العراق كابوس اميركي

لعنة النفط تلاحق بوش

واقع الظلم وهوام الانتقام

     

 

العراق كابوس اميركي

                     العراق يتحول الى كابوس يقض مضجع بوش: جنود اميركا يبكون على شاشة (C.N.N )

محمد احمد النابلسي الكفاح العربي في 2 ايلول 2003

     .... نهاية القرن التاسع عشر نشط المبشرون الانجيليون في العراق, وتمكنوا من جذب اعداد كبيرة في احدى المناطق, وأقاموا فيها كنيسة, وتجمع المؤمنون الجدد في احتفال افتتاح الكنيسة. فاذا ما أعلن القس بدء الاحتفال هتف العراقيون الانجيليون بصوت واحد: اللهم صلَّى على محمد وعلى آل محمد! وربما كان على بوش ان يحذر من هتاف شبيه يطلقه قريبا العراقيون المتأمركون؟!


... رغد صدام حسين بدت بأناقة رئاسية خلال مقابلتها مع قناة «العربية» اللافت في المقابلة انها كذبت قطعاً إدعاء بوش بدء الحرب بهدف اغتيال صدام وقيادته... اللافت اكثر انها كادت تطالب بعرش العراق؟!.


... بعض الرجال يتعاملون بوحشية مع نسائهم, ويحرجك ان تتدخل في خلاف عائلي! وحرجك لا يعني الموافقة على وحشية الزوج. ولا يتطلب منك الاعتذار للزوجة. لكن الامر يختلف عندما يأتي شرطي ويتدخل لتخليص المرأة من زوجها ثم يشرع باغتصابها! في هذه الحالة لا يمكنك ان تتجاهل الجريمة وان تجد المبررات لعدم التدخل. لكن الامر قد يختلف عندما تجد جماعة المؤتمر الوطني العراقي يظهرون على شاشات الفضائيات ليباركوا المغتصب. وليقنعوا المرأة بضرورة قبول الاغتصاب. والكل يتجاهل ان الطلاق هو الحل العقلاني في هذه الحالات؟!.


... الذين يصفقون لاغتصاب العراق يبرزون اغتصاب 400 امرأة عراقية بأنها جرائم مساجين عراقيين. وهل من يجهل اغتصاب الجنود الاميركيين لنساء البلاد التي يوجدون فيها؟ من فيتنام الى اليابان وكوريا وغيرهما؟ يبدو ان هذه الفئة العراقية قد أدمنت تجارة الاعراض.


... المعارضون العائدون على ظهور الدبابات الاميركية بدأوا يدركون استغناء الاميركيين عن خدماتهم. وتصاعد اتهامهم بعدم الفعالية. مما اصابهم بالرعب.. فقد تصاعدت ازمة الاميركيين في العراق حتى لم يعودوا مستعدين لحمايتهم. فقد قتل عبد المجيد الخوئي بعد ايام من عودته, و اصبحت قائمة من هذه الشخصيات مهددة بالاغتيال. وهذا قد يفسر تراجعهم عن «العراقوية» وعودتهم لمحاولة استرضاء العرب قبل ان يهدر الاميركيون دماءهم!؟
السيد مشعان الجبوري يمتطي شاشة الجزيرة ليعلن ثراء العراق وفقر جيرانه, بل وطمعهم في ثرواته ورغبتهم الاحتيالية للحصول عليها. ويضيف الجبوري انه فتح الموصل بدون مساعدة اميركية... نرجو من كل الذين شاهدوه ان يتنبهوا ان الامر لا يتعدى الهذيان, وان كنا لا نستطيع تحديد مصدره. هل هو تعاطي المخدرات او أحد انواع الجنون.
مهما يكن فان العراقي العاقل يعرف حجم الديون العراقية ورغبات السرقة الاميركية. وهو يدرك حاجته لمساعدة اخوانه العرب ولو بمجرد الشعور بالذنب والمجانين وحدهم يصدقون الجبوري.


... تحول العراق الى كابوس يقض مضجع بوش في البيت الابيض. إذ سرب قريبون من الرئيس خبراً عن كابوس يعاوده.حيث يحلم ابن باربارا بأنه يموت اغتيالا, والمزعج في الامر ان الكابوس يتجدد مع قدوم انباء سيئة من العراق, وبصفتي كطبيب نفسي ممارس استطيع طمأنة بوش بأن جونسون كان يرى الكابوس نفسه اثناء حرب فيتنام, ومع ذلك فهو لم يتعرض للاغتيال!؟ ... اسر في اذن القارئ ان جونسون كان يملك بعض الصفات التي حفظته من الاغتيال, وهي ما لا يملكه بوش. الذي تأخر اغتياله حتى الآن لسبب واحد هو ان والده كان رئيسا سابقا لوكالة المخابرات الاميركية, لكن ابن باربارا استنفد هذا السبب.


... مرة اخرى تعود ارض العراق مغرية للبشر من مختلف اصقاع الارض. وذلك بعد ان تحولت الى حلبة لصراع الثيران الاميركية الهائجة. وهواة هذه الرياضة يمتدون من اميركا اللاتينية وحتى اليابان. ويبقى ان تنتظر قدوم مصارعي الثيران الاجانب, وقدومهم لن يتأخر. وان كان بعضهم يفضل حلبات اكثر هدوءاً وتحتوي على ثيران اميركية ارقى من تلك الموجودة في الحلبة العراقية. فهل تجتذب الحلبات الاخرى هؤلاء الاجانب؟ ام انهم سيفضلون الحلبة العراقية؟!


... الاعداد القليلة جداً من اليهود الباقين في العراق كانت كافية لتسهيل مهمة الاسرائيليين المحددة, والتي نفذت خلال فوضى السقوط العراقي, وبعد تنفيذ هذه المهمة بكامل فصولها ذهب يهود بغداد الى اسرائيل بانتظار عودة ظافرة الى عراق اميركي, هل نتساءل بعد ذلك عن اسباب بقاء عشرات من اليهود في كل بلد من البلدان العربية؟ تفاصيل الجواب تأتي مع تفصيلات الاذى الاسرائيلي في العراق؟!.


... عجز المعارضة الاغترابية العراقية دفعها لاستغلال عوز العراقيين. ثم لانشاء احزاب بعدد العائدين بحماية اميركية,وفشلت المحاولة الاولى كما الثانية فكان اللجوء الى اصدار الصحف. حتي بلغ عددها مئتي صحيفة, تمثل مئتي حزباً وتياراً سياسياً اميركيا. وعندما خرجت صحيفة المستقلة على الشروط الاميركية اغلقت مطبعتها واعتقل صاحبها وفق الديمقراطية الموعودة اميركيا, إحدى هذه الصحف تدعى «الصباح» وهي تشبه صحف النظام العراقي, فهي تنشر اخبار التحالف وتحركات شخصياته مستبدلة صدام ببريمر!.


... نجح الاعلام الاميركي في اعلان قتلى الجيش الاميركي في العراق على انهم طليعة حرب صليبية جديدة, خصوصا وان العدد المعلن عنه €166 قتيلا€ لا يتعدى نسبة الوفاة الى عدد الجنود €190 الف جندي€ في حوادث السير خلال عشرة ايام في اميركا, اي ان الوجود في العراق هو اقل تهديدا لحياة الجنود من حياتهم العادية في اميركا. لكن الوجع الاميركي الحقيقي هو نجاح المقاومة في ضرب خطوط النفط العراقية بما يمنع بوش عن تحقيق حلمه في انعاش الاقتصاد الاميركي خلال حملته الانتخاية المقبلة. وهذا يفسر حماية جنوده لوزارة النفط العراقية وترك بغداد تحترق وتنهب وتغتصب!.


... قد تنجح المخابرات الاميركية في تحجيم المقاومة والحد من خطرها. لكنها لن تنجح يوما في حماية خطوط النفط, التي تحتاج الى نصف مليون جندي تعجز اميركا عن تأمينهم.
حكومة فيشي€الشلبي العراقية تقوم بجولة عربية, وهي تطالب بتمثيلها في اجتماع وزراء الخارجية العرب! بعد ان رفضت الجامعة العربية الاعتراف بها. ومجلس حكم فيشي العراقي يقوم برحلته بتنظيم اميركي يهدف الى شق الاجماع العربي على رفض المجلس وهو السلوك الاميركي المعهود. لكن استقراء التجربة الافغانية يجعلنا نسأل عن مستقبل اللوياجاركا العراقية, ومن الاسئلة:


1 ­ متى سيبدأ القتال بين الفصائل المكونة لهذا المجلس؟ ويأتينا الجواب من الصراع الكردي ­ التركماني. ومن مجموعة محاولات اغتيال قيادات ممثلة في المجلس. والبقية تأتي.


2 ­ من هو المرشح الاكثر حظاً ليكون قرضاي العراق؟


3 ­ متى سيسمح الاميركيون بزراعة المخدرات في العراق؟ وهي الحل الوحيد لتقليل الانفاق الامريكي في ذلك البلد.


4 ­ متى ستصدر اميركا لائحة باسماء اعضاء المجلس المسموح باغتيالهم؟ وهل لاغتيال المرجع الديني الحكيم علاقة بمثل هذه الائحة؟.


5 ­ متى سيتم تعديل المجلس؟ ومن هم ممثلو تكريت في المجلس المقبل؟


... اعلنت قيادة القوات الاميركية عن نجاة صدام من كمين اعد له في الحارثية, وذلك بسبب تأخر القوات لمدة ثلاث ساعات؟! ولو حدث إهمال شبيه في الجيش العراقي لما تردد صدام في إعدام نصف ضباطه. في حين لا يزال بوش يعلن ثقته بجورج تينيت. والثاني يدافع عن الاول!!!.


... اهالي الجنود الاميركيين في العراق يبكون ويؤلفون جماعات ضغط لاستعادة اولادهم من اخطار وجودهم في محيط يتحول الى فيتنام ثانية. الاعلام يتجاهل هؤلاء ويهون من امرهم, ويركز على طلب ثأر تتقدم به والدة أحد الجنود القتلى في العراق. اما الجنود انفسهم فقد بكوا على شاشة
CNN وطلبوا العودة, فأمرت القيادة بمنع الاعلام من مقابلتهم! €ديمقراطية احترام الرأي الآخر€... وسبيل خلاص هؤلاء الجنود هوما سيدركونه قريبا, ومنه حرق آبار النفط العراقية, فعندها لن تكون للعراق قيمة تجعل الاميركيين يبقون على ارضه!.


... اعلنت اميركا لامبالاتها بالعالم وتفردت بحرب العراق. وبعد سقوط بغداد اعلنت عن نيتها في استنساخ هذا السقوط في طهران والرياض ودمشق وكاراكاس. لكنها تراجعت بعد فقدهالـ 170 قتيلا على يد المقاومة العراقية. وفجأة تراجعت اميركا عن لامبالاتها وطلبت قوات الامم المتحدة. با لله علكيم هل يمكن لهذه الدولة ان تدعي القوة مهما بلغت قدرتها على التدمير؟.


... نستدل على فشل مبدأ بوش وتفاهة وولفويتز وحربه الاستباقية من خلال اجتماع لجنة الدول الست في الصين. وهو يهدف لتخليص بوش من رعونة تهديده لكوريا. خصوصا بعد ان اكدت الصين معارضتها للحلول التافهة التي يقترحها المحافظون الجدد المسيطرون على عقل بوش! ...لقد بدأ بوش رئاسته ذليلاً امام الصين €ازمة الطائرة وهو سينهيها كذلك؟!..€.

 

لعنة النفط تلاحق بوش

محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 3 / 9 / 2003

   تحتاج الولايات المتحدة الى جرعة اضافية بسيطة من الليبرالية كي تدرك ان بعض الامم تثمن الموت اكثر من الحياة, ففي الثقافات الشرقية يخرج الميت من المنافسة فتبرز صفاته الحميدة ويصبح ذكر مساوئه عاراً, وهذا باختصار معاكس لنمط الحياة الاميركي. وهذا النمط المعاكس سيجبر اميركا على مواجهة مفاجآت صاعقة ليست المقاومة العراقية بأولها ولا بآخرها.

وتدعي بريطانيا من جهتها فهمها لبراغماتية البدو. وهو ادعاء لا يتجاوز تجربة جاسوسها الشاذ لورانس, الذي تلصق به صفة العرب, لكن الحقيقة بعيدة عن البريطانيين بعدها عن الاميركيين, فالنفط العربي هو الشعرة التي تربط العرب بالحياة وبعضويتها. ولو تجرأت اميركا على قطع هذه الشعرة فإن ذلك سيعني انهيار سد مأرب وإيقاظ اساطير الموت العربية, وكلها اساطير تصب في خلاصة, او عبرة, وحيدة, وهي «لعنة النفط», هذه اللعنة التي يحاول العراقيون الخلاص منها بتفجير انابيب النفط, وهي مرحلة بدائية من مراحل مواجهة «لعنة النفط».

هل كانت اسرائيل لتحظى بالتضحيات الاميركية لولا هذه السلعة الاستراتيجية؟ هل كان الاميركيون سيهتمون بالاقليات وبالديمقراطية وبحقوق الانسان لولا هذا النفط؟ وتالياً لماذا لا تهتم اميركا بهذه الانسانيات في ادغال افريقيا؟ وهل كانت اميركا لتهمل هذه الادغال لو كان فيها نفط او ثروات اخرى؟
هذه الاسئلة تدفع العرب للظن بأن كل النحس وسوء الطالع واللعنات اللاحقة ببلادهم هي بسبب النفط!؟ وعلى اميركا والعالم الصناعي ان يدرك بأن انتشار وباء «لعنة النفط» لا يختلف كثيراً عن انتشار وباء الطاعون حيث الحريق هو الدواء الوحيد الناجح, فإذا ما فشلت عمليات تدمير انابيب النفط ونجح الظلم والتهديد في الاستمرار فإن ذلك سيترجم بصورة احادية الدلالة وهي صورة ابار النفط المحترقة.

لقد بذلت الولايات المتحدة جهوداً فائقة لمنع تفجير ابار النفط العراقية, وهي نجحت في ذلك موقتاً. لكنه نجاح مرتبط بعدد ضحايا الاعتداءات الاميركية والاسرائيلية, ولقد وصل هذا العدد الى حدود غير بعيدة عن قرار التوقف الحاسم عن تقديم قرابين عربية جديدة الى آلهة النفط, فهذه الآلهة اصبحت اكثر بلاهة وشراسة وشراهة بحيث بدأ العرب يكفرون بهذه الآلهة ويفكرون جدياً بالخلاص منها حرقاً والهرب من لعنتها.

حديثنا هذا يتخذ منحى اسطورياً وأنتروبولوجياً لا يحبه الاميركيون, لكنه واقع ادركوه مع تأكدهم من عجزهم عن تأمين تدفق النفط العراقي بعد استعمارهم للبلد واحتلالهم له, وهم يدركون الآن ان حماية آلاف كيلومترات الانابيب يحتاج الى اكثر من مليوني جندي. والجيش الاميركي قد يملك العدد الكافي من الجنود لانتهاك حرية المنازل العراقية, ولتأمين وزارة النفط العراقية. لكنه لا يملك ما يكفي لحماية انابيب النفط, وماذا يبقى من العراق الاميركي لو عجز عن تأمين تدفق نفطه؟ وماذا يبقى من بوش لو هو عجز عن ضخ دماء النفط في شرايين الاقتصاد الاميركي المتصلبة؟!

بل ماذا يبقى من اميركا لو صورت نفسها بمظهر الساحرة الشريرة العاملة في خدمة آلهة النفط الشريرة؟! وهنا على اميركا ان تدرك حقيقة مؤسفة, قوامها ان الشعوب العربية لم تكن مستفيدة من خيرات آلهة النفط, فكل ما تلقته هذه الشعوب لا يتعدى زكاة اموال النفط, وهي بالتالي مستعدة لدفن آلهة النفط دون كثير اسف على شبابها, خصوصاً بعد ان هددت اميركا حماة هذه الآلهة وسدنة آبارها. هؤلاء السدنة الذين تمتعوا بوضعية العرب الاغنياء, والذين تحملوا جزءاً من كراهية الظلم الاميركي, الى ان دخلت اميركا بقدميها الى دائرة اللعنة النفطية, ويبدو ان هذه اللعنة اختارت الاميركيين وتخلت عن سدنة الآبار وتركتهم لحالهم.

ان اميركا الملعونة نفطياً هي غير اميركا ما قبل حرب العراق, والمسألة لا تتعلق فقط بالورطة العسكرية وبجرائم الحرب بل هي اعمق وأكثر ايذاء. فهذه اللعنة تفقد اميركا قدرتها على التحكم ببورصة النفط. وهو تحكم كان واحداً من اهم صمامات الامان للاقتصاد الاميركي, وفقدان هذا الصمام يجعل مستقبل هذا الاقتصاد اكثر سواداً ومأسوية, بما يبرر دعوتنا للتأمل بالسبل التي ستعتمدها اميركا للخلاص من السيد بوش, وهو لا يجد من ينصحه بالانسحاب قبل فوات الاوان, ولكن اوساط البيت الابيض تتحدث عن كابوس تكراري يشاهده بوش في احلامه, ومحتوى الحلم ­ الكابوس هو تعرض بوش للاغتيال, ورؤيته لموته الشخصي في احلامه, وهذا النوع من الاحلام يأتي عادة بعد التعرض لصدمة نفسية عنيفة, ولا يبقى علينا سوى انتظار الطريقة التي ستعتمدها اميركا للخلاص من هذا الرئيس, وهي حتماً لن تسمح له بنوبة جنون جديدة فأذى نوبة الجنون العراقي سيظل ضاغطاً لسنين مقبلة, وأميركا لم تعد معجبة بهذا النوع من الجنون, بل ربما هي تسعى الى انواع جنون معاكسة, علها تخلص من لعنة النفط!؟

 

واقع الظلم وهوام الانتقام

الدكتور محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 17 / 12 / 2003

     ... المحكوم بالاعدام يساق الى المقصلة... الجمهور مزدحم وفضولي لمشاهدة عملية الاعدام... يمر المحكوم امام الجمهور... فجأة ودون سابق انذار يتحول الجمهور الى التعاطف مع المحكوم... لا احد يستطيع او يريد تصور نفسه مكان هذا الرجل الذي سير الى حتفه... وقت قصير يفصل بين حياة المحكوم وموته... الجميع يتعاطف... الضحايا المفترضون للمحكوم يبقون على موقفهم... انها رغبة الانتقام... ربما هي تنفيذ العدالة... او ربما ظلمها... لكن غضب الضحايا يضيع ويذوب في اجواء تعاطف الجمهور... تبقى المشاعر المتعاطفة للرواية... الرواية لا تخلو من مبالغة وتبرير للتعاطف... التبرير يتضخم... المبالغة تتخطى الحدود ­ يتحول المحكوم من مجرم الى بطل...

هذا السيناريو يعكس سيكولوجية الجماعة في واحدة من اهم دينامياتها, وهو مجسد افضل تجسيد في بعض الروايات الفرنسية في القرون الوسطى, والمشهد متكرر عبر العصور وعبر القارات.
السلطة
القوة تنفذ دائما حكمها بالاعدام منذ المتصوف الحلاج وحتى الباذخ صدام. لكن المحكوم يتحول الى ضحية للسلطة فتعاد محاكمته مرة بعد مرة وفترة بعد فترة, وفي كل دورة تضاف تبريرات جديدة لسلوكه المؤدي لادانته. كما تكتشف فيه خصال حميدة جديدة, وفي كل مرة تترسخ بطولته وتزداد اقناعاً. فالبطل مثل النبيذ الذي يزداد قيمة مع تحوله الى عتيق معتق. وهكذا خرج صدام من الحكم مداناً في ظروف غامضة خلفيتها قنابل وقصف حروب عالمية, وهي خلفية تحجب اي محاولة للمحاكمة الموضوعية, فجمهور المتعاطفين يكتب الفكرة والصوت, ودخان القنابل يحجب ماضي المحكوم وسؤاله, فتنقلب المواقع ليصبح القاضي خائناً والمحكوم بطلاً. وهذه قصة انسانية تكرر في مختلف الثقافات, لكنها تتعقد عندما يكون القاضي والمحكوم من ثقافات مختلفة. 

في الحالة الاخيرة تقف ثقافة كل طرف خلفه لتنصره, لكن الغلبة تكون دائماً للمحكوم. فهو يموت وبذلك توضع الحدود لكل اخطائه, حيث يمنعه الموت من تكرارها, ويبقى الجمهور منتظراً نهاية القاضي, وعندها فقط يتم رجم القاضي واعلان وحشيته ومعها اعلان بطولة المحكوم. حيث تكون الفترة الفاصلة بين النهايتين كافية لخلق الحكايات حول براءة المحكوم وظلم القاضي, فإذا ما انتهى القاضي تحولت هذه الحكايات الى اساطير لا تجد من يتصدى لها ويدقق في موضوعيتها, خصوصاً بعد تحول القاضي الى خائن ساقط, ومعه يتحول شهوده ومؤيدو احكامه الى خونة. وهكذا تخفي الاساطير وجه الحقيقة التي دمرها عنف الاحكام وغباء الجمهور وتعصبه, وبذلك لا يبقى من الحكاية سوى مذبوح يتحول الى بطل اوحد, ويتحول الباقون الى خونة او اقله الى شهود زور.

لكن اكثر من نصف قرن مضى على ذبح عشرات ألوف اليابانيين بحكم الرئيس ترومان بإبادتهم بالاسلحة النووية, ومع ذلك فقد تحول الضحايا الى ابطال لكن ادانة ترومان لم تظهر بعد. وهو امر قد يتكرر في الحرب العراقية. إلا ان الطفل عليَّاً ذا الاطراف المبتورة سيبقى تذكاراً يعجل اتهام الوحشية التي حرمت مئات مثله من اطرافهم. انها ضحايا تمشي على الارض او تدب, وهي ستعجل بالادانة او ربما بالانتقام.