المركز العربي للدراسات المستقبلية
مقالات الدكتور عبد الرزاق الداوي
 

 حقوق الإنسَان بين الأخلاق و السياسة الثقافة وقضية الديمقراطية أخلاقيات الحوار بين الثقافات
حوار الفلسفة والعلم والأخلاق / كتاب    


 ح
قوق الإنسَان بين الأخلاق و السياسة

 

الدكتور عبدالرزاق الدواي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط

  

  "إن المبادرات المتعددة، التي تمت عبر التاريخ البشري، لنقل القيم الإنسانية الأخلاقية العليا، إلى أرض الواقع السياسي،طموحاً إلى اختبارها و تحقيقها، اصطدمت دائما بالتناقضات الصارخة، و كان مآلها الفشل الذريع... و ما فشلُ أفلاطون، و الطوباويين، و أصحاب المدن الفاضلة تِباعا، سوى أمثلة و عِبَر ناطقة في هذا المجال"

 

 نقترح في هذه المقالة، التفكير في إشكالية حقوق الإنسان، من منظور علاقتها بالأخلاق و بالسياسة. و سينصب اهتمامنا بشكل خاص، على إثارة بعض القضايا العامة، نفترض أن لها صلة بعناصر هذه الإشكالية.

1.  بداية نقول إن الأخلاق مجموعة من المبادئ والقيم والقواعد العامة، لتوجيه السلوك البشري داخل المجتمع، نحو  تحقيق ما يُعتقد أنه الخير، و تَجَنُّب ما يُنظر إليه على أنه يُجَسِّد الشر. و غاية الأخلاق، هي في نهاية المطاف تحسين العلاقات بين البشر، و إعطاءُ الحياة البشرية معنى يُساعد على الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي، بالرغم من وجود الفوارق و التناقضات، داخل المجتمعات البشرية وبينها.  

والقيم و المثل الأخلاقية العليا وُجِدَت في جميع المجتمعات البشرية، حتى في تلك التي توصف أحيانا بالبدائية. و لكن هذه القيم لا تُعبِّر عن حقائق موضوعية و كونية، بقدر ما هي دالة على آمال و أماني و مخاوف بشرية، لا شك أنها تختلف في الزمان     و المكان. والعديد من المفاهيم الأخلاقية يصعب تفسيرُه و تبريرُه، بدون الإحالة إلى مرجِعِيَّة دينية أو مرجِعِيَّة سياسية. نستشهِدُ هنا برأي للفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل، ورد ضمن  كتابه في الأخلاق و السياسة،  (1946) : " إن القيم الأخلاقية، و خلال التاريخ المكتوب كله، كان لها مصدران مختلفان تماما: أحدهما سياسي و الآخر ديني". 

 أمَّا السياسة فَتُعَرَّف بأنها فن إدارة و تدبير الشؤون العامة للدولة و توجيهها؛     و أساليبُ قيادة الجماعات البشرية، و تنظيم العلاقات بين الأمم. كما َتُعَرَّف أحيانا بأنها  فن تقنين و تنظيم استعمال و ممارسة السلطة في المجتمعات البشرية. و على غرار الأخلاق، فإن للسياسة أيضا قواعدها و قِيَمَها، و هي تتميز عادة بأنها أكثر التصاقا بالواقع. و مهما تعددت و اختلفت التعاريف المعطاة لمفهوم السياسة، فهناك مسألة واحدة على الأقل، أصبحت تشكل البداهة بعينها، و قد أبرزها المفكر السياسي الإيطالي مكيافيللي، عندما أكد في كتابه "الأمير"، أن السياسة لا تخرج عن فن إدارة المصالح الذاتية  و الجماعية خارج الاعتبارات الأخلاقية و المعيارية.

و بالنسبة لمفهوم "حقوق الإنسان "، نحيل إلى التعريف الوارد في كتاب التربية على حقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1989 : "يمكن تعريف حقوق الإنسان تعريفا عاما بأنها تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتنا، والتي لا يمكن بدونها أن نعيش كبشر. فحقوق الإنسان والحُريَّات الأساسية، تتيح لنا أن نُطوِّر و أن نستخدم بشكل كامل، صفاتنا البشرية و ذكاءنا و مواهبنا و وعينا؛  و أن نلبي احتياجاتنا الروحية وغيرها من الاحتياجات. و تستند هذه الحقوق إلى سعي الجنس البشري المتزايد، من أجل حياة تتضمن الاحترام و الحماية للكرامة المتأصلة و القيمة الذاتية للإنسان".

2. بين حقوق الإنسان، و الأخلاق و الفلسفة، علاقة وطيدة. تتمثل هذه العلاقة قبل كل شيء في أن الأسس التي بُني عليها صرح حقوق الإنسان، هي أسس  فلسفية وأخلاقية؛ و أن تطوُّرَ الحقوق بصفة عامة، يتم دائما تحت تأثير دوافع أخلاقية، تُعْطى لها في أغلب الأحيان أبعاد كونية. إن حقوق الإنسان هي مبادئ في شكل صيغ،  تُعبِّر عن حاجات بشرية تلتف كلها حول موضوع الكرامة الإنسانية. إنها صوت الضمير الأخلاقي الإنساني، داخل الميدان الاجتماعي و السياسي. و نحن نذهب إلى أبعد من ذلك و نقول،  إن التساؤل عن ماهية حقوق الإنسان، و عن الأسس النظرية التي تقوم عليها، و عن مبررات و أسباب الدعوة إلى احترامها، هو في عمقه تساؤل فلسفي. و نضيف إلى ذلك أن الأطروحة القائلة إن الكائن البشري غاية في حد ذاته، يتمتع بالعقل، و بالإرادة،       و بالحرية، و يملك قابلية للتحَسُّن، و له ضمير أخلاقي، و قادر على القيام بالواجب       و تحمل المسؤولية، و عنده ميل فطري للتعاون و التضامن مع بني جنسه...؛ هي أطروحة تُوجد في صُلب  الأخلاق و في صُلب فلسفة حقوق الإنسان. و ليس من باب الصدفة وحدها، أن يكون أغلب الرواد المنادين بالجيل الأول من هذه الحقوق، كانوا من الفلاسفة؛ من فلاسفة عصر النهضة، و من فلاسفة  القرن السابع عشر، و بصفة خاصة، من فلاسفة عصر الأنوار، الذين قالوا "بالحق الطبيعي"،   و بدولة الحق و القانون،       و بالنزعة الإنسانية الكونية.

و لا نبتدع جديدا إذن، عندما نُذكِّر بأن الإرهاصات الأولى لحقوق الإنسان، نَبَتَت في حقل الفكر الفلسفي و الأخلاقي، قبل أن  تنخرط و تشق طريقها في الشِعاب الوعرة لأرض الواقع السياسي، المثقل بالتناقضات. و أن المبادرات المتعددة، لنقل القيم الأخلاقية العليا إلى أرض الواقع السياسي، طموحاً إلى اختبارها و تحقيقها، اصطدمت دائما بالتناقضات الصارخة، و كان مآلها الفشل الذريع. و ما فشل أفلاطون، و الطوباويين،     و أصحاب المدن الفاضلة تِباعا، سوى أمثلة و عِبَر ناطقة في هذا المجال. حدث ذلك في العصور الماضية، و لا نظن أن عصرنا الحالي سيشذ عن هذه القاعدة.

 إن القيم الأخلاقية عموما، و قيم حقوق الإنسان، عندما تُنقل إلى أرض الواقع الاجتماعي، تُواجه بالفعل، تناقضات بين مضامينها السامية من جهة، و من جهة ثانية، بين وقائع  وحقائق السياسة في عالم اليوم، التي لا تفتأ تُكَـذِّبُها باستمرار، و تُكَبِّدُهَا هزائم تلو الهزائم. إنها تَواجِه تناقضات فاضحة بين الاعتراف "العالمي" بهذه الحقوق، على المستوى النظري طبعا، وبين تَعَرُّضِها باستمرار، على مستوى الواقع الفعلي،  للخرق و للانتهاك في أنحاء عديدة من العالم. 

 إن التناقضات التي تصطَدِم بها قيم حقوق الإنسان، في أرض الواقع الاجتماعي   و السياسي، رغم أنها مُحْبِطة ومُخَيِّبة للآمال، تكاد تصبح مألوفة لدى الجميع، و كأنها أحد الثوابت البارزة في علاقة الأخلاق بالسياسة. إن تطبيق القيم الأخلاقية على السياسة، كان و لا يزال عسيرا جدا، إلى درجة غدت معها المبادرات في هذا السبيل، و في جُلِّ الأحيان، محاولات يائسة لا فائدة تُرجى منها. فالاعتبارات الأخلاقية قلما تجد آذانا صاغية في خضم الصراع السياسي. و فضلا عن ذلك فإن  أغلب الدول المُهيمنة على المجال السياسي في عالم اليوم، و على رأسها  تلك التي يُفتَرَض أنها راعية تلك الحقوق، لم يعد لديها أي وازع أخلاقي حقيقي، يحول بينها وبين السعي لتحقيق ما تعتقد أنه مصلحتها الخاصة، على حساب من تعتبرهم أعداءها، مهما كان الثمن.

 إن المصالح الاقتصادية الكبرى، للدول المهيمنة في عالم اليوم، أصبحت وحدها القادرة على الدفاع عن "حقوق الإنسان" في العالم، و القادرة على صناعة الأسباب الكافية و "المشروعة"، لتبرير التصرُّف وفق ما تُسمِّيه الخير العام. و هذا المعطى السياسي العاري، يذكرنا بعبارة أخرى لبرتراند راسل، سابقة لأوانها بالتأكيد، لأنها وردت ضمن مقالة له نشرها في سنة 1946، أي سنتين قبل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

 " طالما ظل البيض محتفظين بالتفوق سيدعون الناس من الأجناس الأخرى إلى حقوق الإنسان، و يقولون إن جميع البشر متساوون " .  

  3. و من يكون "إنسان حقوق الإنسان" ؟ حقا إنه لسؤال مُحْرج ! في حقبة سابقة  تُوصَف  بأنها إيديولوجية، عمَّ الاعتقاد بأن "إنسان حقوق الإنسان" ، يتجَسَّد و يتوَحَّد مع النموذج الثقافي للإنسان الغربي بصفة عامة: الإنسان الفرد، الذكر، الأبيض البشرة، وذو الأصل الأوروبي. و في ظروف و ملابسات تاريخية معينة، أضيفت إلى هذه  الأوصاف عناصر أخرى: "إنسان حقوق الإنسان"  هو الإنسان الأوروبي، الأرقى  و الأذكى،        و المتفوق، و الذي له الحق في نصيب الأسد من الحقوق، و لو استدعى الأمر أن تستثنى من هذه الحقوق و تُقصى، شعوب و ثقافات برمتها، لا تنتمي إلى الحضارة الغربية.

هذا التصور غيرُ المجاني،عن "إنسان حقوق الإنسان"، المُدَعَّم بما يكفي من القرائن التاريخية، يحفزنا على إثارة مزيد من الأسئلة المُحرِجة التي ترتبط بإشكالية حقوق الإنسان، و التي غَدَت كلاسيكية، لكثرة ما تَكرَّر طَرْحُها. نُجْمِلها في ما يلي:

هل يحق لنا القول إن حقوق الإنسان، كما هي منصوص عليها في وثائق الأمم المتحدة، تعبر عن انشغالات ومطالب كونية؟ وهل مفاهيم مثل: الحرية، المساواة، التضامن، المسؤولية، تحمِلُ نفس المعنى عند جميع الشعوب و في جميع الثقافات؟  و في عبارة واحدة، هل لمفهوم حقوق الإنسان بُعْدٌ كونيٌّ، أم أن الحقيقة تفرض علينا الإقرار، بأن هذه الحقوق هي نتاج  حضارة خاصة، هي الحضارة الغربية؟ و بخصوص هذا التساؤل الأخير،  هناك مفارقة تكمن  في أنه سؤال لا يصدر عن معارضي الاعتراف بالطابع الكوني لحقوق الإنسان فحسب، و هم كُثْرُ، بل إنه يُثار كذلك من طرف مُنظري النظام العالمي الجديد، المتعصبين للأطروحة القائلة إن حقوق الإنسان ولدت من رحم الحضارة الغربية، و إنها امتياز لهذه الحضارة ووقف عليها، و إن الصراع من أجلها    و باسمها، يُنذر باندلاع صراع مقبل بين الحضارات البشرية، قد يصعب تجنبه.

و يعد عالم الاجتماع  و الاقتصاد الألماني ماكس فيبر  ( 1864 -   1920 ) ،من رواد هؤلاء المنظرين. وله نظرية مشهورة، تُبْرِزُ الخصائص المميزة للحضارة الغربية، مُقارَنة  بالحضارات البشرية الأخرى. و كتابه الأخلاق البروتستانتية و روح الرأسمالية، لا يزال يثير الجدل حتى  الآن، و الأطروحة  التي يتضمنها لم تفقد بعد من أهميتها، بل على العكس من ذلك اكتسبت أبعادا جديدة،   و خاصة عندما عاد إليها في التسعينيات من القرن الماضي، منظرون أميركيون معاصرون، أشهرهم فرانسيس فوكوياما، و صامويل هنتنجتون. مضمون هذه الأطروحة  أن "لا واحدة من حضارات العالم الأخرى، تحمل قِيَماً يمكن أن تكون خلاقة للعقلانية الحديثة، التي أسست العلم الحديث،  و الرأسمالية، و الديموقراطية و حقوق الإنسان ". إن القيم الأخلاقية في الحضارات غير الغربية،               و النظرة إلى العالم، و إلى الغاية من حياة الإنسان و وجوده، كل ذلك لا يهيئ تلك الحضارات لظهور قيم حقوق الإنسان الحديثة. و يفسر ماكس فيبر، هذا الامتياز الذي يزعم أن الحضارة الغربية تحظى به  وحدها، بكون الحوافز النفسية و الدينية والثقافية، التي تتضمنها الأخلاق المسيحية البروتستانتية، تُعَدُّ من العوامل الحاسمة في نشأة النظام الرأسمالي و حقوق الإنسان.  

 و عندما نتذكر أن هذا الكلام، قيل في العقد الأول من القرن العشرين، يتضح لنا أن ماكس فيبر، بأطروحته هاتة، صار معدودا من بين الدعاة المبكرين لأطروحة  الامتياز الاستثنائي للحضارة الغربية، ربما بدون أن يتوقع ذلك. و لكن الأمر على أية حال، لم يذهب به إلى حد استشراف المستقبل، و التنبؤ بأن هذا الامتياز، يمكن أن يتحول  مع طلائع  الألفية الثالثة، إلى عامل حاسم من عوامل الصراع الحضاري.

            ليس في نيتنا غض الطرف عن كون التساؤل عن الطابع الكوني لمفهوم "حقوق الإنسان"،  تساؤلا مشروعا، و له ما يبرره. ولكننا نعتقد أنه تساؤل  قابل للأخذ و الرد،  و للاجتهادات المتباينة؛ و  أن مضامين "حقوق الإنسان"، و مهما قيل حول هذا الموضوع،  تستجيب لحاجة مُلِّحَة عند جميع البشر، بل و لطموح إنساني عام يمكن أن نسَمِّيه قضية الدفاع عن الكرامة. و هذا الطموح تم التعبير عنه في صيغ مختلفة، في جميع الثقافات، و في  جميع اللغات، و منذ أن وُجِدت المجتمعات البشرية. و إذا كانت هذه الحاجة المُلِّحَة، و ذلك الطموح المشروع ، يبدوان و كأنهما مُضاديْن للطبيعة نفسها، بسبب تناقضهما البَيّن مع قانون "الحق للأقوى" و "البقاء للأصلح"، الذي يحكم مملكة الطبيعة برمتها، بل و يخضع له تطوُّر المجتمعات البشرية ذاتها، حسب وجهة نظر نظريات الداروينية الاجتماعية؛ فانهما بالرغم من ذلك، يُعبِّرَان عن خصوصية الظاهرة البشرية، وعن الطبيعة الاجتماعية و الثقافية للإنسان. إن الطبيعة الاجتماعية والثقافية للإنسان هي في تقديرنا، العِلة المُوجِبة لمفهوم "حقوق الإنسان". و الثقافة كما يقول سيجموند فرويد، وُجدَت لِحماية الإنسان من الطبيعة. و في السياق نفسه يُمْكِن أن نضيف، لا مفر لنا من الإيمان بأن ثقافة حقوق الإنسان، وُجدَت في عالمنا المعاصر، لِحماية البشر من طبيعة الحَجْرِ، والاستبداد، والظلم، والاستغلال، و القهر، و الاحتقار،          و المهانة.

4.  و لا شك أنه كان من المؤمّل أن اتساع فرص الوصول إلى المعلومات،      و سرعة التواصل التي توفرت، في مطالع الألفية الثالثة، بشكل مذهل، سيفضي إلى تدعيم مبادئ الديموقراطية، و تعزيز حقوق الإنسان على المستوى العالمي. و لكننا الآن و بعد انقضاء أزيد من نصف قرن على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا زلنا غير متأكدين تماما بأن مبادئ هذا الإعلان، استطاعت تذويب الأحقاد بين الأمم والشعوب وتقريب المسافات فيما بينها، مع أنه من المفروض أن هذه المدة كانت كافية لأن تتحول إلى ثقافة إنسانية كونية . و جميع القرائن المتوفرة اليوم، تظهر أن حلم البشرية في عالم تسوده قيم العدل و الإنصاف و التسامح و التضامن، لا يزال بعيد المنال.

     إن كثيرا من المهتمين بقضايا حقوق الإنسان في عالم اليوم، الذين أتيحت لهم فرص المشاركة في مؤتمرات و ملتقيات دولية حول هذا الموضوع، لم يتوانوا عن إثارة الانتباه، و أحيانا بكثير من الحسرة و الأسف، إلى أن الوضعية الحالية في مجال تعزيز حقوق الإنسان على المستوى العالمي، تتسم بالإحباط و خيبة الأمل، بسبب ما تتعرض له هذه الحقوق من انتهاك، و استغلال، و انتقاء، و تشويه، و استخدام معيار مزدوج للحكم      و للتقييم في شأن احترامها، أي الكيل بمكيالين، كما يقال. و كأنما البشرية صنفان؛ صنف ممتاز جدير بالحماية و الرعاية ، و صنف منحط لا يستحق إلا الإقصاء  و الازدراء.

  و  من المؤسف حقا، أن يتم التعامل مع الانتهاكات التي تتعرض لها هذه الحقوق، على أساس المصالح الاقتصادية و السياسية أولا وقبل كل شيء؛ وأن يصبح الدفاع عن هذه الحقوق شعارا، يوظف أحيانا كسلاح إيديولوجي ضد شعوب معينة و حضاراتها، لأنها تتبنى سياسات و توجهات غير منسجمة مع مصالح الغرب.  و أحيانا أخرى يتم السكوت عن الانتهاكات السافرة و اليومية، التي تتعرض لها هذه الحقوق في دول أخرى. و لعل ما يقع اليوم على أرض فلسطين و العراق نموذج يندى له جبين البشرية في "عصر حقوق الإنسان ". و الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعطي لنفسها حق الكلام باسم قيم الحضارة الغربية في عالم اليوم، تعد من أبرز الدول الكبرى، التي تستعمل هذا المعيار المزدوج. فهي عندما تتحرك للضغط أو للضرب، فليس ذلك من أجل دواعي حقوق الإنسان فحسب،   و إنما لأن مصالحها الاقتصادية المهمة تكون مهددة. و كل خطاباتها حول الديموقراطية، حقوق الإنسان،  تبدو ثانوية بالمقارنة مع تلك المصالح.

و هكذا صِرْنا نلاحظ بالفعل، و عن كثَب أنه، مِثلما استُثمِرت و استُغِلت قِيَمُ الحرية و المساواة و الإخاء و الاشتراكية، و غيرها من القيم الإنسانية النبيلة، ها هي اليوم حقوق الإنسان تتمرغ في وحل الصراعات السياسية الداخلية و الخارجية، و تتحول تدريجيا، من مبادئ أخلاقية إنسانية متعارف عليها عالميا، إلى استراتيجية سياسية للهيمنة، بل أحيانا للتدخل السياسي و العسكري، في شؤون الدول الأخرى. و ما الخطاب المحموم السائد في أيامنا هاته، عن "العدالة المطلقة "، وعن "محاربة الشر" على المستوى العالمي، وعن "نشر الديموقراطية"، إلا نموذج حي عن هذا النزوع  العارم و المجنون، إلى تسييس الأخلاق، بطريقة سافرة و فجة.

نختم هذه المقالة بالقول إن التناقض بين الخطاب عن حقوق الإنسان، وبين ممارسات مُصَدِّري هذا الخطاب، بين الشعارات الجذابة، و بين الواقع الذي نكتشفه بالملموس، في تجاربنا و في علاقاتنا مع دول الغرب، راعية هذه الحقوق من حيث المبدأ على الأقل؛ إن هذا التناقض لا يلغي حقيقة أن مفهوم حقوق الإنسان، صار يكتسب بالتدريج بعداً إنسانيا كونيا، رغم أن البيئة الأولى التي نبت فيها معروفة، و يمكن تحديدها في الزمان و المكان. و رغم أنه لا يغيب عن بالنا تماما، أن هذه الحقوق  ليست حقوقا طبيعية، كما أنها ليست مبادئ و لا قيما لازمانية. لقد تم الإعلان عنها، و أُقِرَّت           و فُرِضَتْ بالتدريج، في رقعة جغرافية معينة، و في حقبة معينة من تاريخ البشرية. و من المؤكد أنها كانت من قبل مَتَجاهلة و منكورة تماما. و إحقاقها و تحويلها إلى مكتسبات إنسانية غالية، لم يكن بالأمر الهَيِّن، إذ تطلب بذل تضحيات باهضة، و خوض صراعات شاقة و طويلة، بل و دموية في أغلب الأحيان.

وعن السؤال الأخلاقي و الفلسفي: هل يعد الاحترام العالمي لحقوق الإنسان        و للحريات الأساسية ضرورة ملحة، نجيب نعم! إن معطيات المرحلة الحالية من تطور السياسة الدولية، تفرض علينا أن نؤمن بهذه الحقوق إيمانا راسخا، و أن نجعل منها سلاحنا لتخليق السياسة، و إلا فإننا ستهزم باستمرار أمام قانون الطبيعة الذي لا يرحم. بدون الإيمان بأن حقوق الإنسان قيم ذات بعد كوني، فإن النضال من أجل هذه الحقوق سيفتر، و يفقد بالتأكيد  حيويته و حوافزه الأساسية. و هذا الموقف في حد ذاته، قد يبدو للكثيرين، موقفا مثاليا بل طوباويا، لا يمكن أن تُجْنى منه إلا خَيْبَـات الأمل واليأس.     و لكننا نعتقد أنه، رغم مثاليته، يعبر عن حقيقة إنسانية، يتأكد يوما عن يوم أنها تتجه إلى أن تصبح استراتيجية إنسانية على المدى الطويل. ذلك لأنها  تُجَسِّد أغلى ما يمكن أن يطمح إليه الإنسان ككائن أخلاقي و ينشده، و لكن بدون أن تمكنه من تحقيقه كاملا، مناورات السياسة، و صراع المصالح، وربما أيضا، رواسب النزعة العدوانية الكامنة في أعماق الإنسان كما يقول سيجموند فرويد. إن حقوق الإنسان، و على غرار ما قاله فيلسوف الأخلاق إمانويل كانط، في سياق آخر مماثل، أضحت تشكل مسلمات الفكر الأخلاقي المعاصر.

 د.عبدالرزاق الدواي ـ الرباط. 29 شتنبر. 2002

عودة الى الرئيسية

 

                                             الثقافة وقضية الديمقراطية  

الدكتورعبدالرزاق الدواي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط

1. نعتبر قضية الديموقراطية حجر الزاوية في جميع مشاريع الإصلاح الثقافي   و السياسي. و نحرص هنا على التذكير ببعض التغييرات الهامة التي طرأت على دلالة مفهوم  الثـقـافة، خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين الذي ودعناه.و في هذا الصدد نقول، إن بِوُسعِ المتَتَـبِّع للتطوُّرات التي شهدها  حقل الثقافة الغربية في الحقبة المذكورة، أن يلاحظ بجلاء الارتباطَ التدريجي لمفهوم الثـقافة، بقيم و مبادئ حقوق الإنسان مثل المساواة والعدالة و الحق في الاختلاف، الأمر الذي لا نعلم حدوثه مثله من قبل. و حسب تقديرنا،  يمكن أن يُرَذُُّّ  ذلك، إلى تطوُّر الخطاب المعاصر عن الديموقراطية و حقوق الإنسان،  و إلى اتساع المجالات التي طَالَها حتى أصبح من الجائز القول عنه، مستعيرين تعبيرا من أدبيات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، إنه غدا يشكِّلُ إحدى  السِّمَات البارزة التي تطْبَعُ نظام الفكر و القيم في عالم مطالع الألفية الثالثة.

و  قبل أن تتبلور فكرة الربط بين مفهومي الثقافة و الديموقراطية  في الفكر الغربي المعاصر، و تنال قدرا وافرا من الحظوة والاعتراف، كان العالم الغربي الظافر  و الُمتقدِّم على كافة الأصعدة و الجبهات، واثقا تمام الوثوق  بأنَّه وحده ينفرد بامتلاك الثَّـقافَة الإنسانية الراقية و الكونية الحقيقية؛ وأن ثقافات  باقي شعوب و دول العالم هي، إمَّا غارقة في مُستنقعات التَّخَلُّف في أعماق و مستويات متفاوتة؛ و إما هي بدائية  و متوحشة لا تزال تعيش خارج التاريخ(1). و لكن  الغرب هذا، و قد تمكَّن من فرض نفوذه و بسط هيمنته   و ثقافته على سائر الثقافات البشرية الأخرى، بل و من تشويه      و تدمير معالم كثير منها، بدأ الضمير المؤنِّبُ عند فئة مستنيرة من علمائه و مُفكِّريه، في طرح تساؤلات قلقة حول مصير الثقافات المغايرة للثقافة الغربية، و حول ما إذا لم يكن من الواجب المبادرة إلى إنقاذ آثار  بعض منها،  قبل أن تندثر نهائيا.

 و في فترة لاحقة، و خاصة ابتداء من  الستينيات. طرأ تحوُّل ملموس في خطاب الأنثروبولوجيا  الثقافية الغربية،  بحيث صرنا نلمس عن كثب أنه بقدر ما قلَّ في هذا الخطاب الحديثُ عن  الثَّـقافَة الغربية باعتبارها نسيج وحدها واستثناءً، بقدر ما طفَت على السطح تدريجيا  أفكار "الاختلاف الثقافي" و "التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية" و "تساوي جميع الثقافات". و نعتقد أن  المسار الفكري للعالم الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر كلود  ليفي ستروس (1908+...)، يمَثِّلُ نموذجا بارزا لهذه الطفرة في تطوُّر الوعي الغربي، و نزوعه  نحو الاعتراف  المبدئي، لجميع الثقافات البشرية، بالتكافؤ و التعادل و المساواة (2).

و من باب المؤكَّد الآن، أن الحركة الداعية إلى احترام مبادئ: "تساوي جميع الثقافات" و  "حق الاختلاف الثقافي" و "التَّعَدُّدِيَّـة الثَّقَـافِية"، قد نشأت في قلب سيرورة الفكر الديموقراطي المعاصر ذاته. و لم تلبث هذه الحركة أن تطورت  شيئا فشيئا،        و بدأت أفكارها في الانتشار، و إعطاء  ثمارِها  في فضاء الحوار بين الثقافات، و تنمية العلاقات الثَّقَـافِية بين الدول. مِمَّـا جعل المجتمع الدولي يأتلف بالتدريج،  و لو على المستوى النظري، مع فكرة أن الثقافات البشرية مهما اختلفت، فهي من حيث المبدأ على الأقل تتعادل فيما بينها. و هذا المبدأ ذو البعد الإنساني و الديموقراطي، و الذي تدعِّمُه التوجُّهَات الجديدة للدراسات و الأبحاث في  الأنثروبولوجيا الثَّقَـافِية المعاصرة،  يقضي نظريا  و أخلاقيا،  بأنه لم يعد هناك مجال للحديث عن ثقافات بشرية مُتفاضِلة فيما بينها، و مُرتبة في سُلم التقدم؛ فيها الأرقي و الأدنى و الممتاز و المنحط. و من شأنه أن يَؤسِّـس للثقافات البشرية فضاءً للنمو و التفتح والازدهار، في أحضان حضارة إنسانية يٌفترَض أنها شاملة لمكوِّنات مُتعدِّدة، و رحبة للجميع.

و من أجل دعم فكرة هذا الربط الحديث بين مفهوم الثقافة  و الديموقراطية على المستوى العالمي، ثمة قرائن أخرى يمكن سردُها هنا. منها على سبيل المثال، أن مبادئ الحركة التي المذكورة، أضحت خلال فترة وجيزة، تتصدَّر الاهتمامات الكبرى لمنظمة الأمم المتحدة للتربية  و الثـقـافة  والعلوم  (اليونسكو)، التي يبدو أنها عثرت فيها أخيرا على الحجر الفلسفي المنشود، الذي بفضله يُمكنها مواصلة رسالتها في نشر ثـقـافة السلام و الحوار بين الثقافات في العالم(3). و منها كذلك، أنه في هذا المناخ الثقافي  الديموقراطي الجديد بالذات، اغتنت منظومة حقوق الإنسان (الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان،1948)، بولادة جيل ثالث من الحقوق. و يتعلق الأمر بقائمة الحقوق الثَّقَـافِية التي تهم الجنس البشري بأسره، و منها الحق في الاعتراف بالحرية الثَّقَـافِية للجميع، و الحق في الاستفادة من التراث  الثقافي المشترك للبشرية جمعاء (4).

 و ما هو من قبيل الواضح للعيان حتى الآن، أن مسألة "التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية"، صارت تحتل بالتدريج مكانة أوسع  في فضاء العالم المعاصر، إلى حد يمكننا القول فيه، و بدون خشية الوقوع في المبالغة، إن أغلب مجتمعات الألفية الثالثة ستكون مجتمعات متعددة الثقافات. كما نتوقَّع، في المستقبل المنظور، أن صيغة السؤال الأساسي الذي يمكن أن يطرَحُ حول هذه المسألة،  ستتحول من " هل يجب قبول التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية أم رفضها"، إلى: " إذا كان من اللازم التسليم بمبدأ التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية، فإلى أية حدود؟".

 و هنا يحِق لنا أن نتساءل: تُرَى هل خَلَّفَت هذه التحولات الدلالية التي طرأت على مفهوم الثَّـقافَة في اتجاه الديموقراطية، أصداءً في  منظومتنا الثَّقَـافِية العربية الإسلامية؛ و ما هو الموقع الفعلي لقضية الاختلاف و التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية، في هذه المنظومة؟

بداية نقول، إن الاختلاف بين الكيانات الثقافات البشرية المتواجدة في عالم اليوم، واقع حقيقي يصعب غَضُّ الطرف عنه. و واقِع حقيقي كذلك، أن هناك اختلافات فعلية،  نسبية و متفاوتة في الحِدَّة و الدرجة بالتأكيد، توجد حتى داخل المجموعات الثقافية التي تربطها علاقات القرابة أو الجوار؛ بل حتى داخل نفس  الكيان الثقافي الواحد الذي يُفترض أنه منسجم و متجانس.  و نعتقد أن هذا هو حال ثقافتنا العربية الإسلامية أيضا.   و بصدد مسألة الاختلاف، يبدو  أن ثقافتنا  تعاني من مفارقة لافتة للنظر،  تتَجلَّى في كوننا، في الشعارات الثقافية التي نرفعها، ندافع بحماس عن حق الاختلاف و التَّعَدُّدِيَّـة الفكرية و الثقـافية على المستوى العالمي، و خاصة عندما نكون في موقف الدفاع عن ثقافتنا ضد الثقافة الغربية الغازية و المُهيمنة. و لكننا سرعان ما  نتنكَّر لمضامين هذه الدعوة، عندما يُنادى بها في مجتمعاتنا و أقطارنا، بل قد لا نتردَّد في التصدِّي لها  و محاربتها.

 و كأن ثقافتنا العربية الإسلامية قد خلت  من شوائب التعدد، و كأنها شكَّلت دائما وحدة متجانسة، و ظلَّت خلال جميع الحقب التاريخية لتطورها، في منأى من عوارض الصراع و الخلاف والزمن. في حين أن الخلاف فيها قائم و يسكنها تاريخيا و واقعيا.  فتاريخها هو، ككل تواريخ ثقافات العالم، ميدان للخلاف و الاختلاف، مما  يتنافى طبعا مع المواقف و النزعات التي تأبى إلا أن تتحدث عنه بلغة الكمال و التنزيه و  التوحيد.    و مَن باستطاعته   إنكار واقع أنه، على امتداد الأقطار المنتمية كليا أو جزئيا إلى هذه الثقافة، تنساكن مجموعات بل أقوام ذوو جذور ثقافية متنوعة، أسهمت ثقافاتهم بالتأكيد في إثرائها، بل ربما لم تستطع ثـقافَتنا العربية الإسلامية أن تضرب  بجذورها في أعماق تربة و بيئة تلك الأقطار، إلا بفضل استيعابها و تمثلها للعناصر الحيَّة في تلك الثقافات المحلية؟

و لكن الاعتراف بالوجود الواقعي و التاريخي، لتنويعات و أشكال ثقافية فرعية هامة، داخل نفس الثَّـقافَة الأم، لا يجب أن يُؤخذَ على  أنه دعوة ضمنية أو صريحة، إلى  تضخيم تلك الاختلافات إلى حد إعطائها قيمة مطلقة، و إلا انقلب الأمر إلى تشتيت لا نهاية له للآراء و المعتقدات والجُهود، و بالتالي إلى تشجيع للتجزئة والتفرقة والتنازع(5).

 و يبقى المهم  في تقديرنا، هو نوعية التأويل و الاستثمار الممكن التعامل بواسطتهما مع هذه الظاهرة. نحن نرى أن بمقدورنا تغيير وجهة نظرنا إلى ظاهرة الاختلافات الثقافية الفرعية، داخل نفس الثَّـقافَة الواحدة، بحيث تصبح أكثر إيجابية. فهذه الاختلافات، التي هي اختلافات طبيعية و توجد في جميع المجتمعات،  ينبغي ألا تتحول إلى عناصر تذكِى صراعا مكبوتا، بل يجب إيجاد آليات لتدبيرها سلميا، داخل مناخ القبول بالتَّعَدُّدِيَّـة الفكرية و حق الاختلاف الذي تنظمه قواعد الديموقراطية، و يستمر في إطار وفاق يتجدد بالوسائل الديموقراطية. و خارج هذا الإطار، من الصعب تصَوُّر كيف  يستقيم عندنا الحوار الثقافي الداخلي بين مكونات المجتمع المدني، من أجل تحقيق الطموحات المشروعة لشعوبنا وأقطارنا في إنجاح مشاريع التقدم الاجتماعي، و التنمية الديموقراطية و الحداثة السياسية، و لماذا لا الاتحاد السياسي في نهاية المطاف؟    (6).

2. أمامنا قضية حَيَوِيَّة تكاد تصبح من البديهيات في عالم اليوم: إن إنجاح و دعم مشروع التحرُّر والتنمية و الحداثة السياسية في أي مجتمع، بات يتوقف كثيرا على مدى تشرُّب ثقافة البلد المَعْنِي بالفكر الديموقراطي. و أقطارنا  لا يمكن أن تظل إلى الأبد مُشَكِّلَة استثناء بالقياس إلى قاعدة الديموقراطية هذه، التي تتسع و تنتشر في معظم أرجاء العالم، و تشُق طريقها في العديد من البلدان التي رزحت طويلا تحت نير الديكتاتوريات.

 و بصدد التساؤل عن موقع الديموقراطية في ثقافتنا السائدة، يجْمُلُ بنا في البدء، الاعتراف بأن من الهموم الكبرى التي لا تزال تهيمِن على المناقشات عند  نُخَبِنا  المثقفة، المفكرة و المناضلة، موضوعات تكاد كلها تدور حول واحد أساسي: مظاهر الغياب الملحوظ للديموقراطية، في أعرافنا و تقاليدنا و أساليبنا في تداول الحكم و تدبير الشأن العام. و هناك صُوَر و وَضْعِيَّـات شاذة، كثيرا ما يُلمَّحُ إليها في هذا السياق أو تُذْكَرُ صراحة. منها على سبيل المثال ما تعيشه أغلب المجتمعات العربية الإسلامية، في مستويات و درجات متفاوتة، من كبت و قمع للحريات المدنية والسياسية والفكرية؛ و من تعسُّف يطال الحقوق الفردية  و الجماعية؛ و من قهر و إذلال يمَسَّان بالكرامة الإنسانية؛ و من تفاوت صارخ في توزيع الثروة و الحقوق و المعرفة و الحظوظ، ، ومن نبذٍ لمبدأ احترام التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية والسياسية، و من نُدْرَةَِ توفر عُنصُري الحرية و النزاهة في أغلب الانتخابات و الاستفتاءات التي تُجرَى في بلداننا،  و من تشويه لمضمون التمثيل    و المشاركة الحقيقيين في أغلب المؤسسات، و من صُورية التناوب و التداول على الحكم و السلطة، إلا فيما ندر و خرج عن المألوف، و من غياب للمحاسبة و المساءلة الشفافة، ثم مما شاع من فساد مسْتَشْرٍ في أجهزة  و أوصال السلطة ذاتها!

و بخصوص الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب المُزمِن للديموقراطية في تراثنا الثقافي، يتَّجٍه تفكيرنا بشكل خاص، صوب  تحليلات المفكر العربي برهان غليون، حول موضوع "إشكالية الثَّـقافَة و الديموقراطية في واقعنا العربي". و هي تحليلات يبدو لنا أنه لم يظهر  إلى حد الآن، ما يمكِن أن يُشكِّك في مصداقيتها، أو يضعف من راهنيتها.      و تقوم على فرضية مفادُها، أن مسألة الديموقراطية لم تُطرَح إلى حد الآن، في جل البلدان العربية و الإسلامية، كقضية جِدِيَّة و جوهرية و ضرورية، تتعلق بتقديم حلول لا بد منها، لمسألة اجتماعية أساسية هي مسألة الحكم و تناقض المصالح و الأهداف، للفئات الاجتماعية المختلفة التي تتكون منها مجتمعاتنا. و لكنها طُرِحَت ، في أحسن الفروض، كمظهر من مظاهر التقدم السياسي يتم اكتسابه مثلما  يتم اكتساب الصناعات و العلوم     و بقية التقنيات العملية الحديثة"(7). و هذا الطرح الصُّوري لمسألة الديموقراطية في ثقافتنا السائدة، يُعَدُّ من وجهة نظرنا، من العوامل الأساسية  المساهمة في إفشال أغلب التجارب الديموقراطية في الوطن العربي.  و بالتالي في تراكم مشاعر اليأس و الإحباط في النفوس، مما يُوَلِّدُ و ينمي الانطباع العام بأن الغاية من احتضان الديموقراطية بين ظَهْرَانَيْنَا،  عندما يُعلَن عن ذلك أمام الملأ و تُعْقَـدُ النية عليه فعلا، تكاد تكون من باب تبرئة الذمة حيال المجتمع الدولي، أو في أفضل الافتراضات، من باب الظهور بمظهر من يتباهى بامتلاكها لأنها من أمَارات التقدم  و المعاصرة (8).

و الحق أن الديموقراطية، إذا لم تلق في أوطاننا نجاحا كبيرا مُعْتَرَفا، به و مشهودا له عالميا بالمصداقية، في ما عدا باحات محدودة، و هوامش نادرة هنا و هناك، فذلك لكون مجتمعاتنا دخلت المجال السياسي  الحديث، بثقافة  وارِثة لعوائق ذاتية من الماضي التاريخي، أصبحت تحول بيننا و بين احتضانها. و لعل أهم تلك العوائق التي لم نستطع التحرُّر منها و لا تذليلها حتى الآن؛ و التي  نحرص على إثارتها في هذه الظرفية التاريخية بالذات، أن الفكر الديني السياسي المتزمِّت، يظل راسخا في ثقافتنا، و كأنه ذلك المكبوت اللاشعوري الضارب بجذوره في أعماقها، و الذي يتحيَّن الفرص دائما للظهور و للانقضاض و السيطرة من جديد. و هذا الواقع المُزْمِن و المُعقَّد يجعل ثقافتنا السائدة تُعِيد باستمرار إنتاج علاقات الخضوع و الامتثال و كأنها أمور طبيعية، كما يُكسِبَها قابلية مُتجدِّدة لتوليد ظروف التطرُّف، و ظروف الاستبداد الذي لا يخجل أحيانا من الظهور بمظاهر علمانية متحررة.

 و هكذا فإن الصراع في مجتمعاتنا، الذي هو صراع طبيعي و يوجد في جميع المجتمعات البشرية المتواجدة في العالم، لا تساعد مثل هذه الثَّـقافَة السائدة عندنا على إيجاد آليات لتدبيره ديموقراطيا  و سلميا. و حتى الثورات التي شهدها مسرح عالمنا العربي  الإسلامي، طيلة العقود الماضية، و التي دغدغ بعضها أحلامنا زمنا، لم  تخدم قضية الديموقراطية كثيرا،  و لم تعمل على استتبابها في بيئتنا، لأنها لم تلبث هي ذاتها أن تحولت إلى استبداد، كثيرا ما لعبت ظروف دولية معينة لُعبتَها في مده بشروط الحياة      و الاستمرار.

 و رغم مرور أكثر من قرن على بداية ما نعتبره نهضتنا الحديثة، فإن ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة، ، تبدو و كأنها لا تزال تعاني أطوارا أخرى من أطوار مخاض الحداثة العسير، أو بعبارة أخرى، و من منظور آخر أقلَّ تفاؤُلا: تبدو و كأن جميع المجهودات و التضحيات المبذولة طيلة قرن كامل، من أجل إصلاحها و جعلها مقدمة للتحديث السياسي، ذهبت عبثـا وهـَدْراَ، كما يُلَمِّحُ إلى ذلك بنبرة تبعث على الحسرة، عنوانُ كِتاب فرنسي جديد حول هذا الموضوع، صدر في فترة الأزمة الأخيرة التي عِشناها بمرارة، في الشهور القريبة الماضية، و التي انتهت كما يعلم الجميع، بمأساة انهيار دولة العراق و بسقوط  كثير من الأقنعة، و انكشاف الحقائق عارية. لقد تبيَّن بالملموس أن غياب العدالة و الديموقراطية قد يُفضِي في الحالات القصوى، إلى انصراف الشعوب عن مساندة الأنظمة المستبدة، وإلى تجرؤ  إمبراطورية عالمية جديدة، على احتلال أرض شعب عريق، و نهب تراثه و تدمير ثقافته، تحت راية التحرير والإنقاذ! (9).

و مما يساهم في تعقيد أكبر للأمور بالنسبة لنا، أنه إلى جانب ظواهر غياب الديموقراطية التي تشل حركتنا و محاولات انطلاقنا؛ و إلى جانب حالة الإحباط و الإنهاك العام، التي أصبحت تطبع مسيرتنا، بسبب فشل مسلسل التجارب الإصلاحية، و سلسلة الإخقاقات المتتالية، و خيْبَات الأمل، وتنامي أوضاع الشعور بالعجز التي تخيم علينا؛ إلى جانب ذلك، ينضاف الآن إلى المعادلة عنصر آخر، يتمثل في كون مطامح مجتمعاتنا في التحرر و التنمية و التقدم،  أصبح المجالُ الحالي لتحققها يتحدَّد داخل سياق دولي و ثقافي ينحو أكثر فأكثر ليكون  في غير صالحنا، إن لم نقل معاديا لنا صراحة، بسبب الهيمنة  و الأطماع الاستعمارية الجديدة، و ضخامة المواجهة مع التحدي الصهيوني المفروضة على بداننا، منذ ما ينيف عن نصف قرن.

لكن الإقرار بهذه الحقائق، لا ينبغي أن يكون ذريعة لنا لنبقى في هذه الحالة من الشلل. و هذه المحنة، أو بالأحرى هذا المأزق الذي  تعاني منه الديموقراطية في بيئتنا، ينبغي ألا يجعلنا نلين  فنحكُم متشائمين بأنها غير متأصلة في ثقافتنا وأعرافنا، و في جميع  مناحي وجودنا العربي الإسلامي، و بالتالي لا يمكن احتضانها و استنباتها عندنا إلا مُشوَّهَة. و الحق أن الوعي التاريخي بات يُحَتِّمُ علينا التحلِِّي بالأمل و بالعزيمة،          و الاستمرار في بذل الجهود  و المحاولات من أجل تهيئ ثقافتنا لكي تستوعب و تحتضن بشكل واع  و صريح الفكر الديموقراطي و مكتسباته، التي أصبحت الآن شئنا أم أبينا، من سِمَات ثقـافة إنسانية، ذات توجهات كونية لا سبيل إلى تجاوزها، بل يبدو أن من العبث التفكير أصلا في مثل هذا التجاوز.

 فما دام هناك، على المستوى العالمي، تأكيد متزايد على الترابط المتين بين التحرُّر السياسي، و إيجاد حلول لمشاكل التنمية و التحديث و السياسي من جهة، و بين تبني الديموقراطية  و احترام حقوق الإنسان من جهة ثانية (10). و ما دامت الديموقراطية من هذه الزاوية للنظر، تسير في طريق أن تصبح مطمحا لأغلب شعوب العالم؛ و بالتالي ما دامت حاجتنا إليها  لا تنتفي، أبدا حتى لو اتضح الآن أنَّ مَثَلهاُ الأعلَى في هذا العصر، غدا مطيَّـةً تركب عليها الأطماع التوسعية للإمبراطوريات العالمية الجديدة. ما دام الأمر كذلك، فهل من المعقول أن نُستثنى وحدنا، نحن العرب و المسلمين، من مكتسبات الاختيار الديموقراطي؟ و هل ممَّا يفوق طموحنا و إرادتنا، أن تصبح ثقافتنا بدورها، من جديد ربما، ثقافة العقل و العلم والإنسان والحرية والتقدم والمساواة و التنوير و حقوق الإنسان؟

كلا، إن الدعوة لا تتعلق بموسم الهجرة إلى الديموقراطية، كما يقال و يُكتب في هذه الأيام  في العديد من المنابر! و كلا، ليست الديموقراطية هي وهمُنا الجديد الذي نعيش عليه،  و إنما الوهمُ كل الوهمِ  أن نتصوَّر أنه في وسعنا أن نجد، في اختيارات أخرى غيرِها، ما لا تستطيع هي أن تقدمَّه لنا.

و ليس بخاف علينا حقا، أن معركَة إدماج الديموقراطية، ضمن المشروع الحضاري  لإصلاح ثقافتنا و تحديثها، و لإتاحة فرصة التفتح والاغتناء أمام هُويتنا، بقدر ما يتأكد تدريجيا أنها غَدَتْ ضرورة وطنية و قومية، بقدر ما نلمس عن كثب أن الأمر في شأنها، يستدعي تغيير كثير من القيم و الأفكار السائدة عندنا، ذات الصلة بمسألة تطوير سياساتنا تجاه القضايا الاجتماعية و الاقتصادية. مما يعني بوضوح، أن إشكال البناء الديموقراطي هو بطبيعته أشد تعقيدا، و يحتاج إلى زمن أطول، و ربما إلى أجيال أخرى، ذلك لأنه يتعلق بالعقليات و بإيقاعات تغيُّرها (11). و تحضرُنا في هذا المقام،  عبارة شهيرة للطبيب النمساوي سيجموند فرويد، مقتطفة من نصٍّ نشره سنتين قبل وفاته، مودِعاً فيها عُصارَة تجاربه في الاحتكاك بالواقع البشري: " ...هناك ثلاث مِهن يبدو أنها في غاية الصعوبة؛ ذلك لأن الفشل فيها مُتَوَقَّـعٌ سلَفاً؛ إنها فَـنُّ حُكم الناس و تدبير شؤونهم،      و فَـنُّ تربيتهم، ثم فَـنُّ علاجهم" (12).

الرباط، في 14 يوليو، .2003

 

الهوامش

1. من المفيد في هذا السياق الاطلاع على  كتابات المؤرخة و الكاتبة الفرنسية المعاصرة، صوفي بسيس، المشهورة بنقد الأطروحات الجديدة حول صدام الحضارات، لأنها حسب وجهة نظرها،  تركز على التناقض الثقافي     و الحضاري بين الغرب و العالم الإسلامي، و تهمل الأسباب الحقيقية و الفعلية للصراع. يُراجَع كتابها الهام: الغرب    و الآخرون...  
Sophie Bessis , l'Occident et les autres, Histoire d'une suprématie, La confiscation de l'universel , Paris, Editions La Découverte,  2001.                                                                                                           

2. نُحِيل هنا إلى كِتابِه:      Claude Lévy- Strauss, Race et histoire, Paris, Gonthier, 1977.

و هو كتاب كان في الأصل محاضرة ألقاها المؤلف بمناسبة السنة الدولية لمناهضة العنصرية، المنظمة من طرف اليونسكو في 1952. و فيه ينفي وجود أية علاقة ضرورية و مباشرة، بين تقدم و ازدهار الثقافات البشرية، و بين ما يُدْعَى بالتفوق و الامتياز العرقي. كما  يؤكد على أن الازدهار الحضاري و الثقافي، لا يمكن أن يتحقق إلاّ في ظروف انفتاح الثقافات البشرية على بعضها و تلاقحها .  حول إشكالية مفهوم الثَّـقافَة عند كلود ليفي ستروس و إشكالية " تعدد و اختلاف الثقافات البشرية "، نُحيل إلى كتابنا: موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، 1992. ص.:92+...

    3. الظاهر أن أغلب الذين يدعون اليوم إلى الحوار بين الثقافات ، بصدق و حماس، هم من المنتمين إلى الثقافات الخاضعة أو الموجودة في موقف ضعف. أما المنبر الدولي المفروض أن يرعى الدعوة إلى الحوار بين الحضارات    و احترام حقوق الإنسان، فقد أصبح اليوم مدعوا من طرف القوة المهيمنة على العالم، إلي إضفاء المشروعية على العدوان و الاحتلال  و الغزو الثقافي.

4. في المصطلح الحقوقي الحديث، تعني عبارة "الجيل الثالث لحقوق الإنسان" النصوصَ الحقوقية التي ظهرت بعد الإعلان العالمي لسنة 1948، و خاصة منها: "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية و الاقتصادية  و الثقافية للشعوب"، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 1966،  و الذي دخل حيز التنفيذ سنة 1976. لمزيد من الفائدة، نحيل إلى  مقال الأستاذ علي كريمي،" الأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان"، مجلة  فكر و نقد، عدد 30، يونيو 2000. صص.: 53-62.

5. أنظر كتاب علَِي أومليل، في شرعية الاختلاف، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، 1991، ص.: 13.

6. عبدالرزاق الدواي،" عناصر رؤية للفكر الفلسفي العربي في المستقبلمدارات  فلسفية، مجلة الجمعية الفلسفية المغربية،عدد5/2000، الرباط، 2000.ص.:117.

7. برهان غليون، "ما وراء الديموقراطية و الاستبداد"، ضمن كتاب التجارب الديموقراطية في الوطن العربي، ندوة منتدى الفكر و الحوار بالمغرب، نشر دار الحداثة، بيروت، 1981. ص.:117.

8. عبدالرزاق  الدواي" حول موضوع المجتمع المدني بالمغرب"، ضمن ملف: "المثقفون المغاربة و المجتمع المدني"، مجلة آفـاق اتحاد كتاب المغرب، عدد ¾ ، الرباط، 1992، ص.: 194. 

 9. عنوان الكتاب المذكور: قرن كامل من أجل اللاشيء! الشرق الأوسط العربي من الامبراطورية العثمانية الى الامبراطورية الاميركية. و المؤلفون هم : جان لاكوتير، غسان تويني، جيرار خوري.

 - Jean Lacouture, Ghassan Tuéni, Gérard D. Khoury, Un siècle pour rien. Le Moyen-Orient arabe de l'Empire ottoman à l'Empire américain . Collection " Itinéraires du savoir ", Paris, Editions Albin Michel, 2003.

10. بخصوص هذا الموضوع نحيل إلى إعلان فيينا، الصادر عن المؤتمر العالمي لحقوق  الإنسان، المنعقد بعاصمة النمسا خلال فترة 14-25 يونيو 1993. منشورات المفوضيَّة السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، جنيف.

11. على أمليل، مواقف الفكر العربي من التغيرات الدولية: الديموقراطية و العولمة، منشورات منتدى الفكر العربي، عَمَّان، 1998.ص. 29.

12. من نص نشره فرويد سنة 1937، و يحمل عنوان: "التحليل النفسي الذي له نهاية، و التحليل الذي لا ينتهي"، و قد تعرض فيه بنبرة متشائمة  إلى محدودية التحليل النفسي، في العلاج و الوقاية، مقارنا إياها بمحدودية مَجالَي الحكم  و التربية. و في نفس السياق  هناك عبارة أخرى سابقة تُنْسَبُ إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، يقول فيها :" ثمة اكتشافان إنسانيان يحق لنا اعتبارهما أصعب الاكتشافات: فن حكم الناس، و فن تربيتهم".
عودة الى الرئيسية

 

 

الحوار بين الثقافات، الأخلاقيات و الشروط الغائبة *

 الدكتور عبدالرزاق الدواي  

جامعة محمد الخامس ـ الرباط

 1. هناك مجالات عديدة، يمكن أن تساهم في تنمية التعاون و التبادل بين الدول والشعوب. و لكن يبدو لنا أن المجال الثقافي يُعَدُّ، من بين جميع المجالات المتوفرة، الأكثرَ تأهيلا ليكون أرضية تمهيدية لباقي أشكال التعاون الأخرى. ذلك لأن الحوار بين الثقافات يقوم، من الناحية النظرية على الأقل، على مبدأ التكافؤ و التعادل بين الكيانات الثقافية المتحاوِرة. وهو من هذا المنظور، وحسب وجهة نظر غالبية المهتمين بإشكالية الحوار بين الثقافات في عالم اليوم، يمكن أن يكون خيارا و بديلا حضاريا للُُغَة الصراع   و العنف. و في هذه المقالة نقترح مقاربة تحليلية لهذه الإشكالية.

بداية، يجمُل بنا إعطاء فكرة سريعة عن مفهوم الثقافة كما نعتمده. نحن نفهم من كلمة " ثقافة"  كيفية للنظر إلى الحياة و إلى الوجود، و طريقة للعيش و السلوك،         و الإحساس و الإدراك  و الإبداع و التعبير، يتميَّز بها مجتمع بشري مُعيَّن، في ما يملكه من أصالة عريقة و مُتجَذِّرة في تاريخه. الثقافة من منظورنا، تُعبِّر فيما تعبِّر عنه، عن نظرة أمة ما إلى الكون  و الحياة و الموت، و إلى الإنسان و مكانته و رسالته في الوجود. و هذه الدلالة التي نوظفها هنا، مستوحاة من التعريف الذي اقترحه المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية، المنعقد بمكسيكو في شهر أغسطس 1982. نقرأ في وثائق هذا المؤتمر: " إن  الثقافة هي جماع السمات الروحية و المادية و الفكرية و العاطفية، التي تميِّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. و هي تشمل الفنون و الآداب و طرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الإنسانية للإنسان، و نظم القيم  و التقاليد و المعتقدات؛       و بالتالي، فإن الثقافة تتجلى في وحدة المظاهر الحيوية لشعب ما" (1).

من هذا التعريف، يُمْكن أن نستخلص ضمنيا، أن الانتماء إلى هُوِيَّة ثقافية معينة، يُعَدُّ بمثابة حاجة نفسية و اجتماعية ضرورية، و لا غِنَى عنها بالنسبة لأي إنسان. فهذا الانتماء هو الوسيلة الطبيعية لإثبات الذات و تفتُّحها. فالإنسان كالشجرة لا يستطيع أن ينمو و يعيش حياة عادية، إذا لم تكن له جذور ثقافية أصيلة يتغذى منها. و من المُسَلَّم به أن الثقافة العربية الإسلامية، تُعَدُّ من المنظومات الثقافية العالمية الكبرى

إلى جانب مفهوم الثقافة، هناك مفهوم آخر يستحق مِنَّا وقفة قصيرة، إنه  مفهوم  الحوار. و كلمة "حوار" في العربية، هي المقابل المُتَوافَق عليه لكلمة "Dialogue "، المتداولة في اللغات الأوروبية عامة. و أصلُ هذه الكلمة ينحدر من اللغة اليونانية، و هو فيها مشتق من فعل يدل على الحديث و على الجدال. و أوَّلُ استعمال معروف لهذا اللفظ، حسب علمنا، ظهر في سياق الفلسفة اليونانية القديمة، و بصفة خاصة في الخطاب الفلسفي عند ثنائي مدرسة أثينا: أفلاطون و أرسطو. والظاهر أن الدلالة العامة لكلمة "Dialogue "، في سياقها الأصلي، لا تشير فقط، و كما هو شائع ، إلى  حديث يجري بين شخصين، بل إنها تعني كذلك المشاركة في حديث له طابع جِدالي أساسا: حديث يدور بين شخصين أو أكثر، و يُفترَض أن تكون الغاية منه، هي البحث عن نقط الالتقاء و التوافق و التراضي.  هي السير سوِيّاً، في طريق التعقُّل و الفَهْمِ و التفهُّم و التفاهُم. من هذا المنطلق،  تصبح غاية كلِّ حوار، هي التقدُّم  خطوات إلى الأمام، في طريق  الكشف عن الحقيقة بقدر الإمكان؛ من خلال ما يحجُبُها من رواسب التعصُّب و التنكُّر و التعتيم.

 و هنا يلزمنا الاعتراف بأن الحوار بين الثقافات، لا يسلك دائما هذا الطريق السليم و العقلاني. فالعلاقات بين الكيانات الثقافية، هي في أغلب الأحيان علاقة منسوجة من خيوط المُعاشِ والمُتَخَيَّل. و هي لا تقتصر على الظهور في أشكال شفَّافة من الاستعارة    و التفاعل و التأثر والتأثير، بل هي بالأحرى نوع من التلاقُح  و الإخصاب الثقافي، كثيرا بل غالبا، ما يفلت من زمام التحكُّم و المراقبة. بل إنه ليكاد ينقلِب إلى ضرب من العدوى الثقافية، إن صح هذا التعبير، عدوَى تنتقل بطرق سريعة و خفية. و مما لا شك فيه أن التطور المذهل الذي يشهده عصرنا، في ميادين تكنولوجيا الاتصال و الإعلام             و المعلوميات،  يُوفِّر إمكانيات هائلة لانتشار هذه العدوى!

2. نحن نسلم بأن من الحقائق التي أصبحت تفرض نفسها تدريجيا، على جميع الدول و المجتمعات في عالم اليوم، احترام مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان. و من ثوابت الفكر الديموقراطي، التي يمكن التذكير بها قي سياق مقالتنا هاته، أنه أضحى  يُقِرُّ و لو على المستوى النظري، أن الثقافات البشرية مهما اختلفت، فهي من حيث المبدأ على الأقل تتعادل فيما بينها. وهذا المبدأ يقضِي، نظريا و أخلاقيا، بأنه لم يعد هناك مجال للحديث عن ثقافات بشرية مُتفاضلة فيما بينها، و مُرتبة في سُلم التقدم: فيها الأرقى        و الأدنى؛ الممتاز و المنحط. و لعل من شأن هذا المبدأ الإنساني النبيل، الذي تدعَمُه  نتائج كثير من أبحاث الأنثروبولوجيا الثقافية المعاصرة، أن يفسح أمام  الثقافات البشرية فضاءات للنمو و التفتح والازدهار، في أحضان حضارة إنسانية، يٌفترَض أنها متنوعة     و شاملة لمُكوِّنات متعددة، و رحبة للجميع (2). و لكن، هل يمكن القول، في هذه المطالع الأولى للألفية الثالثة، إن الحوافزو الشروط و الإمكانيات، الكفيلة بخلق و تفعيل و إنجاح، مبادرات إقامة حوارات مستمرة و مثمرة بين الثقافات البشرية، تتوفر فعلا؟

يبدو لنا من الوهلة الأولى، أن هناك صعوبات حقيقية، في إيجاد أرضية و مبادئ عامة لحوار ثقافي،  يقبلها الجميع و  يقتنع بها.  فكل واحد من الكيانات الثقافية المتواجدة في عالم اليوم، و خاصة منها تلك التي لا تنتمي إلى لغة أم واحدة، يملك منظومته القيمية المرجعية الخاصة به. و كل واحد منها يكاد يكون مستغلقا ومغلقا على نفسه، إلى حد يبدو فيه أن الاختلاف بين هذه الكيانات الثقافية، هو اختلاف جذري لا سبيل إلى تجاوزه. و أنه بدلا من حوار ثقافي إيجابي و منتج، لا نجد في نهاية المطاف، إلا  التنافس و صراع المصالح، إلا إرادة الاستعلاء و بسط الهيمنة، و لغة التعصُّب و العنف، تطغى سرا       و علانية، على العلاقات الثقافية السائدة!

 و حتى لو سلَّمنا فرضاً، بإمكانية توفُّر حدود دنيا معقولة، من حوافز تفعيل الحوار بين الثقافات، نظرا لما يتطلبه الحاضر و المستقبل، من ضرورة التعاون و التبادل        و التكامل بين الشعوب، فلا يجب أن تغيب عن بالنا، التغيُّرَات الكبيرة و العميقة التي طرأت على المجال العام للتبادل الثقافي على الصعيد العالمي. لقد كبُر العالم و توسَّع،     و تكوَّنت فيه مجموعات و تكتلات مُعَقَّـدة  من العلاقات و المصالح المشتركة. و فضلا عن ذلك،  إن ظاهرة العولمة الثقافية، لم تعد تسمح بأن يستمر تطور المبادلات الثقافية بالصُّدفة أو بشكل إرادي و حر. بل أصبحت تفرض على الكيانات الثقافية المختلفة اختيارا حاسما: إما الاندماج و الانصهار التدريجي في منظومة جديدة من القيم و مبادئ ما يُسمَّى بالنظام العالمي الجديد، و إما التقوقع و الانكماش المُفضي مع مرور الزمن إلى العزلة القاتلة.

 

و هل نبتدع جديدا عندما نقول، إن العولمة و على الأقل، كما ندركها حاليا و نشهد آثارها، تعمل على تكريس الثنائية و التمزُّق و الانشطار في الهُوِيَّات الثقافية الوطنية،     و منها طبعا هُويتنا العربية الإسلامية. وإذا نحن استقرأنا و استأنسنا بآراء الغالبية العظمى من مُفكرينا و مُثقفينا المعاصرين، بخصوص هذه الظاهرة، سنلمَس عندهم ما يشبه الإجماع، على أن العولمة ليست سوي الثقافة الغربية الظافرة في هذا العصر، بعناصرها و مكوناتها المختلفة، و بروافدِها الأوروبية، و خاصة الأمريكية منها. ليست سوى هذه الثقافة و هي تسعى إلى فرض قيمها و اختياراتها و مرجعياتها،  على سائر الثقافات الإنسانية الأخرى، من أجل إعادة تشكيلها على نحو هجين و اصطناعي. كيف يجوز لنا و الحالة هذه، و أمام هذه المعطيات، رعاية الأمل في إمكانية قيام حوار حقيقي ومنتج بين الثقافات البشرية المختلفة في عالم اليوم، مؤسس على التكافؤ و العدل، في زمن صارت فيه العولمة، بهذه الصفة و الخصائص، تضبط ساعاته و دقائقه، و في هذه الفترة التاريخية بالذات، التي تتعالى فيها من جديد أصوات مذكرة بالتفوُّق العرقي و الثقافي،    و مُنذرة باندلاع حروب الثقافات؟

3. و بالإضافة إلى التأثيرات و الانعكاسات، الواقعية  أو المتَخَيـَّلة، التي يمكن أن تنجم عن العولمة الثقافية، هناك عائق آخر ينتصب أمام مَسْعَى إقامة و إنعاش الحوار بين الثقافات. يتمثل هذا العائق في مفارقة غريبة، تكشف لنا عنها دراسات بعض الباحثين     و المثقفين الغربيين أنفسهم: إن العقل الغربي، بمقدار ما يدعو إلى المفاهيم العقلية الكونية، بمقدار ما يسجن نفسه في خصوصيات ثقافية ضيقة، تُقصِي الآخر، و تعجز عن الانفتاح عليه. حتى ليبدو أن الهُوية الثقافية الغربية، كما تذهب إلى ذلك الباحثة الفرنسية صوفي بسيس Sophie Bessis، في كتابها: الغرب و الآخرون، لا تنفصل عن ثقافة التفوُّق، و لا تتحدَّد إلا بمعيار الهيمنة، حتى لو كانت لا تكل من رفع شعار الانفتاح والحوار بين الثقافات. في نظر مؤلفة هذا الكتاب، إن الثقافة الغربية، و منذ بداية الحقبة الحديثة، قد تأسَّست على مبدأ  نفي الآخر،  و على نظرة الاستعلاء. إن معايير الحداثة      و التحديث و التنمية، التي تُصَدَّرها هذه الثقافة للفضاءات غير الغربية، لا تخلو من  مظاهر التوجُّه الاستعلائي، سواء تمت باسم الدين، أو الأخلاق، أو الحداثة، أو القيم الديموقراطية و حقوق الإنسان.

 و في السياق نفسه، يشير الباحث الإنجليزي توماس ماك إفيلي، Thomas MC Evilley ، في كتابه: الهويات الثقافية في أزمة، إلى أن الهوية الثقافية الغربية ذاتها، تعاني من أزمة تعود إلى عامِلَيْن: أوَّلُهما كونها مسكونة بعقدة التفوُّق  و الاستعلاء على ما سواها من الهُويات الثقافية الأخرى؛ و ثانيهما أن هذا الاستعلاء يتمازج مع  إحساسَيْن شقيَّـيْن: إحساس بذنب مقترف في حق دول العالم المُستعمرَة سابقا، و ما ترَتَّبَ عنه من آثار سيئة على ثقافاتها؛ و إحساس بما أدَّت إليه الحداثة، من خلال مظاهرها المتجلية في التقدم العلمي التكنولوجي و الصناعي، من إخلال بالقيم الأخلاقية لتلك الثقافات(3).

و من منطلق هذا التوجُّه الاستعلائي للثقافة الغربية عموما،  الصريح أحيانا،       و المضمَر في غالب الأحيان، تُصِرُّ كبرى الدول الغربية المهيمنة في عالم اليوم، على مصادرة حق الآخرين في الاختلاف و الاختيار. و على احتكار الحق، في بلورة القيم الحضارية و الكونية لنفسها، و تُنْكِرُ هذا الحق على الآخرين. و في هذا الاتجاه، تسعى بجميع الوسائل، إلى فرض رؤية ثقافية خاصَّة، على أنها القانون الكوني الذي يجب تعميمُه عل البشرية جمعاء. و تبعاً لذلك  تَرْفُضُ  الاعتراف بأيِّ نموذج حضاري       و ثقافي مغاير، لا يستنسخ النموذج الغربي. حتى و إن أبدى هذا النموذج إرادة صادقة للتفتح على القيم الإنسانية الجديرة بالاحترام في الثقافة الغربية، و على رأسها قيم حقوق الإنسان.  فالغرب المتقدم، و على ما بات ينكشف لنا  باستمرار، غدا عاجزا عن الاعتراف بالآخر، إذا لم يُرجِع إليه هذا الآخر صورتَه و يعكسها في مرآته. و أي خروج عن قسمات و معالم هذه الصورة، لا يُنظر إليه، و في أحسن الأحوال، إلا على أنه ضرب من الاختلاف و المُغايرة مثير للاستغراب و الشفقة، ولكنه دليل على التخلُّف والجمود،    و بالأخص على التمرُّد والعقوق 

 و ثمة في عالم اليوم مثال صارخ،  يفرض نفسه علينا هنا بإلحاح، يتجلى في موقف كثير من مُفَكِّرِي و مُنظِّرِي الثقافة الغربية المعاصرة، و خاصة منهم اولائك الذين طرحوا منذ التسعينيات من القرن العشرين الذي ودعناه، أطروحةَ صراع الثقافات،        و الذين لا زالوا حتى الآن يُروِّجون لهذه الأطروحة، و يبحثون لها عن الذرائع           و المبرِّرات. و نحن نعتقد، أنه رغم هالة التعتيم التي تحيط  بمدى  المصداقية التي منحها الفكر المعاصر لهذه الأطروحة، فإن التحليل النقدي العميق لمضمونها و لأبعادها، يمكن أن يكشف بوضوح أنها، في الحقيقة و في نهاية المطاف، تناهض ضمنا و صراحة، فكرة حضارة إنسانية كونية رحبة و شاملة للجميع. ذلك لأن من الثوابت البنيوية التي تُؤَسِّسُها، الرؤيةَ  الْمَانَوِيَّـة للكون و للمجتمعات البشرية: عالم الخير المطلق  و عالم الشر المطلق؛العالم الخَيِّـرِ و المتحضِّر و المُسالِم،  والعالم الشرِّير و المتوحِّش           و المتطرِّف و العنيف. و بكل بساطة نقول،  إنها أطروحة تنفي إمكانية المثاقفة،          و التفاعل الثقافي،  و الحوار بين الثقافات، لأنها تفرض على كل حضارة و ثقافة التقوقع في مجالها المحدود.

 و فضلا عن ذلك، لم يعُد خافيا، أن أشهر هؤلاء المُنظرين الغربيين المعاصرين، لا يترددون اليوم، في التصريح جهرا بأن المنتمين إلى الحضارة العربية الإسلامية بصفة خاصة، مُعادون في جوهرهم لقيم الحداثة، بسب تطرُّفهم  و ميلهم الطبيعي إلى العنف،      و بالتالي فالصراع ضدهم واقع و حتمي لا محالة. و في هذا السياق عاد المفكر الأمريكي فرانسيس  فوكوياما، في مقال له حديث العهد، ليُكَرِّرَ القول إن " الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي ما زالت عصية على الاحتواء الغربي و على "الحداثة". و على نفس المنوال و النغمة، يعزف مفكر أمريكي آخر ذائع الصيت، صامويل هنتنجتون، و يكتب "إن الصحوة الإسلامية هي رد فعل ضد الحداثة و التحديث و العولمة(4).

أما الحقيقة، وعلى الأقل بالنسبة لمن توفَّرت لديهم النية الصادقة  في استكشافها من خلال التحليل الرزين والموضوعي، فهي أن جوهر مشاكل المنتمين إلى الحضارة العربية الإسلامية مع الغرب، تكمُن أولا و أخيرا في رفض التبعية و الهيمنة، و في نشدان العدالة و الإنصاف، و ليس إطلاقا في رفض الحداثة! و نحن نذهب إلى أن المنتمين إلى الحضارة العربية الإسلامية، في عصرنا الحالي على الأقل، و الذين يُعبِّرون، بين الفينة   و الأخرى، عن مظاهر الاستنكار و الاستياء ضد الغرب و ثقافته الغازية، و يُكِنُّون له نوعا من الكراهية بسبب  قيم الحداثة و قيم الديموقراطية و حقوق الإنسان، هم في واقع الأمر أٌقلُّ بكثير من أولائك الذين يُنمُّون تلك الكراهية،  بسب سياسة التمييز و الهيمنة    و الظلم و الإذلال و التيئيس و الإقصاء، التي تمارسها الدول الغربية، التي قُدِّرَ لها أن تقود ِدفَّة العالم في هذا العص 

4. حقا إننا نؤمن بصدق بأن ثقافة الحوار، يجب أن تكون العنصر الأساسي في العلاقات بين الأمم و الشعوب في عالم اليوم، لأنها البديل الحضاري المُتاح، لإقامة محطات مُتعدِّدة لتنمية التعاون و التبادل.  و لكننا في الوقت ذاته، نؤمن أن للحوار بين الثقافات أخلاقياته و مبادئه و شروطه، التي يجب توفُّرها في جميع مبادرات إقامة هذا الحوارو تفعيله. من هذه الأخلاقيات،  ضرورة إرسائه على مبدأ الاعتراف بحق الاختلاف الثقافي. إن الاعتراف النظري و الأخلاقي، بمبدأ  تعادل الثقافات الذي أشرنا إليه سابقا، يخفي في ثناياه مبدأ آخر يبدو أنه يتعارض معه و  يناقضه: يخفي أن الاختلاف بين الكيانات الثقافات البشرية المتواجدة في العالم واقع حقيقي، من الصعب غض الطرف عنه. و هذا الاختلاف يعطي الانطباع في أحيان كثيرة، بأنه مستعص على كل اختزال أو توفيق. و لا أحد باستطاعته أن يُنكر، إلا من فضَّل أن يُبقي على عينيه غشاوة، أن الاختلافات توجد حتى داخل المجموعات الثقافية التي تربطها علاقات القرابة و الجوار؛ بل حتى داخل نفس  الكيان الثقافي الواحد، الذي يُفترَض أنه مُوَحَّد و متماسك و منسجم

و لكننا، رغم إقرارنا بواقعية الاختلافات الثقافية، فإننا في جميع الأحوال لسنا من دعاة  تضخيم مبدأ حق الاختلاف إلى حد أن يجد المنتمون إلى ثقافة مَّا، أنفسهم في نهاية المطاف مصابين بحالة من الفصام الحضاري، مطمئنين تمام الاطمئنان إلى قيم خصوصية مرفوعة إلى درجة المطلق، ومتقوقعين و متنازلين عن طموحات شعوبهم في تحقيق التحديث و العدالة و الديموقراطية... إلا أننا لا يمكن أن نذهب إلى حد الدفاع عن أن الصيغ الخاصة المشوهة للديموقراطية و  لحقوق الإنسان، التي تتناسل هنا و هناك،    و التي يُعاد إنتاجُها في ربوع أوطاننا، هي من خصوصيات الهوية الثقافية العربية         و الإسلامية! نحن واعون بأن اهتمامنا بحق الاختلاف الثقافي ليس للاختلاف من أجل ذاته؛ و ليس لأننا نضفي عليه قيمة مطلقة، فالاختلاف من أجل الاختلاف، أو الاختلاف المطلق معناه تشجيع التفرقة و التنازع؛ معناه تشتيت لا نهاية له للآراء و المعتقدات، كل منها منغلق على ذاته رافض للآخر(5).

  و في تقديرنا، إن المهم هو نوعية التأويل و الاستثمار الممكن إعطاؤهما لظاهرة الاختلاف الثقافي. فإذا نحن اقتصرنا فقط على إبراز الاختلافات الثقافية، و إذا نحن أصررنا على اعتبار تلك الاختلافات، ذات طابع مطلق و لا سبيل إلى التوفيق بينها، و إذا نحن اكتفينا فقط بجرد الصعوبات و العراقيل المنتصبة أمام مبادرات الحوار بين الثقافات، فإننا في نهاية المطاف، سنجد أنفسنا في عالم لا تواصل فيه و لا حوار؛ عالم كل طرف فيه يحرص على ألا يتكلم سوى لغته الخاصة. نحن نعتقد أن بمقدورنا تغيير وجهة نظرنا إلى واقعة الاختلاف الثقافي بحيث تصبح أكثر إيجابية. و في هذا السياق يمكننا القول، إن احترام حق الاختلاف الثقافي مطلب مشروع، لأنه حق من حقوق الإنسان، الهدف منه مقاومة الاستلاب الثقافي، والحفاظ على الهوية و على الجذور. و في الوقت ذاته هو الوسيلة الطبيعية للحفاظ على التعدُّد و التنوُّع الثقافي،  كمجال خصب للتعاون و للإثراء المتبادل، وإمكانية ديموقراطية بفضلها يمكن إنقاذ ثقافات كثيرة من الاستنساخ و من الانقراض

إننا نُسَلِّمُ بأن ليس هناك مجال للحوار الثقافي إلا مع وجود الاختلاف. فالمفروض أن الحوار الحقيقي، يجري عادة بين أطراف تختلف عن بعضها، في المعتقدات           و التوجُّهات و الرأي، و يستمد حيويته  من عناصر الاختلاف و عدم التماثل. و ما جدوى أن يحاور الإنسان مثيله و نظيره الذي يتفق معه في كل شيء، و لا يختلف عنه في شيء؟ إن  الثقافات المتعددة و المتنوعة، المنتشرة في أنحاء المعمور، يَدين بعضها لبعض ربما بأهم ما يملك. و كل واحدة منها هي  في واقع الأمر، حصيلة تمازج         و تلاقح. و هذا التمازج و التلاقح، الذي نادرا ما نجد من ينكر طابعه الكوني، يُبين لنا أن الإبداع الثقافي، لا يمكن أن ينمو و يزدهر في بيئة منكمشة على نفسها  و معزولة، و إنما هو على العكس من ذلك، يجد حيويته و خصوبته، في تضافر و تفاعل العناصر المختلفة عن بعضها.

و ثمة شرط آخر، من الضروري توفُّره لتفعيل أي حوار بين الثقافات، إنه مبدأ التسامح. و لا نشك في أن التحلي بفضيلة التسامح، في معناه الإيجابي، أي في معنى أَلاَّ يُنظَر إليه على أنها مِنَّةً و تنازل، بل على أنه اعتراف بحق المغايرة؛ إن التحلِّي بهذه الفضيلة، يمكن أن يساهم في إيجاد أرضية للتعايش و السلام بين الثقافات في عالمنا المعاصر؛ كما يمكن أن ينعِش مبادرات الحوار بين الثقافات، لمواجهة مظاهر الكراهية    و التهميش و النبذ و الإقصاء، تجاه المنتمين إلى ثقافات و مجتمعات مُعيَّنة. و لا نبتدع جديدا عندما نعيد إلى الذاكرة هذه الحقيقة التاريخية: إن مفهوم التسامح في سياقه التاريخي الغربي، ظهر أصلا في ظروف الحروب الدينية المذهبية، التي فرَّقت دول      و شعوب أوروبا خلال فترة طويلة، و إن حمولته الأخلاقية ساهمت في تَمَـثُّلِ            و امتصاص حِدَّة و عُنف الصراع بين المذهبين الأساسيين للمسيحية الأوروبية آنذاك: الكاثوليكية و البروتستانتية.

 إن التسامح من جهة، و اعتماد المنظور المقارن من جهة ثانية،  ضروريان جدا لاكتشاف  الطابع النسبي لجميع المنظومات الثقافية البشرية، رغم ما قد يكون لها من عراقة و عظمة و عطاءات إنسانية غزيرة. أما الاعتقاد بالانفراد بامتلاك الحقيقة دون سائر البشر، فإنه يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد و التعصُّب الأعمى، و رفض الفكر الآخر جملة و تفصيلا. و إذا كُنَّا نحن المنتمين إلى الحضارة العربية الإسلامية، نؤمن بقوة، بأن منظومتنا هي من أعرق و أغنى المنظومات الثقافية العالمية، فإن من واجبنا كذلك ألا يغيب عن بالنا أنه من غير الممكن لنا تماما، أن نجعل من باقي ثقافات العالم نسخاً من ثقافتنا، و ليس من شريعتنا و لا من شيمنا إلزام الآخرين بمفاهيمنا الخاصة... يجب أن يكون واضحا ومفهوما لدينا جميعا أن الحوار بين الثقافات، السليم و الإيجابي،    و كما ندعو له و نتحمس،  هو غير الدعوة و غير التبشير! (6).

5.  استخلاصات

 بمقدورنا الآن  الخروج بالاستخلاصات التالية:

Ø        إن ثقافة الحوار تنحو بالتدريج، إلى أن تصبح بالنسبة لجميع الدول         و الشعوب خيارا ضروريا، ذلك لأن عالم الغد، لا يمكن تشييده فقط على حتمية الصراع و العنف المتبادل بين الثقافات البشرية، نتيجة التقوقع في عُقَـِد التفوُّق و الاستعلاء، و نتيجة النزوع إلى احتكار امتلاك الحقيقة ونشرها  و توزيعها.  فالعالم قد يتحوَّل إلى جحيم، إذا تحوَّلت المجموعات الثقافية المختلفة التي تكوِّنه، إلى شرانق مغلقة معزولة عن بعضها البعض، تتغذى على الريبة و الحقد، و تنفجر على التطهير العرقي.

Ø        إن الحوارَ من أجل بلورة قيم كونية تستمد مبادئها من جميع الثقافات البشرية، ممكن و ليس من قبيل المستحيل. و مهما قيل عن تأثير ظاهرة العولمة الثقافية في إعاقة الحوار بين الثقافات، فلا نظن أن هذه الظاهرة على أية حال، هي نهاية التاريخ  و لا قدر البشرية المحتوم. و المُهم في تقديرنا هو أن يتوفر كل حوار بين الثقافات على  صفاء النية، و على الإرادة الطيبة، و بُعد النظر و القابلية للنقد و المراجعة، و على مبدأ الإقرار بالإنسانية المتساوية و المشتركة بالنسبة للمنتمين إلى جميع الثقافات البشرية.

Ø        و هناك مجموعة من المفاهيم و القيم، في الأخلاق و الحقوق و القضايا المعرفية، تعتبر قاسما مشتركا بين جميع الثقافات البشرية، و هي مؤهلة للتطوير نحو ما هو أفضل  بالنسبة للجميع. كما أن المثل العليا المشتركة بين الديانات التوحيدية، كالعدالة، والتفاهم،و الرحمة، و التواضع،          و التسامح، و التضامن، و التشارك، و الحوار، و نبذ العنف،  ينبغي أن تجمع لا أن تفرِّق، و أن تساهم في التضامن الأخلاقي لا في المواجهات الصِّدامية بين الحضارات" (7).

Ø        و فضلا عن ذلك، هناك عناصر أخرى يمكن أن تكون بمثابة حوافز إضافية لإنعاش الحوار بين الثقافات، منها تربية الناشئة على حقوق الإنسان، و على حقوق المواطنة، و على أخلاقيات الحوار بين الثقافات؛    و فتح قنوات حوار بين النخب المثقفة،  و تنمية التعاون بين الجامعات،    و فسح المجال أمام المنظمات غير الحكومية، و المجتمع المدني بمكوناته، ليكون شريكا فعالا في صياغة السياسات الثقافية، و تدبير الشأن الاجتماعي و الثقافي و التربوي.

Ø        و في نهاية المطاف، إن الحديث عن ثقافة الحوار لا يستقيم و يكتسب مصداقيته خارج مشروع مجتمعي يجعل منها رهانا أساسيا. و أمام هذا المُعْطَى الذي يفرض نفسه علينا، فإن فكرنا العربي و الإسلامي المعاصر بات مُلزَما عليه أن يتقبَّل بالتدريج القيم الديموقراطية و مبدأ التربية على حقوق الإنسان، و الائتلاف مع مبادئ التربية على الحوار بين الثقافات.

Ø       و لكن، علينا و نحن ندعو إلى بعث الحوار الثقافي و تفعيله، أن نواصل هذه الدعوة بنظرة واقعية و في حدود الممكن و المأمول منها، و أن نكون مقتنعين أن المأمول منها لا يمكن تحقيقه في حده الأدنى، إن لم يتأسس الحوار المنشود على قيم العدالة و التضامن   و التسامح و احترام حقوق الإنسان. حقا إن  ثقافة الحوار هي الحل الذي يكاد يكون مفروضا علينا، حتى لو كنا نعتقد في أعماقنا أن هذا الحل ليس بالمعجزة التي يمكِن أن تحل جميع مشاكلنا مع الآخرين، و تُدَلِّل كافة العراقيل و  الصعوبات التي تعترض سبل تقدمنا و تنمية مجتمعاتنا

هوامش البحث

 

       * جـلَّ المبادرات المعاصرة في اتجاه مد الجسور بين شعوب العالم و ربط الحوار بين الحضارات        و الثقافات البشرية، أتت بالأساس من منظمات دولية أو بإيعاز منها. و في طليعة تلك المنظمات توجد منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (اليونسكو). و هذه المنظمة هي التي  اقترحت أن تكون سنة 2001 سنة  " حقوق الإنسان و الحوار بين الحضارات ". و هذه المبادرة هي واحدة من ردود فعل كثيرة، أثيرت في أنحاء عديدة من العالم، على إثر ظهور نظريات أمريكية تقول بحتمية صراع الحضارات. و لكن الظاهر أن أغلب الذين يدعون اليوم إلى الحوار بين الثقافات، بصدق و حماس، هم من المنتمين إلى الثقافات الخاضعة، أو الموجودة في موقف ضعف. أما المنبر الدولي المفروض أن يرعى الدعوة إلى الحوار بين الحضارات، و احترام حقوق الإنسان، فقد أصبح اليوم مدعوا من طرف القوة المهيمنة على العالم، إلي إضفاء المشروعية على العدوان و الاحتلال  و الغزو الثقافي.

            1. نحيل هنا إلى وثائق المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية، المنظم من طرف اليونسكو، و  المنعقد بمكسيكو في شهر أغسطس، 1982 

2. يراجع كتاب:  Claude Lévy- Strauss, Race et histoire, Paris, Gonthier, 1977.

و هو في الأصل محاضرة ألقاها المؤلف بمناسبة السنة الدولية لمناهضة العنصرية المنظمة من طرف اليونسكو، في سنة 1952. و فيه يحاول أن يثبت أن ليست هناك أية علاقة  ضرورية و مباشرة، بين تقدم و ازدهار الثقافات البشرية، و بين ما يُدعَى بالتفوق و الامتياز العِرقي. كما  يؤكد على أن الازدهار الحضاري و الثقافي، لا يمكن أن يتحقق إلاّ في ظروف تلاقح الثقافات و تفتحها على بعضها. و حول مشكل " تعدد و اختلاف الثقافات البشرية "  من منظور العالم الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليقي ستروس، نُحيل إلى كتابنا: موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، 1992. ص.:92 و ما يليها.

3. صوفي بسيس، Sophie Bessis، مؤرخة و صحافية فرنسية معاصرة، مشهورة برفض و نقد الأطروحات الجديدة حول صدام الحضارات، لأنها حسب وجهة نظرها،  تركز على التناقض الثقافي و الحضاري بين الغرب       و العالم الإسلامي، و تهمل الأسباب الحقيقية و الفعلية للصراع. نحيل هنا إلى كتابها الهام: الغرب و الآخرون... 
- Sophie Bessis, L'Occident et les autres, Histoire d'une suprématie , Editions  La découverte , Paris, 2001.                                                                                                               
- Thomas MC Evilley , l’Identité culturelle en crise, Traduction française, Editions Jacqueline Chambou, Paris, 1999 .                                                                                             

                                                                                                                                   

4. نحيل هنا إلى مقال فرانسيس فوكوياما، "هدفهم العالم المعاصر"،المنشور في مجلة   " نيوزويك" في طبعتها العربية في عدد،81، 25 ديسمبر 2001. و كذلك مقال صامويل هنتنجتون، "عصر حروب المسلمين"، المنشور في العدد السنوي الخاص لنفس المجلة،2001.

 

5. يُراجع كتاب المفكر المغربي علي أومليل  في شرعية الاختلاف، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، 1991، ص.: 13.

 

6. فكرة وردت في سياق  حوار هام على شكل رسالتين مُتبادلتين  بين مثقفين سعوديين وأمريكيين، نُشِرتا بالعربية في صحيفة الحياة التي تصدر في لندن، بتاريخ  23 أكتوبر 2002. يمكن الاطلاع على نَصَّـيْهِمَا باللغة الإنجليزية على الانترنيت: www .americanvalues.org                                                                                                        

            7. من بيان ندوة "حوار الديانات"، المنعقدة بالرباط، في 16 فبراير، 1998. أنظر مجلة فكر ونقد، عدد 8، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1998. ص. 160.

عودة الى الرئيسية