المركز العربي للدراسات المستقبلية
هوامش سياسية
 

محطات تحليلية

تقارير و وثائق

مستقبليات

السباق الرئاسي الأميركي  المسألـة العراقيـة إتفاقية جينيف

لبنان بعد التمديد/ رؤية مستقبلية

الملف الصيني

عودة هيكل عبر الجزيرة

 محــاكمة صــدام ملفات خاصة 

العولمة

الديمقراطية

الملف النووي الايراني

ملفات إسلامية

تقارير و وثائق

الدين والسياسة في اميركا

ايران والعرب

بوش بملامح انسانية
نهاية الرأسمالية الأميركيون يتقمصون هتلر عرب يكرهون أنفسهم كيسينجر وقيامة المومياء

 

 

نهاية الرأسمالية

                                                                                            الكفاح العربي في 5/7/2002

البشرى ليست لنا بل هي لمؤلف كتاب أزمة النظام الرأسمالي العالمي المضارب المعروف جورج شوروش. وهو الذي أعلن مبكرا" أن نظام السوق غير قابل للعولمة وأنه يعاني من أمراض مميتة يجب الإحتياط لها. ومن بينها قدرة البيوتات المالية على تعويم شركات مفلسة بمجرد تبني هذه الشركات بموجب شهادات زور.

هذه الإفلاسات المقنعة بقناع الإزدهار الموعود تحولت الى كابوس رئيسي لإدارة بوش. وهي إنضمت الى قافلة الأزمات التي تكتمها هذه الإدارة. لكن سيولة المعلومات في عصر الإتصالات لم تعد تسمح بحجب حقيبة ضخمة من الحقائق. من هنا لجوء الإدارة إلى إغراق الجمهور بفيضان من الشائعات والمعلومات المضللة. وهذا ما يبرر تفجر ينابيع المخابرات الأميركية عن روايات من نوع تهديد الإرهابي بنسف الجسور وبعمليات ضفادع بشرية وضرب المصارف والقنبلة الإشعاعية ثم أخيرا" وليس آخرا" الإستعداد لتفجيرات ترافق الاستقلال الأميركي في 4 يوليو الجاري.

وسط هذا الإغراق المعلوماتي التساؤل وحده قادر على توجيه الجمهور وسوقه نحو الحقيقة. فمن يحسن طرح الأسئلة ينجو من الضياع وسط هذا الكم المعلوماتي الهائل. ومن الأسئلة المنجية نختار طرح التالية منها:

1.    ما هي الفائدة من مشروع بوش " الدرع الصاروخي " إذا كانت التهديدات تأتي من الداخل وليس من الخارج؟.

2.  إلى متى يستطيع بوش المضي بالايحاء بجدوى مشروعه بخفض الضرائب والفائدة معا"؟. وهل من يوافق على مثل هذا النهج بعد انخفاضات وول ستريت في الشهرين الأخيرين؟.

3.  لقد تخلى الجمهور الأميركي عن بوش الأب عندما لاحت تباشير أزمة إقتصادية إقترنت بطرح المرشح كلينتون لشعار الداخل اولا". فهل يغفل الإبن هذه الحقيقة؟.

4.  تمكن كلينتون العام 1999 من تحقيق فائض أميركي بقيمة 115 مليار دولار. في حين يتوقع المحللون وصول العجز الأميركي عن العام 2002 حدود ال400 مليار دولار. والسؤال هنا عن مدى قدرة بوش على قيادة هذا العجز والتحكم به؟.

5.    إستكمالا" للسؤال السابق هل يمكن التفكبر بمتابعة مشاريع بوش التسلحية والإقتصادية وإلى متى؟.

6.  من تحذيرات شوروش في الكتاب المشار له اعلاه ان البيوتات المالية الكبرى قادرة على التلاعب بالسوق لمصلحة افراد. بما يستتبع السؤال عن حصة الفساد والرشوة والتورط الرسمي في فضائح أينرون و وورلد كوم وزيروكس والبقية تأتي؟.

7.  يتفرع عن السؤال السابق سؤال عما إذا كان نظام السوق في طريقه للتحول نحو حماية قراصنة السوق بتسخير القوة العسكرية الأميركية لهذه الحماية؟.

8.  إلى متى يستمر الديموقراطيون بالسكوت على هذه الفضائح المالية بحجة تجنب خلق فوضى السوق التي قد تقوض الإقتصاد الأميركي؟.

9.  هل تتمكن إدارة بوش من توظيف سياسة التخويف من الإرهاب ومن الفوضى لإسكات الكونغرس؟. بدءا" من تخليته من درب التحقيق في اينرون وصولا" إلى الفضائح والأزمات الاقتصادية القادمة؟.

لقد نجحت الإدارة الحالية في إصطناع عدو لأميركا وجسدنه بمفهوم شديد الغموض هو الإرهاب. وهي أحسنت لغاية الآن توظيفه وإستغلاله. لكن الجميع باتوا يشعرون بالمبالغة إزاء هذا الإستغلال. خاصة عندما يرونه يصب في مصلحة حفنة ضئيلة من كبار المتمولين الذين أوصلوا بوش إلى البيت الأبيض. خصوصا" وأن هؤلاء الأثرياء ليسوا أصحاب المصالح الوحيدون في أميركا. فهنالك أثرياء آخرون في موقع الخسارة وهؤلاء لن يسكتوا طويلا". وهم سيتحالفون مع المتضررين من هذه السياسات فيكون الحل إما بالخلاص من بوش الإبن وفريقه أو بالإستسلام لفرضية شوروش حول " نهاية الرأسمالية ".

في كلتا الحالتين نأمل الآ يلقي الأميريكيون التهمة على شرق أوسطيين. فهؤلاء لم يعودوا قادرين على تحمل تهم أميركية جديدة. وفي جميع الأحوال فليبحثوا عن اليهود عندما يتعلق الأمر بالبورصات وبالإزمات الإقتصادية فهذا مجال اختصاصهم.

                                                                                                     محمد احمد النابلسي

كيسينجر وقيامة المومياء

       مع وصول اليمين الجمهوري المتطرف الى البيت الأبيض بصحبة جورج ووكر بوش خرجت مومياء هنري كيسينجر من تابوتها. حيث في مرحلة أولى إستعادت المومياء دورها الراديكالي الداعي صراحة للعودة الى النظام الاستعماري.

لقد كان كيسينجر أول الأميركيين المهددين بإحتلال منابع النفط. والعودة الإنتقائية للنظام الكولونيالي.

وتعاظم دور كيسينجر مع تسارع وتيرة الأزمات الأميركية بسبب 11 أيلول. فالركود الإقتصادي والتهرب من العولمة والإصرار الأميركي على الوصاية النفطية وإنفجار المعارضة والفضائح في وجه ووكر بوش كانت كلها أزمات متوقعة. لكنها تفجرت بصورة متزامنة بسبب ذلك الثلاثاء.

هذه التراكمية دفعت بوش الإبن للتورط في أفغانستان. وهو وحده يعرف حجم هذه الورطة وتهديداتها. فقد بدأت جرائم الحرب الأفغانية تتكشف. ولاحت في الأفق خلافات التحالف الهش الذي تمثله حكومة قرضاي الأميركية. أيضاً بدأت تتصاعد وتيرة العمليات ضد القوات الأميركية في ذلك البلد الذي لا يملك سوى فقره وذكريات حروبه وصراعاته القبلية. ولعل أكثر ما يخيف بوش في الورطة الأفغانية هو نمط حياة القرن السادس عشر الذي يعيشه الأفغان.

 كيسينجر من القلائل الذين يفهمون هذه الهواجس. إذ سبق له أن عايشها في الأزمة الفيتنامية. وهو يعلم جيداً كيف يتظاهر الرؤساء بالقوة ويعرضون عضلاتهم في الوقت الذي يبحثون فيه عمن ينقذهم من ورطتهم. وها هو كيسينجر يحاول القيام بدور المنقذ. إذ بدأ يوجه الأنظار بعكس التيار السائد (ضرب العراق) بإعلانه مع فريقه بأن السعودية هي دولة معادية لأميركا وحاضنة للإرهاب. وتسويق هذه الشائعة يفتح الباب الخلفي، للهروب من ضرب العراق أمام بوش الإبن.

ويتابع كيسينجر خطته الإنقاذية عبر قنوات متعددة. إذ بدأ يتحدّث في مجالسه الخاصة – بقصد التسريب الصحفي – عن ضرورة دعم صدام حسين بوصفه القوة المحلية الوحيدة القادرة على مجابهة  الخطر الإيراني. وعبر قناة اخرى تم تسريب خبر تهريب السعوديين لمبالغ تتراوح بين 150 و 200 مليار دولار من السوق الأميركية. ولتهويل الخبر يتطوع اليهودي الأخر جورج شوروش ليقول بأن تهريب السعوديين لهذه المبالغ، في الظروف المأزومة الحالية، يعادل إعلان الحرب على أميركا.

وهكذا بين المصلحة في تعويم النظام العراقي وعدم المصلحة في أذيته بسبب الأعداء السعوديين. يقدم كيسينجر مخرجاً لبوش الإبن من ورطته. وهو مخرج سيكون ممهداً بعد انتخابات نوفمبر القادمة.

كيسينجر يعرف ان خطوط النفط عبر البلدان النامية لم تكن آمنة يوماً. وعليه لا يمكن الاعتماد على نفط القوقاز وأفغانستان والسودان وغيرهما. وسيبقى نفط الخليج الأكثر أمناً للأميركيين ومصالحهم. ومن هنا ضرورة انتقاء حليف خليجي قوي. وإثارة الغيرة بين المرشحين للتحالف. فإذا ما استوعب بوش دروس الأستاذ كيسينجر  فإن عليه أن يهدد السعودية بالعراق وأن يستغل الإختناق العراقي للحصول على شروط أفضل.

ولكن هل يضمن هؤلاء مجتمعون أننا سوف نستمر في تخويف وتخوين وتكفير بعضنا البعض؟. أو أن نعاود خوض حرب دموية مع إيران. الشارع العربي لم يعد مستعداً لتقبل هذه الشائعات بعد أن دفع أثماناً باهظة لشائعات شبيهة سابقة.

مع ذلك سيعمل كيسينجر جاهداً لتكرار مصالحة نيكسون للصين عبر مصالحة بوش للعراق. وإذا كانت صداقة نيكسون الصينية حلفاً مضاداً للسوفيات فإن الصداقة مع العراق هي حلف ضد إيران.

لكن السؤال الذي يحتاج لإجابة عاجلة هو: هل نسي كيسينجر موقف العرب من حلف بغداد؟ أم أنه يعتقد أن مثل هذا الموقف لم يعد محتملاً؟.

مهما يكن فإن كيسينجر في طريقه للدعوة الى حلف بغداد جديد ولكن بصيغة شرق أوسطية ؟!.

شخصياً أنتمي الى فئة معارضي مثل هذا الحلف. وهذه الفئة مثقلة بالإنهاك العراقي وحاملة للهم الفلسطيني. وهي أيضاً رافضة للإنحياز الأميركي ولمعاداة العرب إجمالاً.

                                                                                                    محمد أحمد النابلسي   

بوش بملامح انسانية

الكفاح العربي في 12 / 9 / 2002
 أكدت التايم, في عددها الصادر الاسبوع الماضي, حتمية ضربة اميركية للعراق. ورأت ان الامر لا يحتاج الى مبررات وحجج, فهو يتعلق بهيبة الولايات المتحدة وصدقيتها.
ومع كوني من اشد الذين يستبعدون احتمال هذه الضربة فإن هذا المنطق استطاع ملامسة مناطق الشك عندي, فالاميركيون يشتكون, منذ نهاية الحرب الباردة, من عدم حصولهم على سطوة موازية لقوتهم العسكرية, لكن هذه الشكوى بقيت تحت السيطرة بفضل حنكة الاستراتيجيين الاميركيين, حتى جاء هذا الفريق العاشق للقوة, والعشق يعمي البصيرة ويفقد الحكمة والاتزان, فالقوة ليست وحدها المعيار بين العلاقات الدولية, بل انها غالباً ما تستقطب خوف الآخرين وتدعوهم للتكتل في مواجهة القوي, خصوصاً عندما يهيج القوي هياج الثور المهدد باجتياح كل شيء امامه.
وهياج الثور الاميركي يهدد اول ما يهدد مفهوم الشرعية الدولية. وهو نتاج الاخلاقيات التي ارتضاها الاقوياء كضوابط وكوابح لممارسة قوتهم.
صحيح ان الولايات المتحدة تمكنت مراراً من تخطي هذه الضوابط. لكنها كانت تفعل ذلك بدعم الاقوياء
الدول السبع الكبرى او تواطئهم او على الاقل تجاهلهم للمخالفات الاميركية, وهذا لا يمكنه ان يحصل في الحالة العراقية لأنها تلحق اضراراً مباشرة باقتصاديات الاقوياء ومستقبل نفوذهم.
في
المقابل, تؤكد المصادر الاميركية ان ادارة بوش لم تعد قادرة على التراجع! وهذا التأكيد يعني تخلي اميركا عن قدسية مصالحها. ولعله 11 ايلول سبتمبر المسؤول عن دخول بعض ملامح الانسانية والضعف الانساني الى العقل السياسي الاميركي, حيث يدخل مبدأ الكرامة مع الصدقية والهيبة وغيرها من المصطلحات التي طالما سخر منها الاميركيون, لأنها تعني التضحية, ولو بقسم ضئيل, بالمصالح وتعارض مبدأ المنفعة البراغماتي.
من سوء حظ الولايات المتحدة بروز ملامح انسانيتها على يد رئيس غير متحكم بإدارته وخاضع لها, ومن سوء حظها ايضاً ان هذا الرئيس لا يدري ماذا يفعل. مع ان سابقه كلينتون نبهه السبت الماضي الى ضرورة الخروج من المستنقع الافغاني قبل الدخول في مستنقعات اخرى, ايضاً من سوء حظ الولايات المتحدة انها تضحي مع اقتراب ازمتها الاقتصادية السوداء, فهل تتظاهر الادارة الاميركية بالقوة كي تتجنب كأس الاقتصاد المر. فتكون على غرار الكلب الذي يزداد عواؤه كلما احس بضعفه؟

محمد احمد النابلسي

الأميركيون يتقمصون هتلر

 الكفاح العربي في 21 / 8 /2002

 رداءة ذاكرتنا لا يعادلها إلا رداءة اوضاعنا العربية الراهنة والتحليل النفسي لا يعترف بالفرق بينهما, فهو يرى ان رداءة الوضع هي نتيجة الذاكرة الضعيفة التي تكبت معلوماتها, وعندها تتحكم المكبوتات بتصرفاتنا التي تصنع لنا الخيبة.
في العام 1998 تحرك صقور ادارة كلينتون وأعلنوا عن ضربة قريبة للعراق «لو كانت ذاكرتنا طبيعية لتذكرنا ان الاجواء كانت مطابقة للتهديدات الراهنة بضرب العراق.
ولو تحركت ذاكرتنا قليلاً لتذكرنا ان كلينتون تخلص من ضغوط صقوره بالاعلان عن ان الضربة ستوقع عشرة آلاف قتيل مدني, وعليه فإن الانسحاب منها هو الخيار.
اما اذا تداعت ذاكرتنا وأرهقت نفسها قليلاً فإنها ستذكرنا بأن داء الفاشية تحول للادمان في جسد ليبرالية اميركا, وبالتالي فإن تشيني وكونداليزا رايس ورامسفيلد ليسوا اول ميكروبات وفيروسات الفاشية في السياسة الاميركية.
يهمنا من هذه الفاشية القسم المعادي لنا. فنجد ان اول البكتيريات كان هنري كيسينجر الذي هدد صراحة باحتلال منابع النفط. وكان ذلك مطلع السبعينيات, فهل تتحمل ذاكرتنا النكوص الى تلك الفترة؟
انطلاقاً من مبدأ نشر المعلومات المخابراتية بعد ثلاثين سنة نشرت المخابرات الاميركية مراسلات نيكسون ­ فيصل عبر وزيري خارجيتهما كيسينجر ­ السقاف, ومن المراسلات واحدة يقول فيها كيسينجر: «ان الملك فيصل يذلنا نحن الاميركيين!», وكانت النتيجة اغتيال فيصل, وهذا ليس ايحاء باحتمال اغتيال الامير عبد الله. وان كان الاميركيون يكنون له عواطف شبيهة بتلك التي حملوها لفيصل, فهم يعتبرون ان متوسط اعمار ابناء الملك عبد العزيز هو 76 عاماً, في حين اقترب عبد الله من الثمانين. وبالتالي فهو يعيش في الوقت الضائع.
ولنعد الى الذكريات الادق فذاكرتنا عرضة للارباك, ومن الذكريات الدقيقة ان حاجة اميركا, والغرب عموماً, الى النفط العربي العام 1974 كانت اكثر الحاحاً منها اليوم, ومع ذلك فهم لم يتورطوا في مغامرة مع كل العرب, وعندما دخلت القوات الاميركية الى الخليج كان ذلك بسبب انقسام العرب ومغامراتهم ضد بعضهم. وهذا ما يدفع بجورج بوش الاب لنصح ابنه ووكر بعدم خوض مغامرة مع كل العرب, فالحكام, مهما بلغت صداقتهم لأميركا, عاجزون عن التحكم بشعوبهم امام كارثة معنوية بحجم ضربة حالية للعراق.
لقد نقلت مجلة «النقاد» عن مقالة سابقة لي في هذه الزاوية قولي بخرافة الضربة الاميركية للعراق, وهذا يقتضي التوضيح, فتجنب كلينتون للضربة لم يكن بسبب نقص في القوة الاميركية. ولكنه كان بسبب الايمان بأن الضربة هي اسوأ الحلول امام اميركا. فهي تملك بدائل اكثر اماناً وربحية, وبالتالي اكثر اضراراً بمصالحنا ومستقبلنا. وفي ظرفنا الراهن فإن البدائل مميتة وسرطانية بالنسبة الى المصالح العربية. فأوضاعنا الرديئة تجعلنا نظن أن كارثة ضرب العراق €10 آلاف قتيل مع تسميم بيئة المنطقة بالنوويات والكيمياويات لقرون مقبلة€ ربما تكون اهون الكوارث التي قد تهدينا اياها هذه الولايات المتحدة حتى الآن.
الصحافة الاميركية لا تزال تسوق ووكر بوش في صورة الرئيس الاميركي الاغبى, وتعطي الاولوية لخيارات تشيني وقراراته, وهو يريد صادقاً ضرب العراق, لأنه يرى ان هذه الضربة لا تسد امامه فرص البدائل الاخرى, بل هي تسرعها.
عند هذا الحد يمكننا اراحة الذاكرة العربية واستدعاء الاميركية, فعلى الاميركيين ان يتذكروا ان للفاشية ثمناً لا يستطيعون دفعه, فهي تقتضي اولاً استيعاب مفهوم التضحية ومعه الاستعداد لتقديم ضحايا بشرية, في حين لا يزالون ينظرون لكل العمليات الاستشهادية على انها انتحارية.
فهل يقبل بوش وصقوره رسالة من نوع دعوتهم للاعتراف بأنهم عاجزون عن تحريك جمهورهم بالطريقة التي لا يزال هتلر يحرك بها الالمان حتى اليوم! فالفاشية تتحول الى عقيدة سياسية بحكم دعم الجماهير لها. اما الافكار الفاشية غير المدعومة شعبياً فهي مجرد اجرام فردي. فعلى الرغم من كثرة الفيروسات الفاشية في الادارة الحالية فإن ديانة الرخاء الاميركي تبقى اللقاح الفاعل للقضاء على هذه الفيروسات, فأتباع هذه الديانة اسقطوا بوش الاب في اوج انتصاره على العراق, وهم يحاسبون الابن وفريقه على فسادهم بعد حرب افغانستان, وتبقى اسرائيل الوحيدة بين دول العالم التي تتصرف وكأن الضربة ستحصل غداً صباحاً! فهل تراها تريد تورط بوش ودفعه في هذا الطريق. على غرار ما فعلت العام 1998 مع كلينتون حين وعدت بارسال فرقة كوماندوس لاغتيال الرئيس العراقي.
قد يملك بوش ما يكفي من الغباء كي يشرب المقلب الاسرائيلي الذي تهرب منه كلينتون. وعندها على بوش وإدارته ان يتذكروا بأن ألمانيا لا تزال تدفع لغاية اليوم ثمن فاشية هتلر, مع تكرار عجز اميركا عن تأمين ظروف الحضانة الضرورية لفيروسات الفاشية. وعجز كامل اعضاء الادارة الحالية عن تأمين فرقة عقائدية واحدة على شاكلة آلاف الفرق التي التفت حول هتلر الذي يحاولون تقمصه دون جدوى.
محمد احمد النابلسي

 

عرب يكرهون أنفسهم

 
من الشروط الاساسية لتطور اي امة, او مجتمع, شرط القدرة على تطوير النظم الرمزية اللغة, نمط العلاقات الاجتماعية, التقاليد والاعراف... الخ السائدة بين افراده وجماعاته.
وهذا التطوير لا يمكنه ان يتحقق من دون مخالفة السائد والمألوف, حتى يصير الخلط سهلاً بين المصلحين وبين معادي المجتمع.
هذا النوع من الخلط هو المسؤول عن اغتيال العديد من المصلحين في تاريخ البشرية, منذ الحكم على سقراط بتجرع كأس السم ولغاية موجات التكفير والتخوين السائدة في مجتمعنا العربي منذ قرون, والمتجددة في محطات التحول العالمية, لذلك وجب علينا وضع الحدود لهذه الموجات, التي لا تكتفي بحرماننا فرض الحوار من اجل التطوير بل هي تزيد في تعميق تناقضاتنا وخلافاتنا.
علينا ان نراجع بعض المبادئ والمسلمات السيكولوجية وتذكرها كخطوة اولى, ومن هذه المبادئ:
1­ النبذ الاجتماعي: وهذا النبذ هو المسؤول غالباً عن معاداة المجتمع لدرجة الاستعداد لخيانته, وهنا علينا الاعتراف بأننا من اكثر الامم قدرة على النبذ والتفنن فيه.
2­ الفئات الهامشية: هذه الفئات المنبوذة تكون غالباً محط اهتمام محاولات اختراق المجتمع. وهنا ايضاً نفرق بين محاولات اختراق سليمة النية وأخرى معادية للمجتمع.
3­ استيراد العناصر الثقافية: حيث عجزنا عن انتاج عناصرنا الثقافية الخاصة واستيرادنا لهذه العناصر, بدءاً من لعب اطفالنا ولغاية ادوية عجائزنا وخطط رعايتهم.
4­ العنف الاجتماعي: حيث الصراعات الداخلية تكاد تهدد كل الدول العربية, تدعمها العصبيات والانتماءات الفرعية, التي تعكس عجز التكامل الثقافي والاجتماعي.
امام هذه المعطيات مجتمعة لا بد لنا من التقرير بوجود قوائم طويلة من الاعذار والتبريرات لغالبية اشكال الخروج على معايير النظم الرمزية الخاصة بمجتمعنا العربي.
وحتى لا يكون كلامنا مغرقاً في النظرية فإننا نعطي بعض الامثلة العملية الدالة على وجوب التريث في الاحكام, بل والتخلي عن التكفير والتخوين, ومن الامثلة:
­ عزمي بشارة: الذي نظر اليه لمدة طويلة على انه جاسوس اسرائيلي بدرجة نائب في الكنيست الاسرائيلي, وبعد ذلك نكتشف فيه مناضلاً صلباً؟!
­ مروان البرغوثي: وهو من اوائل دعاة التطبيع مع اسرائيل, وهو نبذ لفترتها لهذا السبب, ثم تحول الى بطل بعد اعتقاله ومحاكمته.
­ ادوار سعيد: الذي استقبل ببرود وتحفظ في البداية, ثم تحول الى ناطق باسم المثقفين العرب في اميركا.
وتطول قائمة الشخصيات التي تغيرت المواقف منها بتغير اللحظة السياسية وظروفها.
وهذه الوضعية تشبه الى حد بعيد وضعية يهود اوروبا بعد ازمة تكفيرهم للفيلسوف اليهودي سبينوزا, درجة الشبه هو استهداف الجماعة بمصالحها واستمراريتها.
يومها اتخذ اليهود قرارهم بإلغاء تهمة التكفير حفاظاً على تلاحم الجماعة, وعندما عادت لليهود بعض القوة اطلقوا بديلاً للتكفير هو عبارة عن تهمة «اليهودي الذي يكره نفسه», وقد يكون من المناسب ان نصل الى هذا الحد الادنى من خفض سقف التكفير والتخوين السائد بيننا.
ونحن ندرك مدى صعوبة هذا الاستبدال المتساهل امام حدة بعض التظاهرات العدوانية ضد الامة والمجتمع من قبل افراد ينتمون اليهما, ويفترض ان يردعهم هذا الانتماء ويخفف من حدة عدائهم, بغض النظر عن الدوافع الكامنة لهذا العداء.
ويبقى تحديد معايير كره الذات عند العرب, وهو موضوع يحتاج الى مراجعة شاملة للشخصيات التي وقعت ضحية التخوين والتكفير, للافادة من هذه التجارب, وربما امكن اعادة الاعتبار لبعضهم في مثل هذه المناسبة.
ونفتتح الحوار باستبعاد الزعامات الحزبية والسياسية عامة, لأن طرح مثل هذه الحالات للنقاش كفيل بتفجير كل التهم والتناقضات وربما الشتائم, وعلى هذا الاساس نحصر النقاش بالمثقفين العرب, بادئين بترشيح بعض الاسماء كنماذج للعربي الذي يكره نفسه, ومنهم:
الدكتور سعد الدين ابراهيم.
وسبب ترشيحه هو قبوله بأن يكون شخصه سبباً في الضغط على مواطنيه في لقمة عيشهم. وتهديد اميركا بوقف المساعدات لمصر بسببه, فهل تراه يشعر بالقوة والجبروت عبر الدعم الاميركي له بتجويع مواطنيه؟
العفيف الاخضر.
ودافع ترشيحه اضطرابه النفسي الذي يجعله يصف المثقفين العرب بالزبالة من على منبر الجزيرة, وهو يتفنن في تحقير ذاته ومجتمعه بصورة مازوشية بعيدة عن السواء, والغريب انه يعود الى رشده عندما يحس بالخطر نتيجة بعض مظاهر قوة الانتماء العربي.
المتعاملون الفلسطينيون مع الشاباك.
حيث ضخامة عدد هؤلاء يحولهم الى ظاهرة, هي نتاج القهر والعدوان الاسرائيلي, المؤديللتوحد بالمعتدي, ومع ذلك فإن على هؤلاء ان يحسوا بأنهم يكرهون انفسهم وهم يتعاملون مع عدوهم.
انها قضية مطروحة للنقاش بإلحاح, سواء من حيث تحديد معايير كره الذات, او من حيث ترشيح اولئك العرب الذين يسيئون لأنفسهم وأمتهم.
                                                                            محمد احمد النابلسي 18/9/2002

 

                                     هل يستقيل بوش أم ينتحر

     يقبل بوش الابن على امتحان عسير في تشرين الثاني نوفمبر المقبل, وهو امتحان الانتخابات الجزئية للكونغرس, وهو يواجه هذه الانتخابات مثقلاً بالاحباطات والاخفاقات التي لا يمكن اخفاؤها عن الناخب الاميركي إلا عن طريق تخويفه على طريقة المافيا ايام كوزانوسترا, ولنراجع سوية مدى صدقية بوش وحزبه الجمهوري امام وعودهم باصلاح ما اسموه بـ«الفساد الكلينتوني». حيث تقودنا المراجعة الى تقرير استحالة تنفيذ برامج بوش الاساسية, وأهمها «الدرع الصاروخية» و«الخفض الضريبي», اذ ابتلع الانفاق الهيستيري على الامن كل فائض يمكن لتنفيذهما, خصوصاً في ظل اوضاع اقتصادية منكمشة في ظل افلاس شركات كبرى وتراحع بقية هذه الشركات, دون بادرة امل بانتعاش قريب.
بالانتقال من الاقتصادي الى السياسي نجد ان المشكلات تفجرت في وجه بوش بسبب اندفاع اهوج للحصول على الحاجات الاميركية بالقوة بدل الطلب. وذلك دون تفريق بين صديق وعدو. فقد بدأ بوش منذ الايام الاولى لرئاسته باعلان «درعه الصاروخية» التي ذكر الكثيرين بقول الزعيم الشيوعي الفرنسي جورج مارشيه في الخمسينيات, اذ قال: اذا لم تضع اوروبا الحدود للاميركيين فإن دولها ستتحرك الى مجرد ضواح اميركية. ولعل هذا الاحساس هو مصدر التأييد الشعبي الجارف لمواقف شرودر وشيراك من السياسات الاميركية الراهنة, حتى يمكن الحديث عن حصول «طلاق نفسي» بين اوروبا وأميركا, وهو طلاق غير معلن يتحول الى تعايش بشق الانفس, ثم جاء فريق معهد راند ­ التابع للبنتاغون ­ ليفقد اميركا ما تبقى لها من الاصدقاء العرب. ولعلنا نستغرب التحول الجذري في موقف بوش من الصين. حيث وقف عاجزاً صاغراً في ازمة الطائرة الصينية
بعد شهرين من استلامه الحكم, لتنتهي الازمة بالخضوع للشروط الصينية, وفجأة ينقلب بوش الى الشجاعة فينقض وعود الناتو بعدم الاقتراب من تخوم الصين. ثم يقيم حرب افغانستان التي تتكشف وحشيتها تدريجياً. فأما الصين فإن جوابها يأتي عادة متأخراً لبضع سنين. وأما عن افغانستان فالسؤال يطرح عن نتائجها الباهرة؟! فقد نجا بن لادن والملا عمر وغيرهما من زعماء طالبان والقاعدة, وهم يعيدون بناء التحالفات وتجميع القوات استعداداً لحرب جديدة. اما حكومة صاحب المطعم قرضاي فهي متفككة وقابلة للانفجار الانشطاري الذي يعيد صراعات القبائل الافغانية وقوات بوش متورطة وغير قادرة على الانسحاب لأنه يعني اعدام كل حلفائها هناك وفي الجوار, اضافة الى كل ذلك فإن اميركا التي اذلتها مرونة كلينتون برأي الجمهوريين تحولت الى التسول على يد بوش, الذي تسول الاموال التي ضخت في بورصته يوم 1792001 كي تمنع الانهيار الكامل للاقتصاد الاميركي, كما تحول بوش من التسول الى البلطجة حيث يجبر جهات حكومية وأفراداً على عدم سحب استثماراتها من السوق الاميركية.
لقد فقد الجمهوريون صدقيتهم على يد بوش وصقوره ولا يبقى سوى اعلان فشلهم هذا ليستقر الحزب الديمقراطي في الرئاسة لعقد مقبل على الاقل, وقد يبدأ ذلك في انتخابات تشرين الثاني
نوفمبر المقبل, لذلك ينصح الاب ابنه ووكر بالتخلص من ديك تشيني قبل فوات الاوان.
وتنعكس هذه النصيحة بمماطلة قبول طلب موافقة الامم المتحدة. يليه تسريب بلير عن تأخير الضربة العراقية لشباط
فبراير 2003 اي الى ما بعد 5 اشهر وهي خمس سنوات في ظل المصاعب الاميركية الراهنة, بحيث نستطيع التأكيد ان بوش لن يكون آنذاك في البيت الابيض حيث سيذهب ضحية واحدة من فضائحه او مؤامرة من صقوره او ربما يسجل السبق بكونه اول رئيس اميركي ينتحر.

                                                                                               محمد أحمد النابلسي

                                                                                          الكفاح العربي 25/9/2002

 

Home