بلطجة النفط والثقوب السوداء |
الروليت الأميركية | الضربة العراقية وإنقاذ الرأسمالية |
الضربة
العراقية وإنقاذ الرأسمالية
الكفاح العربي في
20 / 2 /2003
اللحظة الاقتصادية الراهنة عصية على الفهم،فكل طرف من أطراف اللعبة يحتفظ بنصيبه من الأسرار والمعلومات. وغزارة هذه الأسرار وكثافتها تفتحان الأبواب عريضة أمام التحليلات المغلوطة. وهي على أي حال أقل خطورة من القرارات الخاطئة.
هذا الغموض يعطي للتحليل النفسي – السياسي لهذه اللحظة أهمية متزايدة .فهذا النوع من التحليل يستند إلى السوابق المتكررة. والتي يوحي تكرارها بالقدرة على توقع النتائج المستقبلة للسلوك الراهن.
في هذه المحاولة للتوجه في فضاء هذه اللحظة نتناول مجموعة من العوامل المقررة ليس فقط في حسم الأزمة العراقية الراهنة بل وفي مستقبل هذه الأزمة و إنعكاساتها القريبة والمتوسطة الأمد. ونبدأ :
1- لماذا الحرب على العراق؟.
نستبعد بادئ ذي بدء أية علاقة بين 11 أيلول وبين هذه الأزمة. حيث نذكر كلنا الصياح الأميركي عام 1998 لضرب العراق. كما نذكر كيف تخلص كلينتون من ضغوط الصقور بقيامة بعملية ثعلب الصحراء . التي جاءت محدودة وبدون ثمن استراتيجي. وبذلك حول كلينتون هذه الأزمة إلى خليفته بعد أن تحولت للإزمان والإنتان.
وهذه يقودنا إلى البحث عن أسباب الإصرار الأميركي على ضرب العراق؟. حيث تتقدم الحاجة الأميركي للنفط واجهة هذه الأسباب. لكن اختزال الأزمة بهذا السبب لوحده هو تبسيط يعمي عن رؤية الحقائق. فني البداية فإن الأميركي يريد السيطرة على بورصة النفط وليس على النفط نفسه. وهذه السيطرة هي وسيلة الإنقاذ الوحيدة الاقتصاد الأميركي المتهاوي. حيث التحكم بأسعار النفط يجعل الولايات المتحدة قادرة على تحقيق الأرباح على حساب الاقتصادات الأوروبية واليابانية تحديداً.
العراق من جهته هدد هذا الطموح تهديدات مباشرة. لعل أكثرها صراحة هي الدعوة العراقية لتسعير النفط بسلة عملات بدلاً من الدولار. وهي دعوة تنسف الاقتصاد الأميركي في حال تحقيقها عداك عن الإغراءات النفطية التي أطلقها العراق في السنوات الأخيرة. بدءا من تنازلات للاستثمارات الفرنسية و الروسية.مروراً بهبات النفط والكميات المعروضة بأسعار متدنية. عداك عن النفط العراق المهرب. الذي أسس لشبكة علاقات سياسية كادت تتجاوز الحصار المفروض على العراق.
هذا من ناحية الاقتصادية، أما من الناحية السياسية فإن العراق الضعيف الحالي لا يمكنه أن يكون فزاعة لدول الخليج. كما لا يمكنه أن يحتوي الطموحات الإيرانية ويهددها. وهي موجبات تقتضي إعادة إحياء العراق القوي. وهي مستحيلة بوجود صدام حسين الذي خاض حرباً ضد أميركا ومجموعة من حلفائها. حتى بات الخلاص من النظام الحالي في مقدمة الأهداف الأميركية.
2- الخلاف السعودي – الأميركي.
إن الحالة المتردية للاقتصاد الأميركي تطلبت ممارسة ضغوط أميركية على الأوبيك والسعودية خصوصاً. وقد لاحت بوادر الخلاف السعودي – الأميركي عبر تهديدات أميركية مبطنة بخفض سعر برميل النفط إلى ما دون الخمسة دولارات. إضافة إلى أعباء حرب الكويت التي حولت اقتصاديات دول الخليج إلى العجز والمديونية. وذلك بالإضافة إلى الأعباء المعنوية المترتبة على وجود القوات الأميركية في الأراضي الإسلامية المقدسة. عداك عن تجاوزات هذه القوات وتحديها للشعور العام. بما شكل تهديداً لمكانة السعودية ولهيبتها.
ثم جاء الصعود المتزامن لكل من بوش الصغير والأمير عبد الله. حيث بوش مصرّ على زيادة الابتزاز الأميركي للسعودية. وحيث ولي العهد السعودي ذي خلفية عروبية غير مريحة للأميركيين. حتى يكاد بوش أن يعلن استحالة قبوله بتنصيب عبد الله في حال وفاة العاهل السعودي. وبعد 11 أيلول تجرأ بوش أكثر فأكثر ليعلن أن تقسيم المملكة هو الجواب على وراثة الأمير عبد الله للعرش السعودي.
وهنا أيضاً نجد أن حوادث 11 أيلول لا علاقة لها بهذا الخلاف. اللهم إلا لجهة اتخاذها ذريعة لتبرير العداء الأميركي السافر للسعودية ولفرض شروط إضافية على بقية الدول النفطية.
3- الحرب الافتراضية الأميركية.
خلال حرب كوسوفو أصدر باحثان استراتيجيان أميركيان (روزنفلت – أركيلا) كتاباً حول الحرب الافتراضية. حيث لعبة المعلومات من شأنها تحقيق أهداف الحرب بحد أدنى من العمل العسكري الفعلي. وفي حين يستعر الجدل حول ضربة العراق رأينا القوات الأميركية تحتل دول الخليج بدون ضجيج. بحيث وضعت عشرات الآلاف من جنودها في كل دولة من تلك الدول. بينما رفضت السعودية أية زيادة في عدد الجنود الأميركيين في أراضيها. وهو رفض سمح للأميركيين بتبرير جرعات عدوانية إضافية باتجاه السعودية.
ولو راجعنا الخارطة الخليجية اليوم لوجدناها تحت الاحتلال الأميركي المباشر. بما يجعل من العراق والسعودية أراضٍ محتلة نظرياً حتى في حال عم تواجد أي جندي أميركي على أراضيهما. وبذلك يكون الهدف الأميركي من الحرب قد تحقق دون، أو قبل، إطلاق رصاصة واحدة. فهذا التواجد العسكري يجعل الولايات المتحدة متحكمة في أسعار النفط وهو غايتها لإنقاذ اقتصادها.
4- الحكمة من ضرب العراق.
إذا كانت أهداف الحرب قد تحققت – معها احتلال المنطقة فما هي الحكمة من الإصرار الأميركي على ضرب العراق؟.
الجواب هو أن الولايات المتحدة عاجزة عن لعب دور الدولة الكولونيالية أو الفاشية. لأن هذا الدور يتطلب ضحايا بشرية تعجز عن تقديمها (وليس لأسباب أخلاقية طبعاً). والعراق هو الدولة الوحيدة، في المنطقة، القادرة على تكوين هيكلية عسكرية مهددة لدول المنطقة. واستمرارية النظام العراقي هي العائق الأميركي الوحيد أمام الرغبة الأميركية في إعادة إحياء القوة العراقية.
وهنا يطرح السؤال عن خيار الضربة العسكرية المحرج. وبالتالي عن عدم اللجوء الأميركي لتحريك المعارضة ودفعها باتجاه حرب أهلية. أو العمل على تنظيم انقلاب أو تمرد عسكري في مناطق متفرقة… إلخ من العمليات السوداء التي شرعتها إدارة بوش بعد 11 أيلول. ولكنها حلول تجنب الولايات المتحدة إحراج استخدام القوة.
والجواب أن الولايات المتحدة، متمثلة بإدارة بوش، تريد أن تؤسس لعراق جديد على جثث مئات آلاف القتلى وبحور من الدماء. بما يتضمن استحالة عودة العراق إلى المنطقة. عبر ضمان عداء طويل المدة بينه وبين جيرانه الأقليميين. وهذا ما يعطي للعراق الأميركي الجديد مزايا دراكولا الحقيقي. ويجعل عداوته مع دول الخليج وتركيا إيران عداوة تاريخية وليست مجرد احتواء مزدوج. كما حصل في الحرب العراقية – الإيرانية.
لذلك فإن أميركا إذ تصر على ضرب العراق فهي إنما تصر على استخدام أسلحتها المدمرة في ضرب تركيا وإيران والخليج. مع إلصاق هذا الاستخدام بالجيش العراقي.
هذه الطريقة ستكون الوسيلة الأميركية الوحيدة لإثبات ملكية العراق لأسلحة الدمار الشامل. ولن يجروء أي طرف على تحديد مصدر أميركي لهذه الأسلحة. وبذلك تتحول المنطقة إلى عداوات تاريخية دموية متبادلة. بحيث تتسابق دولها على طلب الحماية والوصاية الأميركية.
5- ماذا لوترك العراق وشأنه ؟
أمام المعارضة العربية الشاملة والأوروبية القوية للضربة العراقية يمكن للولايات المتحدة التراجع عن هذه الضربة. وهذا التراجع يطرح السؤال عما سيكون عليه الحال العراقي في هذا الوضع؟.
إن الولايات المتحدة هي المستفيد الكبر من تدني أسعار النفط العراقي المهرب وهي ستسمر في هذه الفائدة. وسيكون العراق مستعداً لاستقبال استثماراتها النفطية ولمساعدتها على تحقيق المكاسب الاقتصادية المغرية. وبذلك يضمن النظام استمراريته عبر هذا التواطؤ الاقتصادي (معلناً كان أم سرياً).
هذا السيناريو قد لا يناسب بعض العرب والعراقيين. وعلى هؤلاء أن يدركوا أن تأخير التغيير السياسي العراقي لبضع سنوات ليس بمستوى كارثة تحويل المنطقة إلى بحور من الدماء والعداوات التاريخية.
6- هل كانت الإدارة الأميركية جادة في تهديدها ؟
إن الخبرة الأميركية المتراكمة منذ الحرب العالمية الثانية تشير إلى أن التهديد بالقوة أكثر فائدة من استخدامها. فهل يمكننا اعتبار تحركات إدارة بوش عن نوع التهديد بالقوة دون رغبة حقيقية باستخدامها؟. خاصة بعد أن حصدت أميركا نتائج هذا التهديد باحتلالها لدول الخليج!؟.
إن الهداف المشار لها أعلاه تؤكد على وجود نيّة أميركية أكيدة بتوجيه ضربة عسكرية للعراق وعبره إلى دول عديدة أخرى في المنطقة. لكن هذه النية اصطدمت بمعارضة قوية وبعجز عن حشد التأييد الدولي لهذه الضربة. وهذا العجز جعلها تصعد لهجة الحرب ولكن مع تراجع ضمني عنها.
إذ رفضت إدارة بوش في البداية مجرد عرض المسألة على مجلس الأمن. ثم عادت وقبلت بهذا العرض (بعد أن اطمأنت لنجاحها في انتخابات السيطرة على الكونغرس ومنها ضمان عدم تفجر الفضائح الاقتصادية في وجه بوش وصقوره). ثم عادت وقبلت بالتفتيش وبعدها بتأخير التهديد من بداية نوفمبر 2002 ولغاية الآن.
7- أميركا تفقد أصدقاءها…
منذ صعوده إلى السلطة استمطر بوش اللّعنات والعداء من جميع الجهات. حيث إصراره على الدرع الصاروخي فضح نواياه الخبيثة تجاه أوروبا وروسيا. وحيث كثافة تحركاته في أجواء الصين وعلى تخومها استنفر الصين وأصدقاءها. كما كان لصعود التطرف اليميني أثره في اندلاع حوادث عنصرية في مدينة سينسيناتي الأميركية، ومعها زيادة تردي أحوال كاثوليك أميركا اللاتينية داخل الولايات المتحدة.
هكذا كانت رعونة فريق بوش بإعلان العداء للجميع. وبإظهار النوايا الخبيثة المبيتة ضد الجميع. حتى لم يبقى للولايات المتحدة أصدقاء. ومن تبقى لها منهم هم مجرد أتباع خائفون لا يملكون الجرأة على مخالفتها لغاية الآن.
وهذا الواقع أجبر الإدارة على إعادة الاعتبار لإسرائيل كشريك استراتيجي بعد أن تقلص دورها إلى مجرد تابع يدور في فلك الولايات المتحدة ويوظف لتحقيق مصالحها.
إن هذا القدر من العداء كفيل بتحويل أميركا إلى دولة فاشية. وهو تحول باهظ الثمن بشرياً واقتصادياً. بحيث يمكن التأكيد على عجزها عن دفع هذا الثمن. وهذا ما يجعل الانقلاب الأميركي ضرورة استراتيجية. وهذا الانقلاب لا ينتظر سوى نهاية خزان سياسة التخويف البوشية. وعندها سيكون الانقلاب إما بتغيير جذري في حكومة بوش وإما بتفجير فضائحه وإما باغتياله على طريقة كينيدي. الشيء الوحيد المؤكد هو عدم ملكية الأميركيين لعقيدة واحدة تقنعهم بالتضحية في سبيلها.
الكفاح العربي في 5 / 2 /2003
أزمة الرئيس بوش فقدانه لكاريزما الزعامة، أما مصيبته فهي أنه يحكم في نظام يدمر الكاريزما ولا يصنعها. وهذا ما يوصل بوش إلى قمة الكارثة الشخصية، حيث فقد رصيده الضئيل من الشعبية بعد خمسة أسابيع من دخوله البيت الأبيض، وكان ذلك على يد الصين التي تعاملت بعنفوان قومي، مع مشكلة الطائرة الصينية، جعل الأميركيين يستشعرون غياب تراثهم وعبثية ادعائهم العنفوان.
هكذا أيقظت تحرشات بوش ورعونته المارد الصيني وكررت ظهوره بصورة الكابوس الأصفر، وهو الذي قض مضاجع العديد من الرؤساء الأميركيين، وعبثا حاول بوش التخلص من هذا الكابوس عبر هيجانه المصطنع بمناسبة 11 أيلول (سبتمبر)، وعبره الإعلان عن الرغبة في تكريس أميركا زعيمة متفردة للعالم، وظن بوش أنه سيكسب معركته بالنقاط، فقد زرع قواته في باكستان وأفغانستان وأوزبكستان محيطا بذل المارد الصيني، الذي سكت كعادته دون أن يتجاهل، فوجد الحل بالعودة الاستبدال صمته بالكلام من البطن المسمى كوريا والصين خير من يتقن لغة البطون، إذ سبق لها الكلام من بطون عديدة في المنطقة، ولمن نسي نذكره بفيتنام وكوريا الخمسينيات وغيرها من الأحداث الصينية الحازمة.
كوريا الشمالية اليوم هي بطن الصين الناطق باسمها وباسم الاتحاد الأوروبي العاجز عن المعارضة الاعتداء الأميركي على أمنه ومستقبله عبر الدرع الصاروخي، ومثله روسيا والدول الأخرى المعلنة كمناطق للمصالح الأميركية، والأميركيون إذا يتجنبون صدام وكوريا فهم يتهيبون الصين ويرهبون ازدياد اصفرار كابوسها.
هذا الواقع يجبر بوش وإدارته على تقليص ادعاءات بطولاتهم لتبقى بحجم تهديداتهم اللئيمة لبلدان حالفتهم على مدى عقود ومقدمت لهم التسهيلات وحافظت على مصالحهم، وفي ذلك من الجبن ما ينفي طابع البطولة عن كل التهديدات الأميركية للعراق وللخليج عموما، والاستغراب لم يعد مشروعا بعد انسياق بوش لتوريط الدولة العظمى في صراع مع أفراد، فكانت البداية حربا شعواء ضد شخص بن لادن دون في القضاء عليه، وهاهي الحلقة الثانية بتهديد جديد ضد شخص صدام حسين، وتشير التسريبات الأميركية إلى قائمة أفراد/ أعداد في اجندة بوش وإدارته.
الاستغراب الوحيد المشروع هو في سكوت الاستراتيجيين عن الالتهاء بحروب الأفراد والهروب المذل من مواجهة الشعوب والدول، وهي مسائل قد تكون مربحة بحيث تجري المذلة الأميركية لكنها ربحية غير قابلة للاستمرار وعندها يبقى الذل الأميركي مجانيا دون جزاء، فإذا ما عجزت بلطجية النفط الأميركي عن تعويض الثقوب السوداء الاقتصادية الأميركية فعندها سنشهد اندلاع الثورة العالمية الثانية من داخل الولايات المتحدة، فهل تذكرون إضراب عمال المونئ في كانون الأول (ديسمبر) الماضي وحوادث سينسيناتي (نيسان /ابريل2001) ونشاطات المافيا مع تراجع قدرات المواطن العادي ومع تنامي العجز في ميزانية بلاده… الخ من مؤشرات ثورة أميركية داخلية ستدفع بوش للاختباء مجددا دون أن تستطيع تقريعات أمة باربارا إقناعه بالخروج من مخبئة، إنها الثورة الأميركية الجديدة المقبلة التي أخرتها حوادث 11 أيلول(سبتمبر) دون أن تطفئها.
ذعر العالم من مشروع ريغان المسمي ب"حرب النجوم"، ثم أصيب بالذهول من تهوره باعتقال نوزييغا وهو في قصره الرئاسي، أما الرعب فقد تأخر لغاية اكتشاف اعتماد على المنجكين واستشارته لهم في كل أعماله إضافة إلى كل ذلك بدت على ريغان علائم فصور غددي يترافق عادة مع اضطرابات نفسية، حتى بات مصير العام وكأنه مقامرة.
الرئيس ووكر بوش ومنذ ترشيحه يعلن إعجابه بريغان ورغبته بتقليده. ومن ضمن هذه الرغبة تكملته لحرب النجوم بمشروع الدرع الصاروخي. لكن العارفين بشخصية الرئيسين علموا باستحالة هذا التقليد الاختلاف عميق بين الرجلين وشخصيتهما، فالرئيس ريغان من نمط الرؤساء الذين يحسنون المناورة ويملكون من المرونة ما ينقذهم من الأزمات. وهم يتحكمون بمرؤوسيهم وبالهوامش التي يلعبون فيها. كما أنهم يقربون أصدقاء الذين يجلبون لهم العار، وبوش هو عكس ذلك تماما.
هذا الاختلاف يفسر لنا دفن الدرع الصاروخي لاستحالة تمويله، كما يفسر لنا مظاهر الذعر المتبدية على وجه بوش أثناء أزمة الطائرة الصينية وقبلها أثناء فرز أصوات فلوريدا وبعدها خلال حديثه عن كوريا الشمالية دون أن ننسي اختباءه عقب 11 أيلول (سبتمبر).بعد كل ذلك هل يجرؤ رئيس لا يقف على قدميه، و عاجز عن مواجهة الأزمات الخفيفة، على اتخاذ قرار بحجم زلزال العراق وتداعياته العربية والإسلامية؟!
لقد فعلها جونسون قبله، وهو بالمناسبة من نوع بوش وفصيلة. ومثلها ولسون الذي اتخذ قرار المشاركة في الحرب العالمية الأولى دون أن يجرؤ على المشاركة في طلب حصته منها.
المهم أن ليندون جونسون قد اتخذ قرار الحرب الفيتنامية، ومع عدم ملكية الفيتناميين سوى الأسلحة حرب العصابات فإن الوثائق تبين أنه فقد أعصابه وراح يبكي بعد ذلك القرار، وكان يردد بأنها حرب مستحيلة فهو اتخذ قراره بضغط من صقوره وهذا ما يكاد يفعله بوش لولا وقوفه على قدمي والده، فقد كان الوالد واضحا صارما بقوله بضرورة حشد تأييد دولي لأي تحرك عسكري يقوم به الابن، والأب يضع ثقته بالجنرال باول والسيدة كونداليزا رايس، في حين ينصح ابنه بالخلاص من رامسفيلد والحد من هيمنته ديك تشيني وجماعاتهما.
وتتصاعد لهجة الحرب الأميركية مع تقديم الشكليات وكأنها استراتيجيات، فالهجوم سيدوم ثلاثين يوما فقط، والعراق متورط مع القاعدة ومع كل أشكال الإرهاب، وهو يهدد الصديقة إسرائيل وكل الأصدقاء بما ذلك الداخل الأميركي، إضافة إلى ملكيته لكل الأسلحة والأسباب آتي تبرر الضربة.
عندما اتخذ جونسون قراره كان الاتحاد السوفياتي قسم العالم إلى معسكرين، مما جعل أميركا مطمئنة لتأييد نصف العالم لحربها الفيتنام أما وقد انتهت الحرب الباردة والعالم لا يريد الضربة لأنها تضر بمصالحه فإن جونسون نفسه (وهو أحمق الرؤساء الأميركيين لغاية ووكر بوش ومنذ جون كوينسي ادامز) لم يكن ليتخذ مثل هذا القرار!؟ فهل يفعلها بوش ويكون أكثر حماقة من الاثنين؟
من جهتنا لا نستطيع تحديد درجة الحمق، إذ تحددها معلومات الصحافة الأميركية والدارسون مالكو المعلومات عن بوش، والاهم منهم جميعا نتائج تصرفاته وسلوكه وهي لن تتأخر في الظهور، ويبقى السؤال هل يفعلها ويتخذ قرار ضرب العراق؟.
وهو يوجي بأنه سيتخذ بعد أيام!
أن من يراجع افلام الفيديو التي تصور بوش في الأزمات المشار إليها أعلاه، لابد له من أن يوافقنا الرأي بأنه سيتراجع في اللحظة الأخيرة كما تراجع الرؤساء الذين يشبهونه من قبله. وهو لن يملك جرأة النحيب والبكاء التي أقدم عليها جونسون من قبله، فعل فإن البكاء وحده لن يكفيه. فعندها قد يجد نفسه أمام خيارين فإما الاستقالة وإما الانتحار (أو ربما الاستنحار).
مهما يكن وبهذه الضربة أو من دونها فإن على الأميركيين أن يعيدوا النظر بقوانيهم الانتخابية والاقتصادية والإنسانية، فقد وضعها بوش وفريقه موضع المراجعة الجذرية وإلا الكارثة… حيث تبدو الروليت الأميركية أخطر من الروليت الروسية .