لنتخلص من الحملة الصليبية

روبرت فيسك

 

     يبدو أن الرئيس بوش يعتقد حقيقة أنه يقود حملة صليبية . فقد عاد ليستعمل العبارة قبل أيام رغم أنه حذر من ذلك لكون المسلمين ليسوا متحمسين لتذكر الفرسان الصليبيين الذين ذبحوا عشرات الآلاف من المسلمين واليهود خلال القرن الحادي عشر . وقال بوش خلال حديثه إلى الجنود الكنديين الذين سارعوا للالتحاق بالقوات الأمريكية أن هؤلاء "وقفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية الهامة للدفاع عن الحرية" .

حقيقة إنها حملة صليبية في وقت يتعلم الفلسطينيون من أشقائهم في حزب الله كيفية الحصول على "الحرية" ، ويستمر بوش في منح الضوء الأخضر لأرئيل شارون في "حربه ضد الرعب" . وتمثل قدرة الأمريكيين على إعادة كتابة التاريخ وتفتيت النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى مجموعة من الأفكار المسبقة فضيحة في حد ذاتها . فقد تحولت الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى "أراض متنازع عليها" ، كما أصبحت المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية "ضواحي" حسب سي.إن.إن وبي.بي.سي. ، أما فيالق الموت الإسرائيلية فتعتبر "قوات نخبة تقوم بعمليات قتل مستهدفة" . وبالطريقة نفسها تعلن وسائل الإعلام الأمريكية انتصارها في أفغانستان .

وهذا كذب آخر . طائرات ب 52 تقتل "مقاتلين أعداء" - ليسوا أعداء للولايات المتحدة وإنما اعترضوا على الاختيار الأمريكي الذي وقع على حامد قرضاي - إنها قصة قديمة بالنسبة لنا نحن البريطانيون الذين قاتلنا "القبائل المحاربة" هناك خلال سنوات العشرينات ، ويفعل الأمريكان نفس الشيء اليوم .

إننا نتجاهل في الوقت نفسه الحرب الفلسطينية - الإسرائيلية . فقد قال تقرير الثلاثاء الماضي أن الانتفاضة الفلسطينية "خطأ إستراتيجي" . واعتبر مسؤول رسمي إسرائيلي حسب يومية "هآرتس" الإسرائيلية لزملائه أن عليهم "التعلم من سلوك الجيش الألماني في غيتو وارسو" أيام الحكم النازي . وليس هناك حاجة للتذكير بأن مثل هذا التقرير لا ينشر في الولايات المتحدة .

الحقيقة هي أن الفلسطينيين تعلموا من حزب الله في لبنان كيف أن خيارهم هو عدم الاستسلام للاحتلال ما دام بإمكانهم المواجهة بالسلاح . إنها حرب شرسة وفظيعة ، إنها السنة الأكثر رعبا في تاريخ إسرائيل الحديث . لكنها أيضا حرب ضد الاحتلال وضد المستوطنات ، وإن بإمكاني فهم لماذا يعلن الأستاذ آري علدار الضابط الطبيب الإسرائيلي السابق أنه "ينبغي إعدام عرفات" .

ونحن نسمع لتقارير الخارجية الأمريكية ولتصريحات المتحدث باسمها يتملكنا اعتقاد بأن الولايات المتحدة تبنت حقا مواقف شارون المجنونة التي تعتبر عرفات جزءا من "الإرهاب العالمي" . وبالنظر إلى التقارير الأمريكية عن الوضع في الشرق الوسط يمكننا التساؤل لماذا يرغب البنتاغون في إنشاء "مكتب التأثير الإستراتيجي" من أجل إخفاء الحقيقة والكذب على الصحافة ، ما دام الصحفيون الأمريكيون لا يترددون في اعتناق طروحات حكومتهم ، ولا داعي بالتالي لإنفاق 10 بليون دولار من أجل بيع هذا النوع من القمامة .

لقد دعيت للمشاركة في برنامج إذاعي مباشر قبل أيام ، حيث حذر مسؤول سابق في الخارجية الأمريكية من إمكانية قطع الأخيرة علاقاتها مع عرفات في حالة رفضه القضاء على الإرهاب متبنيا بذلك موقف شارون . واقترحت أنه فعلا ينبغي على واشنطن قطع اتصالاتها مع عرفات لأنه وبالنظر إلى فشل السياسة الأمريكية في المنطقة حان الوقت لكي يتكفل الأوروبيون بمهمة الوساطة هناك . حقيقة لماذا علينا نحن الأوروبيون التصريح "بعد أخذ الإذن" ؟! يحق لنا التعبير عن اختلافنا في الوقت الذي يقول لنا بوش بأن عام 2002 سيكون "عام الحرب" .

وليس هناك داع للتأكيد على أنه لا ينبغي علينا تبني مواقف وأكاذيب لا معنى لها . ثم إن إدانة وزيري خارجية فرنسا وألمانيا وزعيم الحلف الأطلسي لسياسة بوش غير كافية . لنتخلص من الحملة الصليبية ومن "الحرب على الإرهاب" ولنجسد العدل في الشرق الأوسط ، بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء .

عن صحيفة "الإندبندنت" البريطانية : 21-2-2002م

 العودة الى الصفحة الرئيسية