورة عامة للخلفية الفكرية التي يأتي كوهين منها من مجموعة من المقالات التي نشرها والمقابلات التلفزيونية التي أجريت معه. ولعل من الإشارات الموحية في مسيرته أنه حل على رأس برنامج الدراسات الاستراتيجية خلفاً لولفوفيتز، وآرثاً كذلك اتجاهه اليميني المتشدد.
ومن المقالات المنشورة التي يتناول فيها شؤوناً راهنة، واحدة نشرتها مجلة "ناشونال ريفيو" غداة هجمات 11 أيلول 2001 ويشرح فيها ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات ساحقة إلى أعدائها. عنوان المقالة "اصنع الحرب وليس العدالة" ولعلها أول مقالة تصدر بعد تدمير مركز التجارة العالمي واحد أجنحة وزارة الدفاع، تحدد بدقة الأهداف التي يجب أن تحققها السياسة الأميركية في المرحلة التي أعقبت الأحداث معتبراً أن من نفذوا الهجمات ليسوا مجرمين بل أعداء الولايات المتحدة وبالتالي يجب أن تشن الحرب للقضاء عليهم لا أن تجري مطاردتهم وتقديمهم إلى العدالة. وتبرز في هذه المقالة صياغة مبكرة للمقولات التي طرحها بوش في خطبه اللاحقة وخصوصاً في كلمته أمام الكونغرس عن رفض الموقف الحيادي من الحرب على الإرهاب واعتبار أي طرف يعلن حياده قد اختار التحالف مع الإرهابيين وعليه أن يدفع ثمن هذا التحالف المعادي لأميركا حتى من دون اللّجوء إلى العنف.
وفي مقالة في "وول ستريت جورنال" (20/11/2001) يعتبر ان الحملة على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة (إذا كانت الحرب الباردة هي الثالثة) وأن على الولايات المتحدة ان تنتصر في الحرب على الإسلام الأصولي.
ومقابل الانتقادات الشديدة في الكتاب والمقالات، لباول الذي يحمله مسؤولية الوضع الراهن في العراق منذ دوره في حرب الخليج وصولاً إلى عمله اليوم على إبطاء الإندفاعة الأميركية إلى الحرب، يشيد بوزير الدفاع دونالد رامسفيلد ("فورين افيرز" عدد أيار – حزيران 2002) باعتباره "وزير حرب" تبرز كفاءته في أوقات الشدة والتحدي. رامسفيلد هو السياسي المدني. مرة أخرى، يقود الجنرالات ولا يسمح أن يقاد.
ولفهم طروحات كوهين يجب عدم تعليق أهمية كبيرة على انتقائيته أو على حدة مواقفه من العرب والإسلام. ولا يصح الاتهام الذي وجهه إليه كاتب فرنسي عن أن معلوماته عن الإسلام تقتصر على ما حصل عليه من ساعة أمضاها متصفحاً شبكة الإنترنت (وهو ما يقوله كوهين نفسه في مقالته في "وول ستريت جورنال"). فالرجل أوسع ثقافة وأعمق إدراكاً. وما يبدو كهفوات ونقص في المعرفة دليل على الاندماج الكامل للأكاديمي في السياسي الذي يرى نفسه في خندق الدفاع عن الإمبراطورية الأميركية – روما الحديثة – في وجه أعدائها البرابرة.
وإذا أردنا إجراء مقارنة تاريخية، يجب القول أن روما واجهت أنواعاً عدة من "البرابرة"، منهم القرطاجيون في حوض البحر المتوسط والقبائل الجرمانية والغالية في الشمال والفرس في الشرق إلخ.. وعلى الرغم من عدم دقة التصنيف الروماني للآخرين نظراً إلى أن الكثير من أعدائها امتلك تراثاً ثقافياً وحضارياً ينفي عنهم تهمة البربرية، إلا أن مواجهة الإمبراطورية الرومانية للقرطاجيين وللقبائل، على وجه الخصوص، ارتكزت على استراتيجيتين تقوم الأولى على إظهار عجز القرطاجيين عن أداء الدور الذي يتطلعون إليه كقوة عالمية بديلة لنقص العناصر الحضارية الضرورية للاضطلاع بهذه المهمة، على الرغم من نجاحها في مرحلة من الحرب في حصار روما ذاتها. والثانية على القمع الدموي للقبائل المفتقرة إلى أدنى شروط مقارعة روما، عسكرياً وسياسياً وحضارياً. وقد لا يكون من التعسف القول أن أعداء أميركا اليوم يتشاركون مع أعداء روما في الكثير من أوجه التشابه.
وليس كوهين وحيداً في خندقه. فعدد كبير من الأكاديميين يدعون إلى الرد على عدمية المشروع الذي يحمله أسامة بن لادن وفراغه من أي محتوى قيمي أو إنساني ورفضه للآخر، وعدم وجود أي بديل كامن قابل للتطبيق أو قائم على أرض الواقع، لدى بن لادن وأترابه. الرد على الدعوة إلى نفي الواقع "الكافر" وتدميره يكون باستئصال دعاة هذا المشروع وحملة راياته. إنها نظرية "الفسطاطين" التي خرج بها بن لادن على العالم يوم بدأ القصف الأميركي لأفغانستان في تكرار لثنائية مانوية عقيمة. لكن هل يمكن إعتبار تصنيفات بوش لمحوري الخير والشر أكثر ذكاء أو أقل تكرارية لهذه الثنائية؟!.
ولهذا اعتبرت الولايات المتحدة وعن حق أن إنهاء نظام طالبان في أفغانستان أهم بما لا يقاس من قتل أسامة بن لادن أو الملا عمر. فالولايات المتحدة أزالت بقعة "المادة" من مشروع هيولي مقيم في أذهان أصحابه، معيدة إياه إلى حالته الأصلية : كومة من خيالات وأوهام لا تصمد أمام قوة الواقع المجسدة في الإمبراطورية الأميركية. فالعدمية التي أعدت لأحداث 11 أيلول ونفذتها، هي التي استحضرت الرد الأميركي. وعجز العرب، أنظمة وشعوباً، عن الخروج من الحقبة ما قبل الإقطاعية في الاقتصاد والثقافة والاجتماع، الذي يجلب الاحتلال الأميركي. فالحداثة الشكلية في العالم العربي ليست إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها عفن قرون الانحطاط وانهيار محاولات النهضة المقتولة.
قد يكون هذا التبرير الذي يقدمه المؤلف مخرجا" لفشل الحملة الأميركية التي أعلنت استهدافها للأشخاص وتحديدا" لقادة طالبان والقاعدة. وهي فشلت في ذلك فشلا" قد تظهر أذيته لاحقا". بل أن بوش وفريقه يكرران وبصورة قهرية إختصار العداوة الأميركية الى الأشخاص حيث يصرون على هدف إزاحة الرئيس العراقي. بما يذهب بمحاولات التبرير، التي يقدمها كوهين، أدراج الرياح. وإذا كانت الحداثة المؤمركة هي العلاج الوقائي للإحتلال الأميركي فن هذا العلاج سام وربما كانت مجابهة الاحتلال اقل خطورة منه. فلو راجعنا تصريحات المسؤولين الأميركيين حول سبل الوصول الى هذه الحداثة لوجدنا أنها ديموقراطية ثمنها تسعة سنتات. مع تنصيب قادة المجتمع كزعماء لدول الحداثة العربية القادمة. وكلنا يعرف سبل انتخاب المخابرات الأميركية لقادة المجتمع في الوطن العربي. بل أن الجميع يعرف المواصفات المطلوبة أميركيا" لمنصب قائد المجتمع. ولمن لا يعرف فليراجع تاريخ قادة المعارضات العربية الموازية ( لا تقدم بدائل بل تريد الوصول الى السلطة لتعميق الضرر ببلادها لصالح المصالح الأميركية). ولمن يريد أمثلة تطبيقية يمكننا إيراد قائمة أسماء العرب الكارهين لأنفسهم ولأمتهم.
تجدر الإشارة الى أن المعتدلين
الأميركيين يسفهون هذا التطرف والإدعاءات التي يستند اليها. ومنهم على هذا الموقع
المحلل السياسي الاميركي ويليام بلوم الذي يملك رؤية مخالفة لكوهين حول الحروب
الاميركية القادمة للاطلاع اضغط هنا.
كما أنه من المفيد مراجعة الحروي الاميركية خلال القرن الماضي. وهي
مراجعة توضح
إغفال كوهين لمفاصل تاريخية أساسية للإطلاع اضغط هنا