|
حوار
الفلسفة والعلم والأخلاق في مطلع الألفية الثالثة
شهِدالعقد الأخير من القرن العشرين الذي ودعناه، نهاية حقبة هامة من تاريخ
البشرية، امتدت زهاء قرنين من الزمان، حقبة وُصِفت حقا، بأنها حقبة الثورات
والتحوُّلات الكبرى، سواء على مستوى التوجُّهات الجديدة، التي عرفتها
المجتمعات البشرية في مجال اختيار مصائرها، أو على مستوى سيرورة الفكر و
تقدم العلوم و المعارف و التكنولوجيات. و حصيلة هذه العوامل متضافرة، فرضت
على الفكر الإنساني المعاصر، ضرورة إعادة النظر، في كثير من قيمه
الأخلاقية و السياسية، التي سادت حتَّى الآن. و في هذه الآفاق الجديدة،
يطرح كتاب " حوار الفلسفة و العلم و الأخلاق، في
مطالع الألفية الثالثة "، مجموعة من التساؤلات، عن ملامح الفكر
الفلسفي، و عن السمات العامة، للجدال الدائر حاليا، بين الفلسفة و
الأخلاق، حول موضوع مظاهر التقدم العلمي المعاصر، و انعكاساتها على
الإنسان، و على الثقافة، و على القيم.
حاول المؤلف في هذا الكتاب، أن يتلمَّسَ الطريق الذي يمكن أن يقود إلى
اقتراح أجوبة عن بعض تلك التساؤلات. و هكذا سعى، في فصوله الثلاثة الأولى
إلى استطلاع مستقبل الفكر الفلسفي، انطلاقا من مؤشرات يكشف عنها تشخيص
وضعيته الراهنة. وبدافع من فضول قلق و مُهتَمٍّ، تجرَّأ على استشراف مهمة
الفكر و الفلسفة في الظروف والشروط الجديدة، التي باتت تهيمن تدريجيا على
العالم بأسره. و هي ظروف كما نعلم، تعاظمت فيها سلطة العلم و العلماء، و
بدأت فيها في التهافت و التدَّاعِي، سلطة الحقائق التقليدية و القيم
المطلقة. و في هذا الصدد تساءل المؤلف هل لا يزال بإمكان الفلسفة أن تستعيد
دورها التنويري، و تقوم في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية، بدور مماثل لذلك
الذي قامت به في عصر التنوير؟ أي أن تقود أشكال صراع العقل، ضد النزعات
الظلامية و اللاعقلانية، مع ما يقتضيه الحال، من تجديد و تحيين لمعاني
العقل واللاعقلانية، استئناسا بإنجازات الثورات العلمية الكبرى التي يشهدها
عصرنا، و التي يبدو و كأنها بدأت لتوها، و يصعب تماما التكهُّنَ بنهاية
مطافها؟
إن التقدم
الحضاري يقاس، و كما قيل مرارا، بمدى قدرة العلوم، و فعالية الفكر
والنظريات، على التعبير عن المشاكل الإنسانية المطروحة في فترة تاريخية
معينة، والمساهمة في اقتراح حلول لها. و المؤلف يفترض، أن الفلسفةَ ليست
حرة في التخلف عن هذه السيرورة، و أن رؤية فلسفية جديدة للعالم، باتت
تبشِّرُ بها الحالة الراهنة لتطور العلوم و التكنولوجيا، و المعارف
الإنسانية المعاصرة عموما، وهي الآن في طور المخاض و التبلور. و هناك
علامات عديدة، تسمح باستشراف المستقبل القريب، و بتوقع أن تكون مهمة
الفلسفة فيه، بالأحرى محاولات دءوبة لفهم و استيعاب التحوُّلات الكبرى، و
دلالات الإنجازات الهائلة للبحث العلمي، على الصعيد العالمي، و آثارها على
أحوال الوضعية الإنسانية البشرية. و أنها ستتفتح ربما على السياسية، أكثر
مما فعلته في السابق، على الأقل على الموضوعات الجديدة التي أصبحت تطرح
نفسها على الفكر الإنساني بإلحاح، و لعل أبرزها الآن، و أكثرها وضوحا،
علاقة الأخلاق بالسياسة، ودلالة هذا الخطاب المتنامي عن الديموقراطية و
حقوق الإنسان.
و ضمن
هذه الإشكالية ذاتها، طرح المؤلف تساؤلات أخرى، مهتمة بمستقبل الفكر
الفلسفي العربي ذاته، و اقترح في هذا السياق عناصر لرؤية افتراضية لتوجهات
هذا الفكر، و بدون أن يغيب عن باله قط، أن حديثه في هذا المجال، لا يعدو أن
يكون محاولة استكشاف عن بعد، من المحتمل أن تكون محفوفة بمكامن عديدة
للخطأ.
يلاحظ
مؤلف الكتاب أن هناك ظاهرة ثقافية لافتة للنظر، تُعَدُّ من بين السمات
البارزة لفكر مطالع الألفية الثالثة. و تتجلى في تعاظم الوعي، بالنتائج و
الانعكاسات الاجتماعية و الأخلاقية، المترتبة عن التقدُّم النوعي الكبير و
المذهل، الذي صِرْنـا نشهده في ميادين علمية حيوية مثل الطب، و علوم
الحياة، و الهندسة الوراثية، بشكل خاص. و في تقديره، إن هذه الظاهرة، قد
قَوَّت من حظوظ عودة جديدة للفكر الأخلاقي، و تصدُّرِهِ لواجهة الفكر
المعاصر، و ساهمت في خلق أشكال عديدة من الحوار و الجدل بين الأخلاق و
العلم. فإذا كان التقدم العلمي، في الطب، و علوم الحياة، و الهندسة
الوراثية، يُنعِشُ الآمال، في إمكانية تحسين حياة الإنسان و شروطها، فهو
في الوقت ذاته، بات يخلق إشكالات أخلاقية جديدة، فريدة من نوعها في تاريخ
البشر، و لا عهد للمجتمعات البشرية بها من قبل. كما أن انعكاساتِه تهدِّد
بزعزعة مبادئ و قيم أخلاقية، شكَّلَت منذ آلاف السنين، و إلى حد الآن
لُحمةََ النسيج الثقافي و الحضاري للبشرية.
فبعد
الصدمة التي أحدثتها نظرية كوبرنك في القرن السادس عشر، و بعد صدمة نظرية
التطور لشارل داروين في منتصف القرن التاسع عشر، و بعد صدمة نظرية التحليل
النفسي، في العقود الأولى من القرن العشرين، ها هي الصدمة البيولوجية تقرع
الأبواب في مطالع القرن الواحد و العشرين. و الظاهر الآن، أنه لم يعد هناك
شك كبير في أن علماء الهندسة الوراثية المعاصرين، أصبحوا يتوفرون على
إمكانيات مذهلة لمعرفة دقائق المخزون الوراثي للإنسان، و التحكُّم فيه، و
برمجته وِفق تصميمات وأهداف موضوعة سلفا. و قد يتجرءون غدا على انتهاك حرمة
حياة الإنسان وأسراره، و يُقدمون على إحداث تغيير جذري في إنسان المستقبل،
يطال تركيبَه البيولوجي، وطباعَه و قدراتْه العقلية و النفسية و الجسمية.
و هكذا سنصبح أمام بشرية تتطور بسُرعتين مختلفتين.
و
فضلا عن ذلك، فإن التقدم الواعد في ميادين التكنولوجيا الحيوية، بدأ يتحول
إلى صناعة مزدهرة، باتت تطال أحوال الإنسان، و تؤسس احتكارات جديدة، في
الاقتصاد الكوني. كما أن السلطة الجديدة الناشئة عن الطفرات العلمية
الكبرى، و المتحققة في تلك الميادين أضحت تتعاظم يوما عن يوم، و آثارها
الملموسة و المحتملة، غدت تستدعي تطوير التفكير الأخلاقي لمواكبة التحولات
العلمية و تأطيرها. و هذا ما يمكن ملاحظته بالفعل و قراءته، في المبادرات
المتعددة، لتوسيع الجهود المبذولة على الصعيد العالمي، لحماية حقوق
الإنسان، كي تشمل مجالات الأبحاث العلمية حول الكائن الحي ذاتها.
و
خلال التفكير في التساؤلات المطروحة، لم يغفل المؤلف إثارة سؤال آخر بات
يفرض نفسه: فهذا الجدل، و هذا الحوار الجديد، بين الفلسفة و العلم
والأخلاق، الذي أضحى حاليا، يشكل جسورا جديدة بين الثقافات و الحضارات
الإنسانية، هل يُفِضي في نهاية المطاف، إلى عرقلة تطور البحوث العلمية، في
ميادين علوم الصحة و الحياة، و هي ميادين، يسعى المشتغلون بها، من حيث
المبدأ على الأقل، إلى تحسين ظروف حياة الإنسان، و التخفيف من معاناته و
آلامه؟ و هل يجب الحفاظ على روح التفاؤل ،والاستمرار في الاعتقاد بأن تلك
الإشكالات الأخلاقية عابرة... و أن العلم و هو يتقدم، يشق طرقا جديدة في
مسيرة تحرُّر الإنسان، أكثر مما تفعله السياسة؟ يجتهد المؤلف في مناقشة هذا
السؤال، و يقترح عناصر و أفكار للإجابة عنه.و فضلا عن الإشكالية السابقة،
تناول المؤلف بالتحليل قضايا أخرى تتعلق بالفكر المعاصر و توجهاته
الرئيسية.
إن
معظم الموضوعات التي تناولها المؤلف في هذا الكتاب، و حسب ما يصرح به هو
نفسه، تندرج ضمن مجموعة من المحاولات و المساهمات، كان أغلبها، إما محاضرات
جامعية، أو استجابات لظروف و مناسبات خاصة، تطلبت منه المشاركة في ندوات
فلسفية و فكرية، مغربية و عربية و دولية. ولا يخفي أنها جميعا تضم بين
ثناياها، سواء صرَّح بذلك أم ضمَّنَهُ، خيوطا ناظمة تلتقي كلها في الطموح
إلى التعبير عن تصوُّرَات يتبناها عن الإنسان و عن العقل و التقدم، في عالم
لا يفتأ يتغير و يتجدد. إنها تصوُّرَات هي بمثابة حصيلة متواضعة، لتجربته
في ميدان الفكر و الفلسفة.
العنوان : حوار الفلسفة والعلم والأخلاق في مطلع الألفية الثالثة.
المؤلف: د. عبد الرزاق الداوي.
الناشر: دار المدارس / الدار البيضاء / 2004
عودة الى الرئيسية |