|
|
ما بين العراق وكوريا الشماليةهل يستطيع بوش شنّ حربين معاً؟ إذا كانت الحرب المحتملة أو المطلوبة لصالح الولايات المتحدة سيقوم بوش بشنها ضد دولتين : عربية وأخرى آسيوية، فمن الطبيعي كما يرى معظم المحللين السياسيين الاستراتيجيين في العالم، أن يحاول بوش بذل كل ما في وسعه لخلق تحالف معه ضد كل من العراق وكوريا الشمالية بل تحالف آسيوي بالدرجة الأولى. لكن بوش لم ينجح في تجنيد حلفاء آسيويين لعزل كوريا الشمالية وتحويلها إلى ما يشبه حالة العراق المحاصرة والتي فرضت عليها العزلة رغم أنه اجتمع مع معظم قادة الدول الآسيوية المعنية بنظره.
وسائل الإعلام الأميركية لم تخف هذا الإخفاق وإن كانت قد لطّفت من حدته. فبعد أيام من الجهد الذي قام به بوش يوم الأحد الماضي، ظهر أن الرئيس الأميركي فشل حتى في كسب دعم دول آسيوية كثيرة تجاه شن الحرب على العراق وليس على كوريا الشمالية وفرض العزلة والحصار عليها أيضاً. وفي هذا الصدد، تقول الأنباء التي وردت من اجتماعات دول منظمة "التعاون الاقتصادي الآسيوي- الباسيفيكي" (آبيك) التي حضرها بوش والتقى خلالها بمسؤولين من 21 دولة عضو في هذه المنظمة أن الرئيس الأميركي لم يستطع الحصول على كل ما طلبه أو على أهم ما طلبه من تلك الدول. فما زال الكثير من دول آسيا بموجب ما ذكرته شبكة (سي بي سي) للأنباء في 27/10/2002 يرفض الموقف الأميركي المتشدد تجاه العراق وبيونغ يانغ، بل إن أهم حليفين لبوش في آسيا، اليابان وكوريا الجنوبية، يرفضان أيضاً سياسة بوش التي أعلن عنها في هذا الشهر لعزل بيونغ يانغ لأنها تمتلك أسلحة نووية وتقوم بتطويرها. وفي اجتماعات منظمة ( APEC ) الآسيوية ظهر للمسؤولين في الإدارة الأميركية أن هناك شكوكاً حتى في تأييد دولها ومعظمها مسلم للحملة الأميركية ضد "الإرهاب". والجدير بالذكر أن منظمة (آبيك) كانت قد تأسست بمبادرة من الرئيس بوش الأب لتحرير التجارة والتعاون الاقتصادي في حين أنها أصبحت تتهم الآن سياسة بوش الابن تجاهلها بالغطرسة الاقتصادية. ويحاول بيل تيلير مدير الدراسات السياسية- العسكرية في مركز الأبحاث الاستراتيجية والدولية في واشنطن (وهو من المؤيدين لسياسة بوش) التقليل من شأن إخفاق بوش قائلاً : "أعتقد أن الرئيس بوش نال بعض ما أمل من تحقيقه أو بعض ما توقعه لكن كل هذا كان أقل بكثير مما طمح إليه". زيمين يخيب أمل بوشأما الزعيم الصيني جيايغ زيمين فكان من الطبيعي أن يخيب أمل بوش تجاه حملته على بيونغ يانغ بلغة دبلوماسية هادئة. وبعد ما يزيد على ساعة من المحادثات التي جرت بينهما في تكساس قال زيمين للصحافيين : "إننا نحن الصينيين نعبر دوماً عن موقف يدعو إلى جعل منطقة شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية". لكن الزعيم الصيني لم يقدم لبوش ما يرغب به ويهدف إليه وهو تنديد الصين بما تقوم به بيونغ يانغ. وكان أحد المسؤولين الأميركيين المرافقين لبوش قبل لقائه مع زعماء اليابان وكوريا الجنوبية قد أعلن أن بوش يسعى إلى عزل بيونغ يانغ وحصارها كخطوة أولى على طريق إنهاء حالتها التي لا تقبل بها واشنطن. وأكد أن واشنطن لهذا السبب تتوقع من اليابان وكوريا الجنوبية إصدار بيان يدين بيونغ يانغ ويدفع إلى عزلتها. لكن بوش فشل أيضاً في تأمين هذا التنديد وأصبحت الصين واليابان وكوريا الجنوبية لا تقبل بالتعاون مع ما تطمح إليه إدارة بوش ضد بيونغ يانغ، وإن كانت الحجة وجود أسلحة نووية في العاصمة الكورية الشمالية. وبعد الاجتماع الذي عقده بوش مع الرئيس الكوري الجنوبي ورئيس وزراء اليابان، أعلن الاثنان للصحافيين أنهما يؤيدان عدم وجود برنامج للأسلحة النووية في كوريا الشمالية لكنهما امتنعا عن إعلان إدانتهما لتصرفات وسياسة بيونغ يانغ. ورغم أن بوش يرفض إجراء أي حوار أو محادثات مع قيادة كوريا الشمالية، إلاّ أنه لم يستطع عدم قبول أن تجري طوكيو وسيؤول حوارهما مع بيونغ يانغ والاستمرار به، ويذكر أن طوكيو وسيؤول تجريان حواراً منذ فترة لتطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية وتعتبر طوكيو أكبر مصدر للتجارة والأعمال مع كوريا الشمالية. حصار كوريا مرفوض آسوياًويبدو أن أهم فشل ذريع واجهه بوش من الدول الآسيوية ومعظمها متحالف مع واشنطن هو عدم تمكنه من دفعها أو إجبارها على فرض العقوبات الاقتصادية ضد كوريا الشمالية ومعاقبتها بحجة وجود برنامج نووي. ولهذا السبب يقول مساعدو بوش إن العمل جارٍ نحو فرض هذه العقوبات، والولايات المتحدة ستصر على ذلك خصوصاً وإن المتشددين داخل إدارة بوش لم يقبلوا بأقل من هذا الحصار. لكن ما الذي دفع بوش إلى فتح ملف بيونغ يانغ وجبهتها على هذا النحو السريع والمسلح؟ يفسر بعض المحللين هذا التوجه بتوقع بوش الحصول على تأييد حلفائه الآسيويين دونما حرج شديد خصوصاً وأن احتمالات موعد ضرب العراق أُرجئت بموجب تقديرات أميركية إلى كانون الأول العام الحالي أو كانون الثاني 2003، ولا بد من تحضير "طبخة كوريا الشمالية" منذ الآن. وهناك من يرى أن بوش أصبح بحاجة أكثر من جبهة يحارب فيها خارجياً لكي يبعد الالتفات إلى وضعه الداخلي الذي ظهرت فيه فضائح مالية لا يخفف من وقعها سوى الأخطار الخارجية.
مليون جنديلكن أيريك مارغوليس أحد المختصين المتتبعين للوضع في كوريا الشمالية يقول في صحيفة "تورنتوسن" (27/10/2002) : "إذا كان البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) يقدر أن قواته قادرة على سحق القوات العراقية خلال أسبوع وأن تحتل العراق خلال ثلاثين يوماً بأدنى قدر من الإصابات في صفوف الأميركيين، فإن حربه ضد كوريا الشمالية ستكون مختلفة جداً. فالجيش الكوري بجنوده المليون صعب وإن كان تسليحه ينقصه التطور. وهذا التطور تعوّضه أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية، فتحليق طائرة من كوريا الشمالية تجاه سيؤول لا يحتاج إلى ست دقائق، ووصول صاروخ إلى طوكيو لا يستغرق وقتاً طويلاً. وفي عام 1993 قدّر البنتاغون أن حرباً شاملة ضد كوريا الشمالية ستكلف القوات الأميركية إصابة ما يقرب من 250 ألف جندي. وتقول ال "سي آي آي" الآن إن كوريا الشمالية لديها قنبلتان نوويتان على الأقل و5000 طن من الغاز السام والجراثيم إضافة إلى قذائفها التي يمكن أن تصل إلى سيؤول. وفي تلك المنطقة يوجد 37 ألف جندي أميركي ما بين قواعد في اليابان وكوريا الجنوبية وأوكيناوا وغوام وكل هذه الأهداف هي في مرمى القوة الكورية الشمالية. وكان من الأفضل لبوش التركيز الآن على العراق فقط". وكان موستين ريموندا أحد أبرز الأميركيين المعادين للحرب التي تشنها إدارة بوش ضد العراق وغيرها قد كتب في 18/10/2002 في نشرة "إنتي وور" (ضد الحرب) الإلكترونية أنه قبل أن يبدأ بوش في فتح ملف بيونغ يانغ كان الإعلام الأميركي قد تحدث في عام 1994 في شبكة "سي إن إن" عن ضرورة عدم ترك كوريا الشمالية إذا ما تقرر شن الحرب على العراق وتحدد موعدها. وكان المحلل السياسي الأميركي نفسه جيمي ماكينتاير هو الذي قال في "سي إن إن"، "إن الانتصار في حربين في آن معاً يعتمد على كيفية التوجه نحو هاتين الحربين. وهذا ما لا تستطيع واشنطن أن تقوم به الآن (1994) دون وجود أشهر من التحذير".
تعقل كلينتون وجنون رامسفيلدوإذا كان كلينتون قد تخلى عن عقيدة إمكانية شن حربين ونصف، فإن رامسفيلد وزير الدفاع الحالي ومن حوله من المتشددين لشن حربين يعتقد أنه خلق "تحديثاً جديداً" في الجيش الأميركي لتحقيق الهيمنة الأميركية في هذا العصر الجديد. ويرى أحد المحللين أن شن حربين في آن واحد من شأنه المساهمة في عملية البنتاغون للإسراع في التغيير والتحول من موقع الدفاع عن العالم إلى فرض السلام على هذا العالم بالصيغة الأميركية، لكن هذه الأزمة مع كوريا الشمالية ستخلق تعقيدات للمشروع الأميركي المعد ضد العراق على مستويين سياسي وعسكري. فقد وضع البيت الأبيض الآن نفسه أمام تحدي بيونغ يانغ التي لم تخفِ وجود برنامجها النووي، واللعب مع كوريا الشمالية ليس سهلاً لأن صواريخ كوريا الشمالية تستطيع تدمير عدد مهم من المدن اليابانية واستعرضت قدرتها حين أطلقت صاروخاً فوق بحر اليابان. فهل أراد بوش جمع عقيدة الضربة المسبقة الوقائية ضد من يريد وأينما يريد ومتى يريد مع عقيدة خوض حربين معاً؟. يبدو أن قادة الدول الآسيوية شعروا أن بلادهم ستصبح وقود تلك الحرب ولذلك أعربوا عن رفضهم عزل كوريا الشمالية ومحاصرتهم وهو مطلب بوش. أما هنا في "الشرق الأوسط" فثمة من لا يستطيع اتخاذ موقف مماثل لموقف هذه الدول الآسيوية ومعظمها إسلامية وحليفة لبوش وآل بوش والعمل على إبعاد الحرب عن العراق. 6 /11/2002 |