عقدة فيتنام الأميركية تؤدي

لإستبدال الحرب التقليدية بالحرب الافتراضية.

 

     نشرت هذه الدراسة في 30/6/2000 وهي تساعد على طرح الأسئلة حول السلوك العسكري للرئيس جورج ووكر بوش وصقور إدارته. وكذلك السؤال عن مصير عقدة فيتنام لدى المواطن الأميركي العادي. حيث تؤكد الدراسة على عدم شفاء عقدة فيتنام. بل ربما هي تعقدت وتداخلت مع عقدة الثلاثاء الأسود. ومع ذلك يستمر ووكر بوش باعتماد سياسة الثور الهائج وإن على شكل حروب مقسطة...

كانت حرب فيتنام آخر انتصارات الشيوعية لكنها لم تكن آخر الحروب الأميركية. ومع ذلك يمكننا اعتبار هذه الحرب خاتمة للهزائم الأميركية الكبرى حتى أن بعضهم يعتبر هذه الحرب آخر الهزائم الأميركية. وهذا البعض يصنف المواجهات الأميركية الخاسرة بعد فيتنام على أنها مواجهات افتراضية وليست مواجهات حقيقية. لكن الجميع يكادون أن يتفقوا على كون هذه الحرب قد أحدثت تغييرات جذرية في السلوك العسكري الأميركي. وهم يردون هذه التغييرات إلى ما يصطلح على تسميته بعقدة فيتنام. ولقد أصابت هذه العقدة نظام القيم الأميركي بكامله فانعكست على جميع القطاعات الأميركية. فبات كل قطاع منها يبحث عن حلول لهذه العقدة على طريقته الخاصة.

بعد مضي كل هذه السنوات على نشوء هذه العقدة وعلى الجهود الدائبة لإيجاد الحلول السليمة لها، يقول البعض إن أميركا شفيت من هذه العقدة شفاءً تاماً. في حين يصر البعض على تفاقم هذه العقدة باعتبار الحقائق الأميركية خاضعة لنظام التعليب (التخطيط الموجه مع إهمال بعض الحقائق وحجب بعضها وتضخيم بعضها الآخرالخ) بما يتناقض مع المواجهة الصريحة للحقائق. وهي المواجهة الضرورية للتخلص من أي عقدة نفسية (فردية أو جماعية).

ومهما يكن وقبل الدخول في التفصيلات فإنه من الضروري أن نميز بين القطاعات المعانية من آثار هذه العقدة وهي اختصاراً: 1- الرئاسة الأميركية و2-الكونغرس
و3-المراكز المهمة في صناعة القرار و 4-الرأي العام الأميركي. وهذا الاختصار ينطوي على تبسيط يؤدي إلى سوء الفهم. فهو يهمل التناقضات والصراعات داخل كل قطاع من هذه القطاعات.

تعريف العقدة النفسية:

لا بد من إيراد هذا التعريف وتطبيقه على الحالة الأميركية-الفيتنامية قبل مواصلة البحث في مصير هذه العقدة. وهذا التعريف هو الآتي: العقدة هي مجموعة من العلائم الشخصية والرغبات والانفعالات والأهواء والمواقف العاطفية اللاوعية والمتشابكة في ما بينها بروابط لا واعية أيضاً. ويتابع التعريف بأنه من الخطأ الاعتقاد بإمكانية نشوء العقدة عن صدمة عنيفة. بناءً عليه فإن تسمية "العقدة الفيتنامية" هي تسمية غير دقيقة من الناحية العلمية وهذا يستتبع أنها لا تشفى على غرار العقد-بل أن شفاءها، مثله مثل سائر حالات الشفاء، يقتضي التشخيص الدقيق الذي لا غنى عنه في عمليات مراقبة تطور الحالة وتماثلها للشفاء أو حتى تفاقمها.

والتشخيص الدقيق للحالة هو أنها تجربة صدمية ( Traumatic) عايشتها القطاعات الأميركية  كل واحدة على طريقتها الخاصة. فكانت علائم الصدمة الرسمية معنوية وذات علاقة بالصراع مع الاتحاد السوفياتي وبالتالي بهيبة القطب الأميركي وبقدرته في الاستمرار على حماية مصالحه وأصدقاءه.

أما على الصعيد الشعبي فقد تجلّت علائم الصدمة بالخسائر البشرية للحرب. وهي خسائر لم يجد لها الرأي العام الأميركي أي مبرراً وهكذا فجرت هذه الصدمة الانشقاق بين الحكومة الفيدرالية وبين الشعب الأميركي. مما يشكل صدمة إضافية يمكن اعتبارها تمهيدية للانشقاقات اللاحقة للرأي العام الأميركي. وأبرزها الميليشيات الآرية التي تدعو لطرد الملونين واليهود والاحتفاظ بالولايات المتحدة للعرق الآري.

وهكذا يمكننا أن نقبل تساهلاً تسمية "العقدة" ولكن بعد أن نوضح ملامح السلوك التجنبي الذي يعقب التجربة الصدمية. فهذا السلوك هو الذي يشكل المظاهر المتبدية للعقدة الفيتنامية.

السلوك التجنبي عقب صدمة فيتنام:

بعد نهاية التهديدات التي تحملها الصدمة يبدأ الجهاز النفسي عمله من اجل استعادة التوازن المعتاد.و يتصاحب هذا العمل مع جملة مظاهر سلوكية. تمكن تسميتها بالسلوك التجنبي عقب الصدمى و تتلخص كما يأتي:

  i-   شعور بعدم الاطمئنان: الذي يؤدي إلى سلوك يقظة زائدة بهدف تجنب احتمالات تجدد الخطر، ويمارس هذا السلوك على الصعيدين الفردي والجماعي. ويمكن اعتباره استمرارية للخوف الناجم عن التجربة الصدمية.

  ii-    مشاعر الذنب أمام ضحايا الصدمة: يحس الناجون من الحدث الصدمي بأن نجاتهم كانت صدفة (خصوصاً الناجين ممن شاركوا في القتال). وتستمر غالبيتهم في رواية تفصيلات نجاتهم (التهرب من الخدمة أو الأخطار التي تعرض لها المقاتل الخ.) ومن مجمل الروايات تتبدل مشاعر ذنب الناجين أمام الضحايا كونهم يستمرون في الحياة لأن الصدف لم تشأ اختيارهم للموت مع / أو بدلاً من الضحايا.

  iii-   مشاعر الغضب والثورة: وهي مشاعر تعكس العجز عن منع حدوث الحدث الصدمي. والتي تتحول إلى غضب وثورة ضد من يعتبرونه متسبباً أو مشاركاً في إحداث الصدمة.

  iv-  الخوف من تكرار الصدمة: ويؤدي هذا الخوف إلى استمرارية معايشة الصدمة وخفض القدرة على نسيانها. وذلك بحيث تجدها تكرر على شكل ذكريات الصدمة أو كوابيس ورؤى هلوسية عابرة على علاقة بالصدمة. وتجلت الرؤى الهلوسية الأميركية (عقب صدمة فيتنام) بهلاس الخوف مــن هجـــوم نووي شيوعي على الولايات المتحدة، فأدى ذلك إلى نشوء جمعيات تبني المخابئ الخـاصـة وتكدس الأطعمة الكافية لفترات طويلة تحسباً لذلك!.

  v-   التجنب المباشر: حيث يضطر الفرد (أو المجموعة) لبذل الجهود من أجل السيطرة علــى الأفكار والعواطف والمواقف والنشاطات ذات العلاقة بالصدمة. وبذلك يكون الاضطـرار لتجنبها وتجنب الآثارات المرتبطة بالحدث وبالتالي تجنب كل وضعية يمكنها التــذكـير بالصدمة.

شفاء صدمة فيتنام:

 إن الشفاء التلقائي للصدمات مستبعد من تجارب الطب النفسي. ويقول العالم جانييه (Janet): "إذا ما فكرنا بالهرب من ذكرى حادثة مؤلمة، عن طريق الرحيل بعيداً عن مكانها، فإن الحزن يصعد معه ويسافر معه أينما رحل".

وعليه فإن مرور الزمن على الصدمة لا يعني شفاءها بل هو يعني تحولها إلى مزمن (وربما يسمح لنا هذا الأزمان بالتساهل في تسمية العقدة).

وفي عودة إلى عقدة فيتنام لا يمكننا تجاهل متغيرات الحاصلة منذ نهاية الحرب الفيتنامية وحتى اليوم. ولعل أهمها وأكثرها جذرية هو اختفاء العدو- المهدد (الشيوعية).بما يوحي بأن نهاية التهديد يجب أن تستتبع معها نهاية الخوف. وإلى هذا المنطق يستند القائلون بشفاء عقدة فيتنام.

لكن التجارب الصدمية لا ترتبط بالعدو (المتسبب بالحدث-الكارثة) قدر ارتباطها بالمشاعر المرافقة للصدمة والمخاوف الناجمة عنها. فالفتاة المتعرضة لعملية اغتصاب لا تشفى من صدمتها بمجرد موت الذي اعتدى عليها (مغتصبها) في المقابل نرى البعض يلاحظون، وعن حق، تدني مظاهر معاناة الصدمة الفيتنامية لغاية اختفاء بعضها تقريباً.

والجواب إن تباعد فترات ظهور هذه المظاهر والعوارض المصاحبة لها لا يعني الشفاء. فهذا الأخير إنما يعني الاختفاء الكلي لهذه المظاهر وهذا ما لم يحدث لغاية اليوم. حيث تتبدى هذه المظاهر بمناسبات معينة.

ولكن ما يمكن تأكيده أن سلوك الإدارة الأميركية العسكري، منذ حرب فيتنام ولغاية اليوم، يقوم بدور علاجي لهذه المظاهر. فهذا السلوك بات يرتكز على جملة تصحيحات للخطأ الأميركي في فيتنام وأهمها:

1-              الأصدقاء. بما في ذلك توريط الأمم المتحدة نفسها.

2-              عدم السماح بتكرار التجربة الصدمية: وهذا يعني في ما يعنيه:

                                             i-         عدم خوض صراعات غير محددة الفترة الزمنية.

                                            ii-        تجنب أي صراع أو مواجهة عسكرية طويلة الأمد.

                                           iii-       استبدال الحرب التقليدية بالحرب الافتراضية.

                                           iv-      الاعتماد على التفوق العسكري التكنولوجي وتجنب وقوع ضحايا.

                                            v-       التعتيم الإعلامي على أي وفيات أو إصابات بين المقاتلين الأميركيين.

3-     زيادة الاعتماد على المواجهات الاقتصادية (حصار وفرض عقوبات) وإحلالها مكان المواجهات أو حتى التهديدات العسكرية.

4-              تحويل سياسة الاحتواء (والاحتواء المزدوج) إلى استراتيجية معتمدة في السياسة الخارجية الأميركية.

5-     السير قدماً في خطوات العولمة ا لاقتصادية: التي تحول المواجهات العسكرية إلى لعبة مونوبولي وراهناً إلى لعبة أكثر تعقيداً هي لعبة دبلوماسي.

6-     اعتماد مبدأ تقسيط الحرب: تحديداً منذ عهد كلينتون بدأت أميركا تواجه واقعة مفادها أن الحرب هي من الضرورات التاريخية. فالاستقراء التاريخي يثبت أن الحرب كانت حاضرة في كل العصور الإنسانية. بل إنها هي المسؤولة عن التغيرات الحضارية الرئيسية في تاريخ الإنسانية، أمام هذه الواقعة لجأ كلينتون لاعتماد مبدأ "الحروب المقسطة" وينطوي هذا المبدأ على تحديد رقعة معينة للحرب (لا تتجاوزها) على أن تجري المواجهات العسكرية ضمن حدود هذه الرقعة على أقساط يتم حسابها وتقديرها وبرمجتها بصورة مسبقة.

لكن هذه التصرفات التي تكون مجتمعة السلوك العسكري للإدارة الأميركية تبين أن هذه الإدارة لا تزال تعاني عقدة فيتنام. فعلى الرغم من الطابع العلاجي لهذه التصرفات فإن ملامح السلوك  التجنبي تبقى واضحة فيها. أما الدور العلاجي لهذا السلوك فيمكننا تلخيصه كالآتي:

1-     إنه يعطي المواطن الأميركي مشاعر الأمان عبر توريط الأصدقاء في النزاعات. وبالتالي فإن هذا المواطن لا يشعر بالاستفراد الذي أحسه في الحرب الفيتنامية.

2-     إن تكرار التجارب الصدمية يجعل آثارها تتراكم وتتصاعد بشكل هندسي. ومن هنا جهد الإدارة الأميركية لعدم تكرار أي مغامرة توقظ ذكريات الصدمة الفيتنامية.

3-     ترفع الحصارات الاقتصادية ومعها مكافآت "الدولة الأولى بالرعاية" من معنويات المواطن الأميركي. فتشعره بقدرة الولايات المتحدة وتأثيرها العالميين. لكن ا لمبالغة والتوسع في استخدام هذه الآليات جعلا المواطن الأميركي يفكر طويلاً ويناقش مدى فاعلية هذه الآليات، وخصوصاً بعد تجارب ليبيا والعراق وكوباالخ.

4-     يرى المواطن الأميركي في سياسة الاحتواء (والاحتواء المزدوج) إمكانية الخلاص من الأعداء دون الاضطرار لمواجهتهم. بل أحياناً عن طريق دفعهم لتصفية بعضهم البعض أو حتى لتصفية أنفسهم بأنفسهم.

5-     تعطي العولمة / الأمركة الاقتصادية للمواطن الأميركي شعوراً بالتفوق الاقتصادي يستتبع معه عصبية التفوق في الميادين الأخرى. مما يحقق لهذا المواطن طموح الرخاء المتصاعد على حساب الآخرين.

6-     الحرب بالتقسيط تشبه لعبة الكاراتيه التي تستند إلى ضرورة تجنب أي التحام بالعدو والحفاظ على مسافة كافية بين الطرفين، وبهذا يتاح للولايات المتحدة استخدام تفوقها العسكري وتجنب الالتحامات التي تفضح نقاط ضعفها. بعد كل ما تقدم يطرح سؤال مزدوج: هل تخلصت أميركا من عقدة فيتنام؟ وهو سؤال يستتبع آخر وهو: إلى متى تستطيع أميركا اعتماد هذا السلوك التجنبي في سياستها الخارجية؟

وهذان السؤالان يعودان بالجدال إلى منطلقاته الأولى. فالذين يرون أن الولايات المتحدة قد شفيت من عقدة فيتنام يرون أن هذه السياسة التجنبية ناجحة تمام النجاح وقابلة للاستمرار بدليل وجود بدائل للعراق وكوسوفو ومن هذه البدائل داغستان وتيمور الشرقية والقائمة تطول.

أما معارضو هذا الرأي فيرون فقدان الشعب الأميركي لقابلية الاتفاق على تقديم تضحيات لأي سبب من الأسباب. ويرون تكراراً للصدمة الفيتنامية في كل من لبنان والصومال وكولومبيا والعراق وكوباالخ. وهم يؤكدون بالوثائق فشل معظم سياسات الحصار الاقتصادي الأميركية ويشيرون إلى أن الخسائر المادية للحروب المقسطة تحرج الاقتصاد الأميركي. كما يرون أن العولمة الاقتصادية بدأت بالتراجع ويستدلون على ذلك من مؤتمرات الدول الخمسة عشر المتلاحقة. ثم أنهم يرون الخطر الأكبر على مستقبل الولايات المتحدة داخلياً. حيث هشاشة نظام القيم تؤدي إلى جرائم قتل غريبة وحيث الميليشيات العنصرية البيضاء، وعديدها مئات الآلاف، تعارض الحكومة الفيدرالية. عداك عن المجموعات العرقية واللاتينية التي تحاول تشجيع قيامة جهاز قيمها الأصلي الخ من التناقضات الداخلية التي تعترف الحكومة بأنها تصرف عليها 6 مليارات دولار سنوياً تحت بند "مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة".

وفي النهاية وبعيداً عن الموقفين فإن ا لرأي الاختصاصي (الطب النفسي) يمكنه التشديد على هضم العديد من آثار العقدة الفيتنامية دون أن يعني ذلك شفاءها أو قابليتها للشفاء طالما استمر السلوك التجنبي واضحاً في تصرفات الإدارة الأميركية، وهي تصرفات تزيد تراكم الأعداء من البشر الذين يحسون بالاضطهاد (بغض النظر عن صحة هذا الشعور أو عدمها) فيفكرون بالانتقام. وهو رغبة كامنة ترضيها الإدارة الأميركية وتستجيب لها كحاجة من حاجات جمهورها. ولو نحن نظرنا إلى تفوق السيناتور ماكين على بوش في المراحل الأولى لوجدنا أن ماكين يستند في ترشحه، وفي هذا التفوق على بطولته في حرب فيتنام. فهل يمكن القول بنجاة اللاوعي الأميركي من عقدة فيتنام؟.

Home